جامعة القدس المفتوحة

العولمة السياسية مرآة العولمة الاقتصادية

نشر بتاريخ: 26-04-2016

نظـرة نقديــة
نـديم صبـري مسلّم *
نبذة تاريخية عن مفهوم العولمة: 
    خلافاً لمفهوم العالمية الذي عكس تشابكاً عفوياً للعلاقات بين الشعوب، حيث يُصدر فيها الفائض من الإنتاج ويُستورد ما يُفتقر إليه، فإن هذا المفهوم بات يعكس حقيقة هذا التشابك الأكثر كثافة، فتحول من حالته العفوية إلى حالة مقصودة منظمة بوعي، ومُجسد بأدوات تعمل لمصلحة قوى اقتصادية اجتماعية فوق قومية عابرة للقارات. وتمظهر هذا المفهوم تطبيقاً بداية تسعينيات القرن العشرين، عقب سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي.
    ظاهرة العولمة عملية متعددة الأطر والجوانب، وبالتبعية العلمية الموضوعية فإن مفهوم العولمة الذي يعكس ظاهرة العولمة ليس مفهوماً أوحداً متفقاً عليه، بل متأثر بتجليات ظاهرتها المختلفة، وبتعدد الزوايا التي يـنظر من خلالها الباحثون. 
   جرى العرف السائد في الأدبيات الغربية على تعريف العولمة بأنها: "زيادة درجة الارتباط المتبادل بين المجتمعات الإنسانية من خلال عمليات انتقال السلع، ورؤوس الأموال، وتقنيات الإنتاج والأشخاص والمعلومات". وهذا التعريف العمومي تجاوزه عمقا ًوتخصصاً أكاديميون ومتخصصون.
   يرى جيمس روزناو (أحد أبرز علماء السياسة الأمريكية الذين حاولوا تحليل ظاهرة العولمة) أنه من المبكر وضع تعريف كامل جاهز يلائم هذه الظاهرة، مشيراً إلى أن العولمة-مفهوماً-لها علاقة بين مستويات متعددة للتحليل (الاقتصاد، والسياسة، والثقافة، والايديولوجيا)، وتشمل إعادة تنظيم الإنتاج، وتداخل الصناعات غير المحدود، وانتشار أسواق التمويل، وتماثل السلع المستهلكة لمختلف الدول، ونتائج الصراع بين المجموعات المهاجرة والمجموعات المقيمة. 
ويرى أيضاً أن مهمة إيجاد صيغة مفردة تصف كل هذه الأنشطة، في ظل ذلك كله، تبدو عملية صعبة حتى لو تطور هذا المفهوم، فمن المشكوك فيه أن يُقبَل ويُستعمَل بشكل واسع. 
   والحقيقة أن التحفظ الذي أبداه جيمس روزناو في تقديم تعريف محدد لمفهوم العولمة تحفظ مُبرر، لأن هذه الظاهرة جديدة، لا سوابق تاريخية لها بمثل هذه الشمولية التي تتمتع بها، فالعولمة تبشر بمرحلة جديدة كلياً للتنظيم العالمي. أما منهج روزناو في وضع تعريف للعولمة فيتمثل في ضرورة تحديد المشكلات المرتبطة بهذا المفهوم منذ البداية، كما بين الباحث السيد ياسين (مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في الأهرام) في إحدى مداخلاته. غير أن مساواة روزناو بين المستويات المتعددة التي تدخل في العلاقة من حيث التحليل، كالمستوى الاقتصادي والمستوى الإيديولوجي مثلاً، يُعد غير موضوعي؛ ذلك أن المستوى الاقتصادي المالي لهذه الظاهرة هو أول ما ظهر منها، وهو أهم من مستواها الإيديولوجي.
   تعد العولمة بمنزلة بنية جديدة تطبع النظام العالمي وتبشر بمرحلة أكثر تعقيداً للعلاقات الدولية، يتجلى هذا في جميع الأصعدة، مع اختلاف أهمية كل صعيد؛ فنجد العامل الاقتصادي أهمها، يليه العاملان السياسي والثقافي، فالعوامل الأخرى. ولا يمكن تصور عولمة من دون ثورة الاتصالات والتطورات العلمية والتقنية المذهلة التي يشهدها عالمنا المعاصر، إذ إن المميزات القومية اليوم تتآكل تدريجياً.
   وجدير بالملاحظة أن منظور العالم العربي للعولمة كما يظهر من خلال كتّابه ومؤلفيه هو منظور إيجابي في بعض التجليات، كالاتصالات والثورة العلمية التقنية، غير أنها (العولمة) متحفظة تجاه تجليات أخرى، لعل أهمها الجانبان الثقافي والأخلاقي، بحكم خصوصيتهما في العالمين العربي والإسلامي، وبحكم مرجعياتهما التي تختلف عنها في الغرب وثقافته. 



