جامعة القدس المفتوحة

قراءة في "البئر الأولى" لجبرا إبراهيم جبرا

نشر بتاريخ: 15-12-2015

 

أحمد جبر*

يعمد جبرا في مستهل حديثه في "البئر الأولى" إلى توضيح الغرض من كتابة سيرته الذاتية التي يُعدّها مذاقاً للحياة، وهو يشير بكلماته الأولى تلك إلى الأهمية التي تحظى بها كتب السيرة في حياتنا العلمية والعملية والأدبية، كما يشير إلى المكانة الرفيعة التي ينبغي أن يتسنمها ذلك الفن الرفيع بتجرده المأمول، وموضوعيته السردية، وصدقه في رواية الأحداث دون التدخل المباشر، أو غير المباشر في تحديد وجهتها، وآثارها، وانعكاساتها؛ لهذا كانت دعوته لأدباء جيله أكثر من مرة لكتابة مذكراتهم، وتسجيل تجربة التعبير، وما اعترى حياتهم من عواملها، ورصد مراحل النمو المتدرج الناتج عنها.
وينصرف الكاتب في بدايتها إلى أسلوب من التقرير يرمي إلى جعلها تقتصر على مرحلة من مراحل سني عمره، ألا وهي مرحلة الطفولة بكل ما يمتزج بها من أحداث دارت في قلب الأزمنة والأمكنة التي وَظَّفها جبرا لخدمة فنه وسيرته، بكل ما تحمله في داخلها من معان عميقة مرتبطة بالواقع المعاش، دون اللجوء إلى التغليف، وبما ترمي إليه من إفصاح عن فهم شمولي للحياة ومحطاتها الزمكانية التي يتوقف فيها الإنسان ليؤثر في الأحداث وتؤثر فيه وَفْق علاقة من الاعتماد المتبادل والإسناد المثمر في تشخيص الأحداث وتوظيفها في عملية إنماء الوعي والتفكير.
وعلى الرغم من عملية الاجتزاء السردية التي اقتصرت على مرحلة عمرية من سني عمره، فقد مثَّلت "البئر الأولى" نموذجاً متكاملاً يعرض لنا صوراً حية من حياة الكاتب تموج بالحركة وفن التلخيص، فالقارئ يكاد يلحظ صور الأشخاص والمصورات وكأنها تعرض أمامه عبر شريط مرئي مَثَّلَ فيه الكاتب دور كاتب السيناريو والحوار والمخرج إضافة إلى دوره الرئيس في البطولة، وقد عرض الكاتب كل تلك المشاهد الحياتية اللصيقة بالنفس عبر أساليب متنوعة استهدفت نقل القارئ حيث الزمان والمكان اللذين عاشهما الكاتب دون أدنى إضافة تخدش براءة الطفولة، تلك التي صورها كاتبنا على حالها وسجيتها وإن كان قد صاغ أحداثها بعقل متزن وواعٍ.
هذا ولم يقتصر دور الكاتب في عرضه لسيرته على دقّة السَّرد والتصوير، وإنما عمد إلى أساليب الوعظ والإرشاد والتعليم غير المباشر بسرده لأحداث وأعمال تتعلق بالدين ورجالاته، ما يقف الناس أمامه باحترام وإجلال كبيرين، مثل إشارته إلى قصة "الخلق" حيث أعاد صورة قايين وهابيل وكيف راح يتفحص وجوه الناس ليرى إن كان قايين القاتل بينهم، وفي ذلك إشارة تبين موقف جبرا من القتل الذي تعرض له هابيل، ولذلك وقف (الطفل) يتفحص وجوه المارة ويرصد عمال البناء على نحو من التخيل الطفولي البريء الذي يعمد إلى التصوير المباشر، كما يعيد إلى أذهاننا قصة الطوفان وسفينة نوح التي أقلّت من كل زوجين اثنين وكم تمنى الكاتب أن يُستثنى الحمار وأن يُطرح جانباً من السفينة بسبب المواقف والأحداث التي تعرض لها.
