جامعة القدس المفتوحة

من المعتقل إلى أستاذية سفينتها "القدس المفتوحة"

نشر بتاريخ: 26-04-2016

 أ‌. د. جهاد البطش*

يوم وطئت قدمي حاجز المنطار، خارجاً من حافلة (أتوبيس)* تحرير الأسرى من سجن (أنصار 3) في 15/10/1991م، وعلى الرغم من أنها المرة الثالثة التي أتحرر فيها من هذا المعتقل الصحراوي اللعين، فإن نية الزواج حينئذ لم تدخل قلبي وعيني كما أترابي، إنما كان عليَّ أن أذهب منذ الصباح لأسأل: هل فتح الاحتلال الجامعات؟ هل بإمكاني الدراسة؟ لقد كان ذلك نتاج تجربتي الاعتقالية عدة مرات أن (العلم نور النضال).
ما إن حلَّت أقدام الشهيد ياسر عرفات الوطن حتى بدأ شعبنا تجربة جديدة في أودية وجبال وعقبات كثيرة سيتجاوزها، ولقد كنت ممن رفض امتطاء الخيل أو الرماح، بل وجدت تلك السفينة التي تسير على غير ما سبق، مجاديفها هادئة ولكنها توصل إلى الأمان كل من نشطت سواعد جنبات وجدانه وعقله وأخلصت عملها.
إنها جامعة القدس المفتوحة إنها جامعة القدس المفتوحة
يوم السابع عشر من تشرين الأول عام 1995م كنت قد أثرت استغراب زوجتي حين نقشت بمسمار على جدار غرفة مهجعي (السابع عشر من أكتوبر عام 2005م: الدكتور جهاد البطش)، لم يكن ذلك غروراً بقدر فرحتي أنني سجلت في هذه الجامعة، وسأكون من سيبحر على متننها، وكنت أجهل أنها لا تمنح درجة ماجستير، ولكن كل ما أعرفه وأحفظه وأتمناه في وجداني يدعها أنها بعد عشرة أعوام ستوصلني إلى ميناء الدكتوراه.
وصلت الميناء بتعب وعناء، فدخلت لمرحلة الماجستير جامعة وطنية هي أجمل في مبانيها ومنشآتها من "القدس المفتوحة"، لكنها ليست أنبل في أساتذتها ولا أسمى من رسالتها، وما زلت أذكر قول أحدهم لي: "طالما أنكم تخرجتم في "القدس المفتوحة" ولو علا معدلك فيها يا جهاد، فلا تصلحون للماجستير"، لكنه بعدئذ كان من أولئك الذين أقروا لي بمحبتهم واعتزازهم حين رأى طالب "القدس المفتوحة" (هكذا كنت أحب أن أنادى) الأول على الدفعة في الفصول الثلاثة التي درسنا فيها المساقات.
  وفي جمهورية مصر العربية، كنت قد اشتريت مقررات "القدس المفتوحة" المتخصصة بالتاريخ وأهديتها قسم التاريخ في تلك الجامعة، ذلك أنها (القدس المفتوحة) أرسلتني للدراسة هناك، وعلى الرغم من أن ذلك الدكتور قال لي: "إنكم، أيها الفلسطينيون، تقولون إنني موظف كبير بالسلطة وإنني أسير، وأعمل محاضراً بالقدس المفتوحة"، وكم كانت لحظات سعيدة عندما أتاه اليقين بأنني كذلك فعلاً.
نعم، لقد كان يوم مناقشتي للدكتوراه الذي-بفضل الله-لم أستعمل ورقة في تلاوة ملخص الرسالة، إنما ارتجلت ذلك، واستطعت أن أجتاز المخاطر اللغوية التي كان ممكناً ورودها لولا تعلمي اللغة وإتقانها من خلال تعلم أحكام كتاب الله عز وجل.
  كنت مصراً على أن يكون عام 2015م عام حصولي على الأستاذية في تخصصي، وها هي لحظات شائقة حين أمر بتجربة كتابة الأبحاث العلمية، والمشاركة في المؤتمرات فيقبل بعضها ويرفض الآخر، ثم النشر هنا وهناك، والاستماع إلى تجارب الآخرين، وزيارة المكتبات كل خميس مع الطلبة. لم أكن حينئذ أرتدي اللباس الرسمي (البدلة والربطة) الذي طالما أحببته، ذلك أنني أقف بين رفوف الكتب مع الطلبة، وأصطف في طابور أمام آلة التصوير والكل يجهل عملي دكتوراً محاضراً في "القدس المفتوحة"، كنت أجمع معلوماتي بيدي، وأفضل استخدام القلم الرصاص الذي أعشق الكتابة به، فهو يشجع على المحو ثم الكتابة الأكثر صواباً، وكم أحببت أن أطبع وأن أعدّل بيدي ما يراه المحكم!
