جامعة القدس المفتوحة

هل يعد انضمام دولة فلسطين إلى منظمة التجارة العالمية أمراً جيداً؟

نشر بتاريخ: 03-07-2016

د. مجدي وائل الكببجي عضو هيئة تدريس في جامعة القدس المفتوحة

منظمة التجارة العالمية (World Trade Organization - W.T.O) كيان اقتصادي عالمي يهدف إلى تحرير التجارة الدولية وانسيابها بأكبر قدر من السلاسة عبر إزالة العوائق التجارية بين الدول الأعضاء التي تبلغ في الوقت الراهن (160) دولة، وفلسطين على خطى الانضمام عبر مفاوضات الانضمام للمنظمة خلال خمس سنوات من تسمية الدولة كعضو مراقب، وهذا يسمح للمنظمات الإقليمية والدولية البالغة (77) منظمة تقريباً بدخول الكيانات (الدول) التابعة لمنظمة التجارة العالمية والذين أصبحوا أعضاء مراقبين، حسب اهتمامات تلك المنظمات وبناء على طلبها، وتعد هذه خطوة أولوية نحو الانضمام الكامل إلى منظمة التجارة العالمية التي تحوي العديد من الاتفاقات نحو تحرير التجارة الدولية كاتفاقات السلع الزراعية، والمنسوجات والملابس، والمنتجات الصناعية، والخدمات، والتجارة المتعلقة بالاستثمارات الأجنبية، وحماية حقوق الملكية الفكرية، والقيود الفنية على التجارة، والإجراءات الوقائية، وقواعد المنشأ، وتراخيص الاستيراد، وإغراق الأسواق، والتقييم الجمركي، وغيرها.
إن وضع دولة فلسطين على الخريطة الاقتصادية العالمية يوجب التمحيص والتدقيق في اقتصادنا المحلي في ظل مؤشرات ليست مرضية قياساً لحجم التجارة الخارجية، وحجم الاستثمارات، والناتج المحلي الإجمالي، وصغر السوق المحلية، بالإضافة إلى محاولة التأكد من توافق المواد والمبادئ المنصوص عليها ضمن الاتفاقات الدولية لمنظمة التجارة العالمية ومدى إيجابياتها وسلبياتها للاقتصاد الوطني الفلسطيني. 
إن التحدي الأول لفلسطين فيما يتعلق بانضمامها للمنظمة هو أن يتم العمل على تخفيف التعرفة الجمركية وإلغائها تدريجياً على السلع والخدمات المستوردة، وانطلاقاً من مبدأ المعاملة الوطنية   (National Treatment) وهو من مبادئ (WTO) القاضي في جوهره بعدم اللجوء إلى القيود غير التعريفية كالضرائب أو الرسوم أو القوانين والقرارات والإجراءات التنظيمية الأخرى، كوسيلة لحماية المنتج المحلي أو التمييز ضد المنتج المثيل المستورد الذي يتسم بمجمله بجودة أعلى وتكلفة أقل، الأمر الذي قد يجعل المستهلك يتجه لشراء المنتج المستورد، ما يعوق تطور المنتجات المحلية وزوال الناشئة منها، وهذا يزيد من الأعباء الاجتماعية وارتفاع معدلات البطالة، وتأثر ميزان المدفوعات سلباً، هذا بالإضافة إلى انخفاض الدعم الحكومي لبعض المنتجات والسلع، فينتج عن ذلك ارتفاع معدل التضخم وغيره من المؤشرات.
إن التزام الدول الأعضاء في المنظمة بحماية حقوق الملكية الفكرية بأشكالها المختلفة يؤدي أيضاً إلى زيادة تكاليف الإنتاج، لأن المنتجين يضطرون إلى دفع تكاليف أخرى تتمثل في شراء براءات الاختراع والعلامات والأسماء التجارية التي تضاف إلى تكاليف الإنتاج الأصلية، ما يؤدي إلى زيادة تكلفة الإنتاج ومنه إلى زيادة أسعار السلع والخدمات. كما أن الحاجة إلى عمال ذوي مهارات عالية-نظراً لما يفرضه الأمر الواقع لتطوير الصناعات المحلية وتحسينها لتدخل مجال المنافسة الدولية والمحلية-سيرفع من تكاليف الإنتاج وأسعار المنتجات، وسترتفع نتيجة هذا نسبة البطالة بين العمال غير المهرة. 
ومما لا شك فيه أن الشركات الأجنبية سيكون لها وجود قوي في السوق المحلية، وهذا سينعكس سلباً على بعض الشركات المحلية الصغيرة التي ستـُـجبر على الخروج من السوق لعدم قدرتها على المنافسة. 
كما أن معظم الصناعات المحلية في فلسطين صناعات استهلاكية بطبيعتها وموجهة لإشباع حاجات السوق المحلية، لذا فهي لا تستطيع الصمود إذا ما حرمت من هذه السوق. والواقع أن الناظر إلى قيم الصادرات الفلسطينية وكمياتها يرى أنها قد لا تشكل عنصر اطمئنان للمنتج المحلي، ما يجعلها تحتاج إلى واق من الصدمات يتجسد في السوق المحلية الفلسطينية التي ستتحول إلى سوق تسودها المنافسة الحقيقية. 
في الختام نقول صحيح أن ثمة إيجابيات وسلبيات جراء الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، لكن غالبية الآثار السلبية مؤكدة الوقوع، بينما غالبية الآثار الإيجابية احتمالية وأقرب إلى الفرص التي قد يتسنى للدولة المنضمة الانتفاع بها أو ربما لا يتسنى لها ذلك، وعليه يجب التمحيص والتعمق عبر دراسة مقارنة بين الخسائر المتوقعة نتيجة هذا الانضمام والنتائج الإيجابية المتوقعة، آخذين بالاعتبار درجة التطور الاقتصادي للدولة ومدى امتلاكها مزايا نسبية في بعض قطاعات الإنتاج، ومدى انفتاح الاقتصاد الوطني ودرجة الاعتماد على التجارة الخارجية تصديراً واستيراداً، ومدى قدرة الاقتصاد الوطني على التكيف، ومدى قابلية السياسات الاقتصادية للتغير استجابة للتغيرات في البيئة الاقتصادية الدولية، ومدى التعديلات المطلوب إدخالها على هيكل التعريفات الجمركية والترتيبات التجارية القائمة، وغير ذلك. 
وطالما أننا نعيش في عالم ترسم فيه الدول الغنية "قواعد اللعبة"، وطالما أن تقوية مركز الدول العربية في النظام الاقتصادي العالمي في مواجهة الأغنياء والمنافسين الآخرين تحتاج إلى وقت طويل، سوف يكون التعايش مع النظام الجديد للتجارة العالمية أمراً لا مناص منه، لكن على المدى البعيد.