جامعة القدس المفتوحة

تمويل التعليم العالي في فلسطين...بين الواقع والمأمول

نشر بتاريخ: 03-10-2016

 

أ. د. محمد أحمد شاهين 
 عميد شؤون الطلبة-جامعة القدس المفتوحة

يثير موضوع تمويل التعليم جدلاً واسعاً في المجتمعات كافة باختلاف مستويات الدخل والمعيشة فيها، ويتزايد هذا الجدل في ظل الارتفاع المتزايد لتكلفة التعليم في السنوات الأخيرة، وبخاصة التعليم العالي. ويلاحظ من جهة أخرى ازدياد واضح ومطرد في نسبة الالتحاق بالتعليم العالي خلال السنوات العشرين الأخيرة، وينعكس ذلك على الاستقرار والتطور ودور مؤسسات التعليم العالي وبخاصة في الواقع الفلسطيني، إذ تكرر حدوث نزاع بين الطلبة وإدارات مؤسسات التعليم العالي تارة، وبين العاملين والإدارات تارة أخرى، ما أدى إلى تعطيل مسيرة التعليم أكثر من مرة في أكثر من مؤسسة تعليم عال، وبخاصة الجامعات، وكذلك كان الأثر السلبي ملموساً في أعداد الطلبة إلى أعداد أعضاء هيئة التدريس، وخطط التطوير، والبحث العلمي...، ومن ثم في جودة التعليم ومخرجاته. لذا فلا بد من الاعتماد على موارد تمويلية واضحة ومستقرة، تضمن لمؤسسات التعليم العالي الفلسطينية الاستمرار في أدائها وتقدمها.
ويقصد بتمويل التعليم إيجاد مصادر مالية قادرة على تغطية احتياجات المؤسسات التعليمية كاملة، حتى تتمكن من تحقيق أهدافها ورسالتها التربوية والبحثية الاقتصادية، أما في الإطار الشمولي فيقصد به مجموع الموارد المرصودة في إطار التعليم لتحقيق الأهداف التي ينبغي تحقيقها بالموارد المتاحة، وإدارة هذه الموارد واستخدامها بكفاءة. 

ويعد موضوع التمويل من أعقد المشكلات التي يواجهها التعليم العالي وأكثرها إثارة للجدل، وهي قضية مطروحة في دول العالم كافة، ويتمثل في زيادة النفقات مقابل ندرة الموارد المالية. وتشير المقارنات بين معدلات توسع التعليم العالي والضغط الكمي والزيادة المطردة في أعداد الملتحقين به ونسب الارتفاع في المخصصات المالية المرصودة للتعليم العالي إلى تفاوت واضح بين المتغيرين، إذ كان الارتفاع في نسب التمويل محدوداً مقارنة بالارتفاع المطرد في نسب الالتحاق بالتعليم العالي خلال السنوات الأخيرة، وبخاصة في الدول العربية التي لديها موارد مالية محدودة، وعدم قدرة تلك الدول على تخصيص موارد إضافية لصالح التعليم.
ومن البدهي استنتاج أن الزيادة في نسب الالتحاق بالتعليم العالي خلال السنوات الأخيرة والاهتمام بالجودة سيتطلب تبعات مالية كبيرة، ما يستدعي إشراك المجتمع في تغطية جزء من تكاليف التعليم العالي من خلال الرسوم الدراسية، ودعم البحث العلمي، وتمويل صناديق خاصة بالتعليم بوجه عام، أو بالطلبة في مؤسسات التعليم العالي، أو من خلال المساهمات وتحمل التبعات من قبل الأفراد والمؤسسات بتنظيم من الدولة أو من خلالها.