وينفرد الجانب التراثي في "البئر الأولى" بأهمية تعكس مدى التصاق الكاتب ببيئته وثقافته بدءاً من توظيف المعجم التراثي التقليدي العام المتداول بين الناس من أسماء تتعلق بالماء وأدواته، والبئر وأشكالها، وحوض الدار، والمزراب، والطاسة، والزير، وتسميته لبعض الأكلات (هيطلية) وانتهاء بسرد كمّ من القصص والأمثال المتناغمة مع المواقف والأحداث تضفي جواً من الفكاهة اللطيفة السلسة، وكل ذلك بأسلوب يتناغم مع المرحلة العمرية التي صاغ أحداثها الكاتب.
إن ذلك يدفعنا للقول بأن جبرا لم يضرب حجراً في بئره الأولى وقد أعدها على نحو تكاملت فيه الفصول وتمازجت فيه الصور؛ لينهل منها ماء الحياة يسري في شرايينه؛ ويرفده بصفحات من حياته تنطبق على حالها الزماني والمكاني بما يحويانه من مقومات الوجود المختلفة، ففي الصفحة العشرين من بئره الأولى يقول: "والبئر في الحياة إنما هي تلك البئر الأولية التي لم يكن العيش بدونها ممكناً، فيها تتجمع التجارب، كما تتجمع المياه لتكون الملاذ أيام العطش، وحياتنا ما هي إلا سلسلة من الآبار، نحفر واحدة جديدة في كل مرحلة، نسرّب إليها المياه المتجمعة من غيث السماء، وهمي التجارب؛ لنعود إليها كلما استبد بنا الظمأ وضرب الجفاف أرضنا" .
آبار إذن هي حياة كاتبنا ومياه ومنهل وملاذ يُستدعى فيلبي ومصرف تُدّخر فيه التجارب... وهكذا نجد كاتبنا قد عقد معادلة واضحة ليست بالمركبة على صعيد الحياة: زمانها، ومكانها، وأحداثها المتنوعة، ومواقفها، إزاء ما يعترض رغباتها ومقومات وجودها، وما يعتريها من عوامل التأثير والتأثر الناجمة عن تفاعلها، وكأنها آثار الحبال على خرزات البئر... وما ينبغي ملاحظته إزاء هذه المعادلة يتمثل في حالة الوعي والنضج القائمة على عملية فرز تشبه إلى حد كبير ما يعتري الماء من ركود وصفاء ليتخلص من الشوائب في البئر الأولى بعد حين، ذلك أن الوعي قائم على التجريب والكشف والفرز في كثير من جوانبه، لذلك صاغ كاتبنا بئره الأولى على حالها، فهي بئر الطفولة تلك التي تجمعت فيها أولى التجارب والرؤى والأصوات، أولى الأفراح والأحزان والأشواق والمخاوف التي جعلت تنهمر على الطفل فأخذ إدراكه يتنامى ووعيه يتصاعد بما يمر به كل يوم، يعانيه، أو يتلذذ به، وكلما استقى من تلك البئر ازداد مع ريّه فهمه لهذه التجارب والرؤى والأصوات بأفراحها وأحزانها، بأشواقها ومخاوفها.

لقد كانت "البئر الأولى" مزيجاً منسجماً تضافرت فيه الأساليب والمقومات، وتداخلت فيها المحاول، مشكلة قالب حياة طفولية؛ فجبرا يوظف الأدب والتاريخ والجغرافيا السكانية والتراث والفكر والدين، وهو يستدعي من هذا وتارة من ذاك متنقلاً بين سير الأبطال الميثولوجية إلى حكايات ألف ليلة وليلة وعمرو بن معد يكرب ومالك بن الريب وتارة يعتلي صهوة علم النحو.

*المساعد الأكاديمي في جامعة القدس المفتوحة -  فرع قلقيلية.