جامعة القدس المفتوحة

وصية

نشر بتاريخ: 20-07-2016

بصحبته شرعتُ أسقي أشجار الليمون المحفوفة بزيتوننا الذي لا يبعد كثيراً عن بيتنا، ورحت أنصت إلى نصائح أبي: "يا بنتي، اجعلي قلبك جذور هذه الشجرة، وثباتك أغصانها، وجمالك حباتها، وعرضك بقاءها، ولا تهمليها فيطمع بها عدوك"، حينئذ أحسست أن لكلماته تلك قدسية كقدسية وصايا الأنبياء، كيف لا ونسمة خفيفة تتخلل تلك الأغصان تكفي لتعبق بها رائحة الأرض وتبشرني بمخاض يتجدد مع كل أذان وقرع جرس، مخاض وطن.

لم يمهلنا هؤلاء الغرباء الذين لا يشبهون لون التراب وقتاً كافياً أن نتعبد بمحراب الأرض اقتربوا منا ويتقدمهم حقدهم وأسلحتهم، يأمروننا بالرحيل.
  - من أنتم وما جاء بكم هنا؟ عودوا من حيث جئتم.
 رصاصة واحدة كانت كافية أن تجعل من دم أبيها نهراً تروي به ظمأ الثائر وتسقي في أحشائها نبتة الثأر، ثم راحت تملأ الأفق غضباً: "وعداً يا أبي أن تشهد أشجارك على ذلهم".

     من أي مكان يأتي هؤلاء ثم يشرّعون لأنفسهم اغتصاب طفولتي وقتل أبي ويدمرون قريتي ويحيلون جمالها مأوى للأشباح؟!
أخذت الأم تحزم أمتعتها وتقول: يا بنتي، لم يبق أحدٌ سوانا في هذا المكان الموحش! 
- لن أغادر قبر أبي وحديقتي ولو ملّكوني الأرض. 
- أعوام قليلة يا بنتي ويزول كل شيء، سيحيلون قبر أبيك كنيساً والحقل متجراً لألعاب أطفالهم، حتى الميناء الذي سيحملنا لن يشهد على تهجيرنا.
-  أين ستذهبين؟ 
- إلى مكان لا موت فيه.
- أمي، أي مكان لا فلسطين فيه لا حياة فيه، هنا سأظل أسقي أشجار أبي كما أمرني.
- أجل، لن نحمل المفتاح ثانية ولن نتخذ الانتظار وطنا.
 
 
 
 
 
 
الطالبة رينا إبراهيم مر
إدارة صحية / مستوى سنة أولى