وتشترك الدول العربية في اعتمادها على الدعم الحكومي في تمويل التعليم العالي، مع تفاوت في نسب الدعم بحسب الأنظمة التعليمية السائدة في كل دولة. ويمكن تقسيم الدول العربية في هذا المجال إلى مجموعتين: في الأولى تقوم الدولة بالدور الرئيس في تمويل التعليم العالي وفق مقاييس ومعايير تخص كل بلد، وتدخل هذه التمويلات في إطار التحويلات الاجتماعية، دون تحميل الطالب أي تكاليف مهما كانت خلفيته الاجتماعية، ودون شروط مسبقة مرتبطة بالمخرجات والنوعية، والاقتصار على توسيع الطاقة الاستيعابية لمؤسسات التعليم العالي. وتضم هذه المجموعة دول مجلس التعاون الخليجي، ودول المغرب العربي، ومصر. أما المجموعة الثانية، فيقوم فيها القطاع الخاص والمجتمع المدني بالدور الرئيس في تمويل التعليم العالي، وتضم هذه المجموعة لبنان والأردن وفلسطين. ويمكن أن نلاحظ أن السياسات التعليمية العربية قد نجحت في زيادة أعداد الملتحقين بالتعليم، ضمن إطار يمكن تسميته بـ "سباق الأرقام"، وبلوغ أهداف كمية دون مراعاة متطلبات النوعية، فتحولت المؤسسة التعليمية من مؤسسة نخبوية مقصورة على أبناء الأسر المحظوظة إلى مطمح لفئات المجتمع كافة، حتى الشعبية منها. وعلى الرغم من أن هذا النمو-رغم أهميته في إطار زيادة رأس المال البشري-فإنه شكل تحدياً فعلياً يتمثل بضرورة أن يترافق مع هذا الطلب والإقبال الاجتماعي المتزايد على التعليم، والوفاء بمتطلبات الجودة، والمواءمة بين احتياجات التعليم والتحولات المعرفية المتسارعة. 
وتستند أنماط التمويل المعتمدة في جامعات الدول المتقدمة إلى الشراكة بين المؤسسة التعليمية والبيئة الاقتصادية والسياسية المحيطة بها، وتتعدد نسب التمويل والجهات الممولة من بلد إلى آخر بحسب النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي السائد. ورغم أن الدولة تتدخل في دعم المؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة في هذه الدول، فإن الاتجاه السائد فيها هو تقاسم التكاليف بين الجهات الرسمية والجامعية وهيئات المجتمع، مع تحميل الطالب كامل تكاليف التعليم العالي أو جزءًا منها، وتمثل بعض المصادر التمويلية-مثل الوقف-إيراداً لأغلب الجامعات العريقة.

ويمكن أن نستنتج من خلال نماذج التمويل في الدول العربية أن هناك صعوبة في زيادة حصة التعليم من الموازنات العامة، أو زيادة الإنفاق على التعليم، في ضوء الصعوبات الاقتصادية التي تمر بها معظم الدول العربية، فاتجهت السياسات إلى ترشيد الإنفاق، وتنويع مصادر التمويل. أما التجارب في الدول المتقدمة فقد لا تكون مناسبة لكل البيئات الجامعية، وبخاصة في البيئة العربية، لاختلاف الظروف والتقاليد والسياسات، لكن هذه التجارب التي أثبت الكثير منها جدواها، يمكن الاستفادة منها في توسيع قاعدة التمويل للتعليم العالي خلال التوسع في التعليم دون رصد مخصصات مالية موازية وملائمة.
ويساهم الوقف بنسب مهمة في تمويل التعليم العالي الخاص أو الحكومي في الدول التي تصنف على أنها ذات تقاليد جامعية متطورة، وينتشر هذا المفهوم (مفهوم الوقف) في الدول المتقدمة وكذلك الصاعدة منها مثل تركيا، ضمن مفهوم تحمل جزء من تكاليف التعليم العالي وليس كمصدر إيرادات إضافي.

وأوضحت العديد من الدراسات أن التعليم العالي في فلسطين يعاني مشكلتين أساسيتين مرتبطتين، تتعلق الأولى بالتمويل والأخرى بنوعية التعليم العالي، إذ إن مؤسسات التعليم العالي تواجه عجزاً في ميزانياتها لكنها لا تستطيع زيادة إيراداتها من خلال رفع أقساط الطلبة، كون المجتمع الفلسطيني مجتمعاً فقيراً لا يحتمل ارتفاعاً في أقساط التعليم، وهذا يؤدي إلى بقاء رواتب الهيئة التدريسية متدنية، وينتج عن ذلك هجرة الكفاءات من المؤسسات التعليمية إلى وظائف تؤمّن إغراءات مادية أكبر، وهذا يؤثر سلباً في نوعية التعليم العالي ويؤدي إلى فقدان الجامعات الطواقم التدريسية ذات الكفاءة العالية. وترجع الدراسات العجز المالي المتراكم للجامعات الفلسطينية إلى عدم وجود سياسة تمويل واضحة للتعليم العالي منذ نشأته؛ فالمعطيات تشير إلى تراكم عجز مالي لسنوات في الجامعات الفلسطينية، وإلى غياب استثمارات وعوائد ذاتية لها، وتضع قيوداً على المنح الداخلية التي تقدمها الجامعات، وإضرابات، وتعليق دوام متكرر للعاملين مطلع كل عام دراسي في معظم الجامعات الفلسطينية، مطالبين بعلاوات غلاء المعيشة وبديل عن التذبذب الكبير في أسعار صرف العملات، واحتكاكات بين الطلبة والإدارة مطلع كل فصل دراسي في معظم الجامعات بسبب رفع إدارات الجامعات الرسوم الدراسية، ومطالبة الطلبة بالتزامات مالية سابقة. كما أن عدد طلبة الجامعات يزداد سنوياً بنسبة تصل إلى أكثر من (20%)، ويزداد بهذا عدد الطلبة المحتاجين نتيجة الواقع الاقتصادي وظروف الحصار إضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة، فضلاً عن الارتفاع الملحوظ في فاتورة التعليم العالي في فلسطين. 

