جامعة القدس المفتوحة

الحركة الطلابية وتراجع تأثيرها في الشارع الفلسطيني

نشر بتاريخ: 26-04-2016

خالد العواودة
بدأ تاريخ الحركة الطلابية الفلسطينية في الفترة التي واجه فيها الشعب الفلسطيني الانتداب البريطاني، غير أن تأثيرها في الطلبة أو في الشارعين الفلسطيني والعربي كان ضعيفاً، يعود ذلك إلى قلة عدد الطلبة في المجتمع الفلسطيني آنذاك بسبب سياسة التجهيل التي كانت متبعة أواخر الحكم العثماني وزمن الانتداب البريطاني، عدا عن أن التعليم كان مقتصراً على أبناء العائلات وأصحاب النفوذ لأسباب عدة في ذلك الوقت. 
   اتبعت سلطات الانتداب آنذاك سياسة الحد من التعليم، بتحديد انتشار المدارس، لذا بقي الحال على ما هو عليه حتى انتهاء الانتداب البريطاني واحتلال إسرائيل الأراضي الفلسطينية عام 1948م، وتشريد السكان الفلسطينيين من ديارهم، وتشكيل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.
إن هذا التغير أدى إلى وجود مخيمات للاجئين الفلسطينيين وتهجير الشعب إلى دول الجوار وإلى الأراضي الفلسطينية المتبقية بعد النكبة، ولكن هذا التهجير قاد الفلسطينيين إلى التوجه نحو العلم والدراسة، فنشطت الحركة الطلابية في ما تبقى من الأرض، بل أينما حل هؤلاء اللاجئون، وأخذت تتبلور هناك اتحادات طلبة فلسطين، ومنها ما كان شكّله اللاجئون الفلسطينيون في مصر وفي ما تبقى من قطاع غزة الذي كان يخضع للسيادة المصرية وقتئذ، وخرج من بين تلك الاتحادات قيادة للشعب الفلسطيني ورمز للنضال، وعلى رأسهم (أبو عمار) الذي كان يرأس اتحاد الطلبة الفلسطينيين في حينه، وتمكن رئيس اتحاد طلبة فلسطين في مصر من تشكيل أكبر حركة تحرر وطني عن طريق الاتصال بالمناطق الأخرى، ثم انطلقت حركة فتح عام 1965م التي استطاعت بتضافر جهود الكل الفلسطيني وقيادته آنذاك أن تحرك المجتمع العربي والدولي  وأن تضع القضية الفلسطينية على رأس سلم الأولويات العالمية والعربية.
لم يكن عمل الأطر الطلابية الفلسطينية نقابياً فحسب، بل كان-إلى جانب ذلك-أطاراً سياسياً يعنى بتعبئة عناصره من الطلبة تعبئة وطنية، ورفد الحركة الوطنية بالمقاتلين في كثير من الحالات، ومرد هذا أن أمام هذه الأطر هدفين: المحافظة على حقوق الطلبة وتوفير الدعم المادي اللازم لدراستهم، والمحافظة على الهوية الفلسطينية في أماكن وجودهم، هذا إضافة إلى نشر رسالة الأطر في أماكنها، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل الوطني سواء أكان عسكرياً أم سياسياً أم فنياً.
منذ بداية تأسيس مجالس الطلبة في الجامعات الفلسطينية أوائل السبعينيات، نراها قد لعبت دوراً مهماً في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، بل أثرت في القرار السياسي الفلسطيني، فالنشاط والنضال الطلابي في هذه الجامعات آنذاك كان يعكس حالة الشارع الفلسطيني، خاصة في ظل وجود منظمة التحرير وقياداتها في الخارج، ثم إن طبيعة مواقفها وعملها انعكست خارج أسوار الجامعات من خلال التوجيه والتوعية والتواصل مع المجتمع والعمل من خلالها، هذا دون إغفال الدور المركزي للجامعات الفلسطينية في رفد الحركة الوطنية بعناصر وكوادر شابة واعية.
