جامعة القدس المفتوحة

الثوب الفلسطيني?حكاية مطرزة بأصالة التاريخ وحداثة القرن الواحد والعشرين

نشر بتاريخ: 26-04-2016

مصممو أزياء فلسطينيون يحدّثون الثوب الفلسطيني التقليدي، جامعين فيه بين التراث والحداثة، والكلاسيكية والموضة، والرسمية والشبابية، حتى بات الثوب المطرز لباس العصر بلمسة وطنية تمنحه طابعاً تنفرد به المرأة الفلسطينية وتتميز عن مثيلاتها في العالم بأسره، وتتميز به كل منطقة عن غيرها داخل الوطن.

أصالة الثوب مصونة
تحدثت مصممة الأزياء هايدي حنونة عن فكرة تجديد الأثواب القديمة، مؤكدة أنها تراعي المحافظة على شكل الثوب وحشمته، مع الأخذ بعين الاعتبار الأزياء الحديثة للصبايا.
تقول: "للتطريز معنى كبير يخصنا نحن الفلسطينيين، فكل سمة ورسمة في الثوب تعبر عن منطقة ما، لذا أرغب في أن يتعرف الجميع على معنى التطريز الفلاحي، فالتطريز القديم يعبر عن الحفاظ على هوية الشعب الفلسطيني وتراثه الذي نعتز به".
ولم يقتصر التصميم على الملبوسات، فالطابع الفلسطيني طغى على الإكسسوارات أيضاً، تقول حنونة: "أراعي في الإكسسوارات أن تجمع بين روح العصر والتراث، ويمكن استخدامها في "حِنَّة العروس" التي ما زال أهل منطقة بيت لحم يحافظون عليها بصفتها ركيزة تراثية، فالعروس تلبس الثوب يوم حنائها، وهكذا يتجدد تراثنا الأصيل ويحيا في الذاكرة جيلاً بعد جيل".
وأشارت إلى أنها تُدخل التحريرة والقصب (من مقومات ثوب مناطق بيت لحم، وبيت جالا، وبيت ساحور) في التصاميم الحديثة، للحفاظ على التراث القديم.
وهذه خولة الطويل، مصممة أزياء فلسطينية، تصمم الأثواب على أصالتها، وتسعى إلى تحديثها مع بقائها محافظة على هويتها. 
وتبين الطويل أنها تسعى لتصميم يظهر جمال المرأة الفلسطيني بنقش مستوحى من الطبيعة المحيطة بها، فنجد أن كل نقش يخص ثوب منطقة محددة، فهذا "عرق العنب" يخص ثوب الخليل، فيما تضع كل امرأة لمستها الخاصة بها.
 وأشارت إلى أن الإسرائيليين يسرقون التطريزات الفلسطينية وينسبونها إليهم. وما جعلها تدعو الفتيات إلى ارتداء الثوب القديم هو المحافظة على الهوية الفلسطينية قبل أن تصادر إسرائيل ما تبقى من هذا التراث العريق، مبينة أن ذلك لا يمنع من تحديث الأثواب بما يتوافق والقرن الـواحد والعشرين، لكن دون المساس بالهوية الأصيلة، والإثبات لكل العالم أن هناك مصممات فلسطينيات قادرات على الدمج بين القديم والحديث.