وتبلغ ميزانيات الجامعات السنوية نحو (200) مليون دولار، وتمثل الرسوم الدراسية المصدر الرئيس لتمويلها، إضافة إلى مساعدات السلطة الوطنية المحدودة وغير المنتظمة، التي لم تصرف منذ سنوات عدة. ويؤدي تأخر صرف مخصصات الجامعات إلى نقص وعجز دائم في تغطية مصاريف الجامعات يقدر بنحو (70) مليون دولار سنوياً، ما يؤكد حاجة التعليم العالي الفلسطيني إلى مصادر دعم مالي مستقرة وكافية.
 
وفي ظل هذا الواقع، بادرت مؤسسات التعليم العالي غير الحكومية (وهي تشكل الأغلبية القصوى في قطاع التعليم العالي الفلسطيني) إلى اتخاذ تدابير وإجراءات للتعامل مع الخلل بين الاحتياجات والمصروفات من جهة وبين الإيرادات في موازناتها من جهة أخرى، التي كانت تراكم عجزاً على عجز بشكل مستمر. ولقد لجأت الجامعات إلى فتح تخصصات جديدة، والتوسع في البرامج القائمة بغض النظر عن حاجة السوق، وقدراتها البشرية، سواء من حيث الكم أم النوع، ومارست بعض النظم التسويقية لزيادة أعداد طلبتها بهدف زيادة دخلها وقبول أعداد كبيرة من الطلبة فتضاعف العدد في بعض الجامعات خلال عامين أو ثلاثة بهدف زيادة الموارد المالية للجامعات، ودون أن يرافق ذلك زيادة في أعداد العاملين، وبخاصة أعضاء هيئة التدريس، ثم اقتطاع نسبة من رواتب العاملين متأخرة إلى أجل غير مسمى في بعض الجامعات، وخفض موازنات بعض الأنشطة والمهام الموكلة بالمؤسسات التعليمية، وتحويل مراكز التعليم المستمر وخدمة المجتمع إلى مراكز ربحية تسهم في توفير موارد مالية لميزانية الجامعة، وقيام بعض الجامعات باستخدام مخصصات العاملين وتوفيراتهم لدى الجامعة لأغراض المصاريف الجارية وتسيير أمورها مؤقتاً، واستحداث مفهوم التعليم الموازي، وفتح آفاق في مجال توفير موارد مالية ضمن مفهوم الجامعة المنتجة، والقيام بجهود منظمة لتوفير منح وهبات خارجية وبخاصة في مجال دعم البنية التحتية أو التطوير، وأحياناً للميزانية العامة للمؤسسة.