   بالإضافة إلى دور الحركة الطلابية وإسهامها، بصفتها رافداً أساسياً للحركة الوطنية والمشهد السياسي العام، فقد كان أبرز دور لها هو إسقاط الخيار الأردني الذي كان مطروحاً على الساحة، وتبعه أيضاً تشكيل روابط القرى والحكم الذاتي، ولكننا نرى الحركة الحركة الطلابية تؤدي دورها الأكبر والأبرز في إنهائه، فدفع أبناؤها ثمناً كبيراً من أجل ذلك، إما  بالاعتقال أو الاستشهاد أو الإصابة. 
  إن المنعطفات التاريخية التي مرت بها القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة أثرت في مدى فاعلية مجالس الطلبة والحركة الطلابية بوجه عام في القرار السياسي، ولعل أبرز هذه التحولات كانت في المرحلة التي شكلت فيها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، إذ أضحى هناك تراجع في التعبئة الوطنية العامة بين صفوف الطلبة، بل طغت التعبئة الحزبية واختلف الهدف من وجود الحركة الطلابية، فتحول الهدف الاستراتيجي من مقارعة الاحتلال والتعبئة ضده إلى مناكفات داخلية بين الأطر، بل إلى صراعات داخلية في الإطار الواحد، بهدف الوصول إلى مصلحة الفرد. وإن أخطر ما حل بالحركة الوطنية عامة والحركة الطلابية خاصة قضية المحاصصة على ثلاثة محاور: 
1 - محاصصة تنظيمية .
2 - محاصصة جغرافية .
3 - محاصصة محاور (في الإطار الواحد).
ونقول آسفين إن المحاصصة  أثرت في الحركة الطلابية وباتت جزءاً من قوانين توزيع الحصص في الشارع الفلسطيني، فتغيرت طبيعة الدور الذي تقوم به، وأصبح الطلبة وحركتهم رهن الصراعات القائمة في الشارع الفلسطيني.
ولا ننسى الانقسام الحاصل في الوطن الذي أثر سلباً في الحركة الطلابية والوضع السياسي بوجه عام، وما من أحد يمكنه تجاهل هذا الأمر، إذ أصبحت مناظرات الكتل الطلابية تقتصر على تعرية كل إطار الأطر الأخرى وتشويهها، في الوقت الذي كانت فيه الحركة الطلابية طليعة العمل الجماهيري والثوري، تتغنى بإنجازاتها في مقارعة الاحتلال. أما اليوم فقد بات كل إطار يتلصص إخفاقات الأطر الأخرى ويتباهى بكشفها بهدف تشويهها، وبهذا نرى أن العمل النقابي بين الأطر الطلابية  قد انتقل من منافسة لتقديم ما هو أفضل إلى تناحر وإلى محاولة لإنهاء الإطار الآخر.
إن ما يدفعنا للمقارنة بين ماضي الحركة الطلابية بحاضرها هو تراجع دور هذه الحركة في قيادة الشارع وضعفها في التأثير فيه، ويرجع ذلك إلى أسباب عدة، نذكر منها:
أولاً-  فقدان الثقة بمرجعيات الكتل الطلابية بسبب الانقسام  الذي أثر سلباً في جميع مناحي الحياة، علماً أن الجميع ينادي بإنهائه، ولكن كل يريد أن ينهيه على طريقته الخاصة وبالنتائج التي يريدها.
ثانياً- غياب العملية الديمقراطية في انتخابات الأطر الطلابية وبعض مجالس اتحاد الطلبة، واستبدال تعيينات بها، وتوزيعها جغرافياً وعشائرياً ومحاور. 
ثالثاً-  تحول مرجعيات الكتل الطلابية من حركات تحرر ومقاومة إلى أحزاب حاكمة، كل فيها يبحث عن وجوده ورتبته وراتبه.
رابعاً- وجود خلل في التعبئة الفكرية لدى أبناء الحركة الطلابية، وقلة المعلومات عن طبيعة العمل النقابي المنوط بهم، وذلك بسبب اختيارهم بطريقة التعيين أو زجهم ضمن قائمة انتخابية لا تشترط  نشاطهم، إنما وفق الموقع الجغرافي أو العشائري أو المحوري.
*رئيس قسم شؤون الطلبة، منسق العلاقات العامة بفرع "القدس المفتوحة" في دورا.