لكل ثوب خصوصية من حيث المكان 
   تحدثت مديرة مدرسة بنات الجرمق، أمينة الصندوق في الجمعية الحرفية في تقوع (بلدة تتبع محافظة الخليل) أ. سميرة الشاعر، عن أصل الثوب الفلسطيني، قائلة: "الثوب الفلسطيني حكاية، ووفقاً لما يمليه التاريخ فإن أصله يعود إلى الكنعانيين"، ثم تناولت أهمية التطريز في حياة المرأة الفلسطينية، بوصفه فناً شعبياً يتوارثه الأحفاد عن أجدادهم، وتستعمله هي لتزيين ثوبها التقليدي، بل تدرجه قطع أثاث لإضفاء لمسات جمالية على بيتها.
لكل منطقة رسوماتها وألوانها التي تميزها عن غيرها من المناطق الأخرى، وقيل إن باستطاعة شخص ما يتجول في مدن فلسطين أو أسواقها القديمة-حيث تتجمع النسوة من جميع أنحاء فلسطين-أن ينسب كل واحدة منهن إلى منطقتها التي جاءت منها، بنظرة خاطفة إلى ثوبها.
فثوب مدينة رام الله والبيرة ذو اللون الأحمر النبيذي وسم بنخلة جعلت فيه، فيما ارتدت نسوة الخليل ثوباً أحمر مائلاً إلى البني موسوماً بـ"خيمة الباشا"، أما ثوب يافا فصورة السرو مع القاعدة أكثر ما يميزه، ووسمه في غزة الوسادة أو المقص، وهذا ثوب بئر السبع عرف بوسم "الحجب" وكان أحمر برتقالياً. ومع أن مثل هذه الوسوم أو الرسومات تميز منطقة عن أخرى، فإننا نراها بأشكال متعددة وتركيبات مختلفة منتشرة في أنحاء فلسطين، كما أن ترتيب التطريز على الثوب لم يكن عشوائياً، بل مدروس، فهناك القَبّة، والذيّال، والبَنِيقة، والكُمّ، ولكل منها وحدات تطريزية. 

عوامل تغير الثوب
ثمة عوامل أثرت في تطور الأثواب، كانتقال الفتاة بعد زواجها إلى منطقة مختلفة، حين كانت تأخذ معها رسوماتها القديمة وتجمعها مع الرسومات الجديدة، فضلاً عن تطور وسائل النقل والاتصال الذي أثر كثيراً في التصاميم، فأخذت النسوة يتبادلن الرسومات التطريزية التقليدية دون المساس بالبنية الأساسية في التكوين، ما أضفى على الأثواب رونقاً جديداً.
وللحالة الفلسطينية وما واكبها من حروب ومآس ترك أثراً على ثوبنا الفلسطيني، فالانتفاضات غيرت-ولو يسيراً-في طبيعة وسم الثوب، فصمم بعضها معتمداً على خارطة فلسطين، والعلم، وأغصان الزيتون، وحمامة السلام، وهذا ظهر بشكل خاص في مدينة الخليل وسمي بـ"ثوب الانتفاضة"، لينتشر ليعم قرى فلسطين ومدنها، بل تعداها إلى خارج الوطن حيث يقيم الفلسطينيون.

سرقات في وضح النهار
   أجل، لم يسلم تراثنا بوجه عام وثوبنا خاصة من سرقات الاحتلال وتزويره، فدأب هذا المحتل على استخدامه لباساً ترتديه مضيفات الطيران الإسرائيليات، بل راح يباهي به في المناسبات العالمية التي تعنى بحفظ التراث، لذا عملت الجمعيات الحرفية التراثية المهتمة بالتراث على تنشيط إحياء الثوب الفلسطيني وإعادته بحلة جديدة تحافظ على أصالته وتتماشى مع الحداثة، ليبقى رمزاً للهوية الفلسطينية، ويظل عنواناً يومياً حاضراً متجدداً، وهذا ما أصبحنا نلاحظه من جديد في حفلات الحنّاء والأعراس والمناسبات المختلفة، ونرى وسومه جلية على أنواع اللباس والزينة وقطع الأثاث. 