وفي ضوء الواقع الفلسطيني والأزمة المالية الخانقة التي تعيشها مؤسسات التعليم العالي في فلسطين، وضمن الإمكانات والظروف الاقتصادية والواقع السكاني، واستناداً إلى بعض التجارب الإقليمية والعالمية في تمويل التعليم التي عرضت في الورقة، يمكن اقتراح آلية شاملة لتمويل التعليم العالي في فلسطين، تشمل جانبين رئيسين: الأول يتمثل في تنويع مصادر التمويل لتشمل تطوير الدعم الحكومي، فمن الضروري رفع نسبة التمويل الحكومي إلى نسبة لا تقل عن (25%) من موارد التعليم العالي سنوياً من خلال زيادة مخصصات وزارة التربية والتعليم العالي من النفقات الجارية لموازنة السلطة الوطنية الفلسطينية، ومن ثم نسبة الإنفاق على التعليم العالي من مخصصات قطاع التعليم بوجه عام. ويمكن ربط مخصصات التعليم العالي بأداء الجامعات استناداً إلى سياسة تعاقدية بين وزارة التربية والتعليم العالي والجامعات، تتضمن محاور ومعايير موضوعية ومحددة، وكذلك إنشاء صندوق وطني للتعليم العالي، له مصادر محددة ومستمرة، من خلال مساهمات واقتطاع نسب من الضرائب، والفواتير الشهرية، وأسعار السجائر، والمحروقات، وإيرادات البلديات والمجالس المحلية، ومساهمات البنوك والشركات... وتفعيل نظام الوقف، إذ إن التجارب العربية والعالمية في مجال نظام الوقف كمصدر لتمويل التعليم أثبتت فاعليتها وجدواها. لذا من المهم توفير آليات مناسبة للعمل بهذا النظام في فلسطين لتمكين الجامعات من تمويل جزء من أنشطتها واحتياجاتها المالية، ولا بد من تطوير معادلة وطنية عادلة للرسوم الجامعية عبر حوار وطني شامل يقوده مجلس التعليم العالي، تشارك فيه كل الأطراف بما فيها ممثلو الطلبة، بحيث تغطى الرسوم نحو (40%) كحد أقصى من تمويل التعليم العالي، مقروناً باستفادة الطلبة من نظام خاص بالقروض والمنح التي يقدمها الصندوق الوطني للتعليم العالي في فلسطين بديلاً عن المنح التي تقدمها الجامعات وتستهلك جزءاً ليس بسيطاً من مدخولاتها، ويتفاوت من مؤسسة إلى أخرى، ما يحول دون وجود معيارية وعدالة عامة بين طلبة مؤسسات التعليم العالي في الحصول على المنح والمساعدات ومعاييرها. ويمكن أن تكون المعادلة مرتبطة بمتوسط الدخل في فلسطين، ومتوسط التكاليف للتعليم العالي، وغلاء المعيشة السنوي، وتخصص الطالب، والمستوى الدراسي. وكذلك تفعيل مفهوم الجامعة المنتجة، من خلال قيام الجامعة بممارسة بعض النشاطات إضافة إلى مهامها الأساسية بهدف تحقيق بعض الموارد المالية لميزانيتها، ثم إشراك القطاع الخاص في تمويل التعليم العالي؛ فدور هذا القطاع يمكن أن يكون من خلال تخصيص جزء من أرباحه، ومسؤوليته المجتمعية، ونظام الكراسي العلمية (التي تقوم على أساس تقديم منحة نقدية أو عينية يتبرع بها فرد ما أو مؤسسة لتمويل برنامج بحثي أو أكاديمي في المؤسسة التعليمية)، والشراكة مع المؤسسات التعليمية في استثمارات هادفة ومخططة.

أما الجانب الآخر للمقترح، فيتمثل في ترشيد النفقات، إذ إن العديد من الدراسات تشير إلى أن أحد الأسباب الرئيسة لأزمة التمويل في التعليم العالي، مردها عدم الاستثمار الأمثل للموارد المالية والبشرية المتاحة. وهذا لا يعني الترشيد ووقف هدر المال، إنما يعني-إلى جانب ذلك-توظيف الكوادر البشرية المؤهلة، بحيث تكون منوطة بحاجة المؤسسة التعليمية ضمن آلية شفافة موضوعية ومتوافقة مع المعايير العالمية وفق الإمكانات والظروف، وهذا قد يشمل أن يكون تخصيص الموارد المالية حسب النتائج والأداء للمؤسسات التعليمية وجودة مخرجاتها. كما أن الترشيد في الإنفاق يستدعي توظيف التقانة الحديثة بطريقة مرشدة وضمن رؤية واضحة تسهم في تقليص المصاريف وتوفير الموارد المالية، من خلال تفعيل طرق التحكم الإلكتروني وتطويرها، وانعكاسها المستقبلي على توفير الأبنية والمرافق اللازمة، والمساحات، والحدائق، إلى غير ذلك. كما أن توظيف التكنولوجيا يسهم في توفير مصاريف الورق والنسخ والطبع والبريد ذات التكلفة العالية من نفقات المؤسسات التعليمية.