تلك الرحلة التي وصلت فيها-بفضل الله-لأن أكون أول طالب تخرج في "القدس المفتوحة" ويحصل على رتبة الأستاذية، فلا أحد يعزو الفضل لنفسه كما فعل قارون الذي كان من المؤمنين في قوم موسى حين جحد قائلاً: "إنما أوتيته على علم عندي"، بل عليَّ أن أعترف (وهذه رسالة إلى كل من تخرج في هذه الجامعة) أن ذلك الفضل من الله عبر هذه الجامعة الغراء العتيدة التي لم تكن شعاراً يرفع بل رسالة وجدانية للوطن، لا يشعر بمحبتها إلا من أخلص لها، فهي تخلص لنا جميعاً، والسؤال: ماذا يعني أن أنتمي إلى هذه الجامعة؟
إجابة طويلة، وبمعنى أوسع، لن تجد له حدوداً في لسان العرب أو في المحيط الكبير، فهي تعني أنك تبدأ بالإخلاص لها من أحسن ما تعمل، وهي العبادات، وذلك بالدعاء والتضرع إلى الله أن يحفظ هذه الجامعة، فهذا الصدق بالدعاء سيكون خالياً من الرياء والنفاق إذا تطوعت وصليت ركعتين ليلاً للدعاء لهذه الجامعة ولمن تحب، إن الانتماء لهذه الجامعة يعني أن أكون رسولاً لها بسلوكي وتفكيري أمام الناس، ومن علية القوم، ومن الدهماء، وأن أدافع عنها، فليس كل من سمع بها سيعشقها أو يحبها أو يتمناها لأسباب مختلفة.
 من الأهمية-بصفتي موظفاً في هذه الجامعة-أن أتفانى في عملي وأتقنه كما أمرني ربي ورسوله، فمحبة الله أعذب من أي حبيب، لأنه الأقوى والأجمل والأكرم، فالحارس يجب أن يبغض النوم في أثناء عمله، لأن عينيه وأذنيه سلاحه، فالتحلي بالصبر ورباطة الجأش والتخلق بالحسنى في معاملة الطلبة كلها من علامات الانتماء الحقيقي، وإن من فقد قدرته على استيعاب طالب ما فأبدى تذمراً لهو الموظف الذي لا انتماء لديه.
إن انتمائي كأكاديمي يعني لي كثيراً من المعاني والمسؤولية، فالانتماء الصادق لا يعني السؤال عن موعد المحاضرة أو طلب الاستحقاق، بل هو-كما عرفت أساتذة القدس المفتوحة-الذي يحب على الدوام أن يكون موجوداً في جامعته، فتراه بين طلبته في قاعة المحاضرات تارة وبمكتبه المتواضع تارة أخرى، وهو الذي دائم السؤال عن حاجة الجامعة له في أي مهمة أو تكليف، عند دخوله حرم الجامعة وقبل مغادرته، إنه الحريص في الأزمات على أن يظل إلى جانب إدارة الفرع وإلى جانب المسؤولين وقت حاجتهم إليه، إنه الذي يكثر الحديث عن الجامعة في أثناء محاضرته، حتى إنك إذا ما تصفحت حسابه الخاص على برامج التواصل الاجتماعي (الفيسبوك، أو التويتر، أو غيرها) تجد نصيباً لصورة ما تخص الجامعة، وهو-بأدنى انتماء-يدعو الله أن يحفظ هذه الجامعة عند تسلمه حقه وراتبه نهاية كل شهر.
ليس من حقي أن أؤرخ لـ"القدس المفتوحة"، إذ لم أكن من الذين منَّ الله عليهم وأكرمهم بالمساهمة في تأسيسها، وإني إذا ما فعلت-وليس انتفاصاً من فضل أحد-فقد أختار من بينهم رمزها الذي واكبها منذ بدايتها حتى الآن، رئيسها الحاليّ الأستاذ الدكتور يونس عمرو-أطال الله في عمره-وإني أفتخر بأن أعرف حزمه حين الحزم، ولينه وسعة صدره وقت اللين، نظرته للحاضر ورؤيته الثاقبة للمستقبل، وأبوته وحنانه الذي يعجز عن إخفائهما خلال عمله، فتراهما في عينيه وحديثه الدائم، ولكنه الشديد الرادع لكل من يخل بأمانة مهنته من العاملين، فلا يقسو إلا دفاعاً عن الجامعة، وتراه إلى جانب ذلك يقف إلى جانب الطالب الراغب في التعليم وإن استحق الفصل قانونياً، لطيف لا يسمح بامتهان أي موظفة لأنها امرأة، إنما يحق لها حقها، ثم إنه يرحم عزيز القوم ذل، هو ربان وصل بهذه المؤسسة إلى هذا الشكل والجوهر.
فالرسالة لكل طالب أو طالبة في "القدس المفتوحة" أن هذه السفينة، كما أوصلت كاتب هذه الكلمات إلى هذا الميناء الجميل، أوصلت المئات والآلاف إلى أن يكونوا جزءاً من طليعة هذا المجتمع، فكان منهم الوزير، ووكيل الوزارة، والضابط العظيم، ومدير مؤسسة تطوعية، ورجل أعمال، وأستاذاً جامعياً، وأُماً تخرج الأجيال تلو الأجيال.
أخيراً ومع حلول اليوبيل الفضي للجامعة، ألا تستحق هذه المؤسسة أن يسأل كل منا نفسه: كيف سأوفي بهذا الدَّين لهذه الجامعة؟
*نائب رئيس الجامعة لشؤون قطاع غزة