تراث آخر يصمد حتى اليوم
   العرس الفلسطيني من الأفراح والحفلات المميزة التي حافظت على هويتها رغم ما شابها من تجديد، وفي هذا تقول أ. سميرة الشاعر: "تعد ليلة الحناء في التراث الفلسطيني من أجمل ليالي العمر، وهذه تسبق الزفاف بيوم أو بليلة، وفيها تكون النساء في ناحية والرجال في أخرى، ولها طقوس وأغان خاصة بها تختلف من منطقة إلى أخرى، ولكنها غالباً ما تشترك في عدد من الأمور. تبدأ هذه الليلة بعجن الحناء في بيت أهل الرجل العروس، بحضور القريبات والجارات، فيوضع الحناء في وعاء كبير، يضاف إليه الشاي والخميرة والزعفران والهيل والزيت، ويصحب العجن أغانٍ تخصص للعروس".
وتضيف الشاعر أن مرور الزمن وانقلاب الحالة المادية لدي كثيرين غيّر بعض الطقوس مع محافظتها على الأصالة، فأصبحت الأهازيج والأغاني-بعد عجن الحناء-يقدّمها المطربون وأجهزة التسجيل، وازدادت مشاركة الرقص مع العروس.
أما نقش الحناء وطليه فأمسى يقتصر على كتابة اسمي العروسين على راحتَي كل منهما بدلاً من طلي القدمين والشعر، وأحياناً يعبأ الحناء جافاً داخل أكياس مناسبة إضافة إلى تلك التي تكون في صينية العروس، بدون عجن، وتوزع على الحاضرين للذكرى أو للاستفادة منها لاحقاً. ولكن تغييرات غير جوهرية طرأت على هذا التقليد، فنرى بعضهم يحتفلون بـ "جبلة الحناء" يومين متتاليين بدل يوم بهدف الراحة، ونرى آخرين يحتفلون في صالاتٍ لضيق البيوت، وبرغم هذا ما زالت ليلة الحناء أجمل طقوس الأعراس.

الأعراس قديماً...احتفالات تدوم لأسبوع
   عن يوم الزفاف، تقول الشاعر: "حفل الزفاف يحدده الطرفان (أهل العروسين)، وكان يستمر أسبوعاً كاملاً للرجال الذين يتوافدون مهنئين، ويحيون ليالي الأسبوع في سهرات تقام بأرض عراء، يجلس فيها المدعوون صفين متقابلين أو أكثر، وهناك يتسابق الفرسان ويرقصون ممتطين خيولهم العربية الأصيلة، ناهيك عن فرق الدبكة، والسحجة، والرقص الشعبي، وهل يضيرك لو ترى هناك شعراء يتبارون ويتنافسون في ذكر مناقب العروسين وأهلهما، أو تسمع "مهاهاة" لنسوة يحثثن حناجرهن على الأغاني والأهازيج الشعبية؟".
وتضيف: "في يوم الزفاف تكاد القرية ومن فيها تنشغل بإجراءات يوم الزفاف، نظراً لتعدد هذه الإجراءات وتشعبها. ففي الصباح تبدأ عملية إعداد وليمة العرس بذبح الذبائح وإعداد اللحم وطبخ الطعام، وقبل الظهر يأتي العروس فيساعده الشبان على الاستحمام ولبس الثياب الجديدة المزينة بالورد ثم يطيبونه، وبعد خروجه على هيئته تلك تستقبله أهازيج الشبان الذين ينتظرون تلك اللحظة".
ووقت الظهر تقام على شرفه (العروس) مأدبة لجميع أهالي القرية وضيوفها، وهي وجبة غذاء مكونة من الجريشة (مجروش القمح المطبوخ بالسمن البلدي)، أو منسف "الفتة الفلسطينية" مطبوخ بلحم الضأن.
وتوضح الشاعر: "تجري العادة بأن تقام حلقة دبكة على أهازيج حداء شعبي وأغان وطلعات متواصلة حتى العصر، وهو موعد "الزفة"، وقبيل هذا تكون العروس قد "طلعت" من بيت والدها إلى بيت عروسها، فيذهب خال العروس ووالدها إلى حيث تكون "مصمودة" على "اللوج" في بيت والدها، ثم يصطحبانها إلى بيت زوجها. ويزف العروسان في موكب حاشد يخترق أحياء القرية، ويكون العروس قد امتطى صهوة جواد أصيل، وحمل في يده مظلة مزخرفة بالمناديل الناعمة والذهب والورد. ويتقدم "الحدّاء الشعبي" والرجال الموكب، ثم تقضي التقاليد بأن يسارع العروس إلى "عش الزوجية" فيكشف عن وجه عروسه، ويقدم لها الهدايا، ومن ثم يخرج إلى حيث يسهر الرجال، لتستأنف من جديد جولة أخرى من الرقص والغناء".
أجل، هكذا كانت "سهرة الحنة" وهكذا كان العرس الفلسطيني، وما زال شعبنا يفخر بهذه العادات والتقاليد ويمارسها على أصالتها رغم الذي شابها.