pic
| | | |
pic




الكاتب :أ.محمد أبو معيلق
الإنذار ما قبل الأخير لأساتذة اللغة العربية.. التقنية تقضم لغتنا.... فماذا أنتم فاعلون؟

"اللغة هي بيت الوجود" هيدجر
يكاد وضع اللغة العربية يبلغ حالا من التردي، بحيث يمكننا الإدعاء بأن العلاقة بين اللغة العربية والتقدم التكنولوجي تربطهما علاقة عكسية، ففي كل مرة تحقق تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات طفرة جديدة فإن اللغة العربية تكون قد خسرت مساحات إضافية، وأصبح وضعها على مستوى الفكر والممارسة في تراجع، لا لعيب في بنيتها ومنطقها – حاشا لله- ولكن لتخلف الثقافة التقنية/اللغوية للناطقين بالعربية من جهة، وتخلي ابناءها عن رأب الصدوعات على مستوى الممارسة والتطبيق من جهة أخرى.

فمن منطلق نظري، تراجعت اللغة العربية عن أن تكون لغة العلم منذ ما يزيد عن الألف سنة، وتحولت لتكون لغة تابعة (مستجيبة وليست صاحبة فعل مستقل) على مستوى المعرفة النظرية كما على مستوى التطبيقات، فلم يبتكر طوال تلك الفترة أصحاب العربية مصطلحا أو مفهوما جديدا، واكتفوا بترجمة أو تعريب المصطلحات – عن دراسة أو كيفما اتفق- عن اللغات الأخرى، تحت ضغط الحاجات العملية، فجاءت تلك الكلمات الجديدة مغايرة لواقعها الثقافي الذي نشأت فيه، بل وغير معبرة عن كنه المفهوم بالضرورة (حواسيب، خوادم، على سبيل المثال) لتبقى بعيدة عن نسيج الممارسة اليومية، في حين حافظت على مصطلحات أخرى بنطقها الأعجمي لصدق تعبيرها عن جوهرها، وانتفاء وجود المقابل العربي (نانو ، فيمتو ، جينوم)، وحال اللغة هنا ما هو إلا تعبير عن تبعية ثقافية معرفية، وتكريس لها.

ويدلل الاستعراض التاريخي السريع على هذا التباعد بين اللغة العربية والتقنية، فبعد ما أحدثته وسائل الإعلام الشعبية، الجرائد والراديو (أم المذياع؟) والتلفاز، من تخريب للغة وتغليب للهجات الشعبية على الفصحى، أضعف الغزو التقني للمجتمع العربي – في موجة تالية- شيئا فشيئا من الارتباط بين اللغة العربية ومتحدثيها واعتزازهم بها، فكان ظهور الكمبيوتر (الحاسوب) علامة فارقة في هذا السياق، كعلم وتقنية جديدة تماما لا مجال للعربية فيها، باعتبارها بعيدة عن أن تكون لغة الممارسة، حيث تظل التطبيقات الاحترافية والهامة مفتقرة في الغالب لواجهات باللغة العربية، وكذلك مازالت محركات البحث باللغة العربية في طور متأخر نسبيا عن مثيلاتها باللغات الأخرى، ويعود هذا القصور بشكل أساسي إلى غياب الثقافة التقنية/اللغوية الأساسية للمتعلم العربي، والفصل المصطنع بين العلوم الدراسية، فيفتقد متخصصي البرمجة في الغالب إلى المعرفة اللغوية الشاملة، كما لا يسود عند اللغويين المعرفة التقنية المناسبة.

أما على مستوى الممارسة اليومية، وهو بيت القصيد، فقد كان لانتشار الرسائل القصيرة عبر الهواتف النقالة والتخاطب الكتابي عبر الإنترنت (الشات) وأحدوثة العصر الشبكات الاجتماعية (مثل الفيسبوك وتويتر وما إلى ذلك) تأثيرا لا نبالغ إذا ما قلنا مدمرا عند الأجيال الناشئة، فمن جهة التخلي عن الأحرف العربية لصالح الأبجدية الانجليزية (وهو أمر جلل إذا ما استرجعنا التجربة التركية)، ومن جهة أخرى فإن المتصفح لأي من هذه الوسائل يكتشف بسهولة لأي مدى تراجعت اللغة العربية عند مستخدميها، حيث المفردات غريبة والقواعد غائبة أما الأخطاء الإملائية فحدث ولا حرج.

وما الحديث هذا إلا لقناعتي بأن الحلول والعلاجات بأيديكم ، فأنتم سادة اللغة ومالكو ناصيتها وأساطينها، أنتم من تناولتم مشعل اللغة وتحملتم عبء تعليمها لجيل تلو الآخر، إلا أن الساحة تغيرت والأدوات اختلفت، وبينما ينأى العديد من المثقفين عن الدخول إلى هذا المعترك، إلا أن اللحظة الراهنة من تاريخ الحضارة البشرية لا تهبكم هذا الترف، فمازال في العود ليونة ليستقيم، وإذا ما كانت تلك الأدوات التقنية تشرخ حاضر لغتنا، فما زال باستطاعتكم سد الهوة والتأسيس لمستقبل أفضل، ويحتاج الأمر لتكاتفكم ومبادراتكم الفعالة، وإعادة توظيف هذه الأدوات مرة أخرى لتكون في صالح اللغة، وعلى المستوى الشخصي فإن مجرد حضوركم المتواصل على تلك الشبكات كمثال للغة القوية القويمة في التعبير، سيكون نموذجا ليحتذي به الآخرين..

"فإن لم يستطع فبلسانه"

جميع الحقوق محفوظة لجامعة القدس المفتوحة - مركز التعليم المفتوح