جامعة القدس المفتوحة

الحضارة والقيم الإنسانية- د. سامي محمد علقم

نشر بتاريخ: 07-05-2016

 الحضارة والقيم الإنسانية

د. سامي محمد علقم
عضو هيئة تدريس
فرع دورا
تقوم الحضارة في مجتمع له قسط من الاتساع البشري والمكاني والامتداد الزماني، ولكنها ليست المجتمع ذاته. 
يتألف المجتمع من أفراد وكتل بشرية، لها من الترابط الداخلي شيء يجعل المجتمع مجتمعاً متميزاً عن غيره.
أما الحضارة فهي حياة هذا المجتمع المتمثلة في نظمه ومؤسساته، ومكاسبه وإنجازاته، وفي القيم والمعاني التي تنطوي عليها، ولولا خشية التشبيه التي قد تجر إلى أخطاء في الاستنتاج والحكم، لقلنا إن المجتمع جسد أو وعاء، وإن الحضارة روحه أو محتواه ومضمونه.
إن الحضارة-أي حضارة-تعبر عن قيم، وغيابها الافتقار إلى هذه القيم وحفظها وتنميتها، ذلك أن هذه القيم قيم إنسانية، وذلك بمعنيين:
الأول: أنها تتصل بالحياة الإنسانية ذاتها، لا بالمنتجات المادية التي تحيط بها، سواء أكانت هذه المنتجات أدوات صنع أم حاجات استهلاك، فهي في الأغلب وسائل لا غايات، وكثير منها ضروري لتحضر الحياة الإنسانية وتقدمها، فبدونها لا يتمكن الإنسان من رفع مستوى عيشه والانصراف إلى الخلق والإبداع، وإقامة منشآت العلم والتربية التي هي من أسباب رقيه ورفعته، ولكن هذا الرقي هو في نهاية الأمر فضيلة ذاتية تتحقق في الإنسان نفسه، لذا فالمرآة الصادقة لأي حضارة هي نوع الإنسان الذي تنتجه وتتمثل به. فإذا ما أشرنا-على سبيل المثال-إلى أي حضارة ما، كالهندية أو الصينية أو اليونانية أو العربية أو الروسية، سنرى أن عنوان هذه الحضارات هو الإنسان الذي ولدته وتجلت فيه قيم هذه الحضارة، فالإنسان هو الغاية، وكل ما عداه مسخر في خدمته ورعايته وتحقيق مصالحه، والقيم الحضارية هي قيم إنسانية ذاتية، وكل ما عدا هذه تابع لها يخدم أغراضها.
والمعنى الثاني: إنسانية القيم الحضارية، وهذه لا تنحصر في الأقوام الذين نشأت فيهم، بل تتعداهم إلى سواهم، لأنها تعبر عن حاجات ونزعات بشرية أصيلة تخاطب الإنسان من حيث هو إنسان، فإذا ما نظرنا إلى الأدب أو الفن أو الثقافة أو إلى أي مظهر آخر من مظاهر الحضارة نجد أن أياً من هذه المظاهر نتاج قوم من الأقوام يحمل ميزاتهم ويمثل مواهبهم وإنجازاتهم ونقائصهم. وكان من خير الإنسانية ومن أسباب غناها الحضاري أن هذه النتاجات والإنجازات جاءت متعددة مختلفة، فحملت كل حضارة منها لوناً خاصاً وسمة مميزة.
وقد يكون من أعظم مخاطر الوضع الإنساني الحاضر أن الحضارة الغربية الحديثة-بما لها من قوة اندفاع وبعد نفاذ-بدأت تنتشر في العالم أجمع وكادت تصبغه بلون واحد، لذلك وجب على المجتمعات المتأثرة بهذه الحضارة أن تحرص على تراثها الخاص وأن تسعى للمحافظة عليه وتقوم على تنميته ليخدم الإنسانية جمعاء ولا يكون مقتصراً عليها.
ومع هذا نقول إن كل تراث من هذه التراثات وكل مظهر من مظاهرها، له من الأصالة والجدارة ومن الأهلية للبقاء والحياة بقدر ما يمثل من قيم إنسانية يستطيع أن يقدرها ويفيد منها أي إنسان في أي مكان أو زمان. فالأدب أو الفن الذي لا يهز شعوراً ولا يحرك ساكناً خارج البيئة التي ظهر فيها لا يجدر به أن يرتفع إلى مستوى الأدب أو الفن الذي تستجيب له قلوب أبناء البيئات الأخرى، ومدى هذه الاستجابة هو في نظرنا من أهم المقاييس التي تحكم له أو عليه. فلكل تراث ولكل مظهر من مظاهره لب أصيل، هو محتواه الإنساني، فالتراث الحضاري الإنساني الشامل ليس خليطاً من كل ما أنتجته الأقوام المختلفة، بل هو مجموع نتاجات أصيلة، وهو أيضاً إنسانية الجوهر والمضمون المتنوعة بتنوع نظراتها وباختلاف تحقيقاتها للقيم التي تضفي على الإنسان إنسانيته، وترفعه عن المرتبة الحيوانية.