الأسس الاقتصادية للعولمة السياسية: 
لقد مرت الرأسمالية منذ تشكلها قبل خمسة قرون بثلاث مراحل، هي:
- حقبة تكون الرأسمالية: تميزت هذه بكونها رأسمالية تجارية (ماركينتلية)، وتزامنت مع اكتشاف العالم الجديد، وفتح طرق التجارة العظيمة عبر المحيطات، ونشوء ظاهرة الاستعمار الحديث.
- حقبة ازدهار نمط الإنتاج الرأسمالي في المركز: تميزت هذه الفترة بكونها رأسمالية صناعية، فبعد الثورة الصناعية منتصف القرن الثامن عشر سيطر رأس المال الصناعي الجديد ليتسلم القيادة من سابقه، وامتازت هذه الفترة أيضاً بالتنافس التزاحمي الحر.
- حقبة ازدهار نمط الإنتاج الرأسمالي الاحتكاري: بدأت منذ أواخر القرن التاسع عشر، حيث استحالت المزاحمة الحرة رأسمالية احتكارية لها ميزاتها الخاصة، فالآلية الجديدة للرأسمالية الاحتكارية تتسم بتصدير رأس المال بعد أن كان تصدير البضائع ميزة الحقبة السابقة. 
   وقد رافق بروز الرأسمالية الاحتكارية اشتداد النزعة الامبريالية لدى الدول الكبرى باستعمار مناطق العالم المختلفة ونهب ثرواتها، ما ألحق اقتصاديات البلدان المستعمَرة باقتصاديات الدول المستعمِرة، فتأسس نوع خاص من التبادل والأدوار، لا تزال كثير من مميزاته بارزة جلية في اقتصاديات الدول المستعمَرة حتى أيامنا هذه.      
الرأسمالية، البنية والصيرورة بعد الحرب العالمية الثانية: 
بعد نهاية هذه الحرب، اتصف التوسع الرأسمالي بالضخامة، خاصة في الفترة من 1945م حتى 1973م، وسجلت معدلات نمو قياسية، فكان متوسط النمو السنوي (5%) قياساً بالناتج الداخلي الخام عالمياً. كما أن التعاون لإعادة بناء اقتصاديات الدول الغربية من خلال المشروع الأمريكي (مارشال) عام 1947م أصبح ضرورة لضمان الأمن السياسي والعسكري لهذه الدول في مواجهة الاتحاد السوفييتي (القوة العظمى الصاعدة على مسرح العلاقات الدولية في تلك الفترة). 
   هذا المشروع والاستثمارات الأمريكية الأخرى في أوروبا الغربية واليابان وغيرها، إضافة إلى استحداث هيئات نقدية وتجارية دولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة "الغات"، كل هذا أسهم في تعزيز المبادلات التجارية الدولية وربط الاقتصاديات العالمية بنيوياً ببعضها. ثم إن بروز الشركات متعددة الجنسيات أحدث زيادة كمية كبيرة جداً على مستوى التصنيع والتبادل عالمياً، وأحدث طفرات كيفية متتالية على طبيعة الاقتصاد العالمي، فصبغه بخصائص جديدة تؤخذ بعين الاعتبار من المختصين في عمليات تحليل الفواعل، المؤثرين في تشكيل شبكات العولمة المتشابكة التي تتفاعل بشكل يقلل تدريجياً من قدرات الدول الوطنية. 
   *بـاحث أكــاديمــــــي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-  د.نديم البيطار : " حدود الهوية القومية ، نقد عام " ، بيروت : دار بيسان ، 2002 .
-  كريستيان بالوا : " الاقتصاد الرأسمالي العالمي " ، بيروت :دار ابن خلدون ، 1978 .
-  سمير أمين : " التطور اللامتكافئ ، دراسة التشكيلات الاجتماعية للرأسمالية المحيطية " ، بيروت : دار الطليعة ، 1978 .
- روجيه غارودي : " كيف نصنع المستقبل ؟ " ، القاهرة -  بيروت : دار الشروق، 2001 .