جامعة القدس المفتوحة

القدس أميرة الشام

نشر بتاريخ: 10-11-2015

بقلم: سميحة خليف.

في ذاك الزمان، عاشت أميرة الشام (القدس) على هضبة مرتفعة تتوسط جبال مدينتي نابلس والخليل الفلسطينيتين، مضى الزمن وتتوج قلبها لأول مرة بحب كنعان، فاستوطن قلبها وارتبط بدمائها، وأطلق عليها اسم الأميرة يبوس.
 
عاشت في رفاهة وسعادة كبيرتين، ثم أخذت آمالها تكبر وطموحها يتحقق، إلى أن حكم قلبها الفراعنة، فدفن تاج كنعان فيها، وتوجت مرة أخرى بزواج في موكب فرعونيّ، كان زواجها هذا مرتبكاً، فهي بين حرب وغزو مستمرين، لكن حبها هذا دام فترة اتسمت بالقوة والتمسك وبشيء من الخوف والضياع.
 
سمعت أميرة الشام بالحضارة الإغريقية فأعجبت بها، كما أنها تأثرت بها هي وعامة السكان، لكنها لم تعلم أن تاج الإغريق سيودي بها إلى زواج ثالث. مرت سنين وهي تصارع حبها في كل مرة، قبل أن يخطفها الرومان، لتعيش في كنف زواجها الرابع مئتي عام في حياة مستقرة، وفي نمو وازدهار عم أرضها، فكانت قبلة يقصدها كل من سمع بجمالها ورغدها.
 
أتى ملك الفرس يتبختر وانقض على قلبها كأنه الفريسة، لكنه لم يحفظها كالملوك السابقين، أعمته غيرته، ودمر كل إرث ارتبط بها من أماكن مقدسة، كالكنائس، والقبر المقدس، فزواجها الخامس هذا نقمة عليها. 
 
وفي ليلة منيرة، أسري برسول الله محمد-صلى الله عليه وسلم_ إلى قلبها، ولبست تاجاً لم تلبسه قط، وكان مهراً عظيماً، ثم تتالت السنين واستمرت ونعمت بزواجها الجديد، وكانت العهدة العمرية بمنزلة عقد ثمين يُهدى إليها. وكالعروس المدللة شرع أصحاب الدار يطلقون عليها أسماء جديدة "إيلياء"، ثم مضت الأيام أمناً وسلاماً، ولما كبر أبناؤها منحوها اسماً جديداً "الأميرة قدس"، تباركت بأحفادها، حتى شهدت في عهدهم نهضة علمية مختلفة في جميع الميادين، ولكن الصراعات التي نشبت بين أبنائها المهاجرين والمقيمين في عرش جلالتها كدرت صفوها، فأتاحوا للغزو الإفرنجي أن يحتجزها خمسمئة عام يسترد زوجها السادس عرش قلبها من جديد، فظهر ذلك الأمير المسلم وأهداها منبراً يسطع نوره أخاذاً، وهكذا بقيت بين مد وجزر حتى طمع بها المغول، ما أثار حفيظة أحفادها المماليك لتعود من جديد إلى حمى المسلمين، وها هم العثمانيون يحملونها على هودج العلياء طوال أربعة قرون، وأحيط قلبها بسور كبير يحميها دوماً من أي خطر.
 
شاخ الرجل العثماني وأصيب بمرض ألزمه الفراش، وتجددت مسيرة المعاناة، وجُرح قلبها واستمر النزف، فاحتل قلبَها البريطانيُّ، لتصبح "القدس المنتدبة"، ثم يمضي على انتدابها (28) عاماً وأحبابها بين قتل وذبح وأسرٍ، إلى أن جاء الصهيوني يغتبها تحت إشراف بريطاني.
 
شقيقاتها (الدول العربية) لم يسكتن على ما حل بها، فاجتمعن ودخلن فلسطين لإنقاذ أميرة الشام، لكن محاولاتهن باءت بالفشل، وسمي عام الفشل هذا بـ "النكبة"، ولم يمض عقدان من الزمان حتى عادت الشقيقات يجررن ثياب الهزيمة مرة أخرى في عام "النكسة". 

مرت السنين وهذا الكيان (إسرائيل) يحاول بوجهه القبيح أن يدفن إرثها العربي وهويتها التراثية التي حملتها عبر الأجيال تاجاً، وذلك لدحض روايتها العربية وحقها الفلسطيني وطمس الحقيقة التاريخية.
 
وها هو كيانهم هذا يحاول ليل نهار أن يستأصل شأفتها، يلحق بأبنائها كل عذاب وألم وكل سبل القهر بحفر أجزاء من جسدها، ولا ينفك يكور عظامها محاولاً أن يكتشف ما يدل على ادعاءاته الباطلة (مملكة إسرائيل)، ولكن بئست كل محاولاتهم، فلن يجدوا سوى آثار إرث أزواجها السابقين.
 
قبِل العرب أن تقاسمهم أن يقاسمهم هذا الكيان الدخيل أميرتهم، وها هم اليوم يكفون أبصارهم عما تمارسه إسرائيل بحقها محاولاً إخفاء معالمها العربية والإسلامية (1)، ولا ينفك كيانهم يهجر أبناءها بالاعتداء عليهم(2)، بل يمارس كل ما من شأنه أن يدمر اقتصادهم ويضيع إرثهم التعليمي والقضائي(3).
 
الأميرة قدس ضائعة تائهة، في قبضة أخطبوط، هذا الوحش الصهيوني الذي يسابق الزمن بهدف تهويدها، وهي تخشى أن يحل بطفلها المدلل (المسجد الأقصى) ما حل بشقيقه المسجد الإبراهيمي، وأكثر ما تخشاه أن تمسي مزاراً ومتنزهاً تتقافز القردة في باحاته وعلى أشجاره وأسواره، حينئذ يشيدون هيكلهم المزعوم ويعقدون عليها القران بشهادة زور دولية.
(1) سياسة التهويد في مصادرة الأراضي والأملاك العربية، وهدم المنازل وتجميد البناء.
(2) سياسة التهويد في عملية التهجير القسري وسحب الهويات.
(3) التهويد على الصعيد الاقتصادي وعلى صعيد التعليم والقضاء.