جامعة القدس المفتوحة

زمن الشفافية والتسامح والديمقراطية والحوار!!

نشر بتاريخ: 25-10-2016

 

د. إياد أبو بكر-جامعة القدس المفتوحة 
 
 ربما يتفق القارئ معي على أن الحديث عن الشفافية، والمحاسبة، والتسامح، والديمقراطية، والحوار، وتقبل الرأي والرأي الآخر...إلخ، قد كثر في زماننا هذا، وذلك عبر كثير من الوسائل والأدوات، مثل: الندوات، والمحاضرات، والمؤتمرات، ثم أدخلت هذه المفاهيم إلى المناهج الدراسية على مستوى المدارس في جميع مراحل الدراسة وعلى مستوى الدراسة الجامعية، وجميع الدرجات الجامعية أيضاً، ووصل الحد بنا إلى استحداث بعض التخصصات الجامعية حاملة اسمًا ومضمونًا بعض هذه المفاهيم. لكن إذا ما تفحصنا الواقع جملة وتفصيلًا سنجد أن هذه المفاهيم ليست سوى فقاعات هوائية لا رصيد لها في بنك الممارسة، وما هي إلا استعراض للمتشدقين ومزوقي الكلام، وأداة للمغرضين لتنفيذ أجندتهم باسمها. 
لا أتحدث هنا عن الدول ودرجة تمتعها بهذه المفاهيم، إنما عن الجماعات الصغيرة والأفراد، فلو أخذنا مثلًا مفهوم تقبل الرأي والرأي الآخر-بالله عليكم-هل لهذا المفهوم صدى في حياتنا؟ لعلكم تتفقون معي على أن عدونا الأكبر أمسى من يخالفنا الرأي فلا ينسجم معه حتى لو عرفنا الصواب في رأيه!، ولعلكم أيضًا تتفقون على أننا نجند كل الآراء ضد هذا الشخص فنعدّه كاذبًا منافقًا مختلسًا، فنلهث باحثين عن هفواته وسقطاته الشخصية والمهنية بغية الإيقاع به لا تصويب الحال، حتى يصل بنا الحد إلى اختلاق التهم لإلصاقها به. 
أما الشفافية-وما أدراك ما الشفافية-فقد أضحت مفهومًا مجردًا يلفظه تيار الواقع مرة بعد مرة؛ فحين يتعلق الأمر بالآخرين نتحدث فيهم-بداعي الشفافية-قدحًا وذمًا ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر بقلب، أما إذا تعلق الأمر بنا فسنسوق له المفردات والجمل التي تحض على أهمية "كتمان الحاجة بالسر"! 
هلموا إلينا نتحدث عن التسامح لنكشف كيف نترجمه ممارسة ومعاشرة؟! هل بات الحقد-إلى هذا الحد-يلون قلوبنا بحق من أخطأ بقصد أو بدون قصد، وبحق من خالفنا فكرتنا فلا مدحنا ولا أثنى، أجل، ما أشد حاجتنا اليوم إلى النفاق والمنافقين!!!
 أما حواراتنا فأتم ما تسند إليهم "الطرشان"، أين المخطئ؟ أيتنازل عن عرش عاجه وكبره؟ بل أين صاحب الرأي السديد؟ أتراه يخلع نعل "أناه"؟! كانت تلك-واللبيب بالقصة يفهم-قصة صينية: "عاش في إحدى القرى أربعة طرش، الأول راعي غنم، والثاني يعمل في الزارعة، والثالث يبيع الملح، والرابع يقضي لأهل القرية. في أحد الأيام فقد الراعي أحد خرافه، وبينما هو يبحث عنه رأى مزارعًا متسلقًا شجرة، فقال له: فقدت أحد خرافي وجئت أسألك؟ فأجابه: تتحدث عن عجوز محدودب الظهر؟ رأيته متجهًا إلى هناك (وأشار إلى تل قريب) فقال له الراعي: شكرًا على مساعدتك وأعدك أني إن وجدته سأهديك حملًا صغيرًا، ثم أعاد: حملًا صغيرًا لا خروفًا، وتوجه إلى حيث أشار المزارع فوجد ضالته. حينئذ قفل عائدًا إلى المزارع يوفي بوعده، فلما وصل إليه قال: لقد وجدت خروفي وإيفاء بوعدي سأهديك حملًا صغيًرا... حملًا صغيًرا لا خروفًا، فقال المزارع بغضب: أتتهمني بسرقته؟ فرد الراعي: بل وعدتك بأن أعطيك حملًا صغيرًا لا خروفاً. واستمر الجدال حتى مرّ بالقرب منهما بائع الملح، فقال له الراعي: أريد أن تحكم بيننا وتنصفني، فرد بائع الملح: حسنًا حسنًا، سأعطي كل واحد منكم حفنة ملح، فقال الراعي: لقد وعدته إن وجدت خروفي بأن أعطيه حملًا صغيرًا وها هو يطلب خروفًا كبيرًا! فقال المزارع: لا، لا تصدقه، فأنا لم أسرق الخروف، فرد البائع قائلًا: تريدان كيس الملح بالكامل! كلا، ليس هذا ما اتفقنا عليه، واستمر الجدال العقيم حتى اجتمعوا على الذهاب إلى القاضي، وفي هذه اللحظات كان القاضي يزجر زوجه مخاطبًا إياها: يا لك من امرأة سليطة اللسان، عودي إلى بيت أهلك، فانتِ طالق.
  لمح الثلاثة (الراعي والمزارع والبائع) القاضي من بعيد، فهرعوا إليه ليحكم بينهم، فقال الراعي: لقد وعدت المزارع إن وجدت خروفي بأن أهديه حملًا صغيرًا، فرأيته مصرًا على خروف كبير، وقال المزارع: إنه كاذب محتال فأنا لم أسرق الخروف، وقال البائع: لقد وعدتهما بأن أعطي كل واحد منهما حفنة ملح وهاهما يطلبان الكيس كاملًا، فرد القاضي غضبًا: أُرجع زوجتي؟! محال هذا ولن يكون أبدًا".