جامعة القدس المفتوحة

كلنا يعرف

نشر بتاريخ: 24-05-2015

د. إبراهيم الشاعر*
كلنا يعرف أهمية العلم وفضل العلماء والمتعلمين دينياً ووطنياً واجتماعياً، ونحن دائماً نوازن بين العالم والجاهل استناداً إلى قوله تعالى: "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". وكما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: "العلم حياة القلوب من الجهل، ومصباح الأبصار من الظلمة، وقوة الأبدان من الضعف".

كلنا يعرف أننا نمتلك علماً، بدليل ازدياد أعداد قرّاء الصحف ودخول التلفاز والحاسوب وغيرها من وسائل التكنولوجيا إلى بيوتنا جميعاً، وازدياد أعداد المدارس والجامعات، هذا في ظاهر الأمر، أما في جوهره وعلى أرض الواقع، فإننا نعيش التخلف عينه، فقد تحولنا إلى مهزلة الأمم، ننفذ أجندات غيرنا، ونسير في ركب الحضارة الغربية؛ فنقيس حرية المرأة وفق المفهوم الغربي، وذلك بالتركيز على حريتها من زوجها أو من أسرتها، ونقيس المعرفة بناءً على نسبة الكتب المترجمة من الإنجليزية وغيرها إلى العربية، دون الاهتمام بالمحتوى، فلا نفع لنا في واقع التنمية أو الاقتصاد أو المعرفة. لقد غزا الطامعون بلادنا وقسموها إلى دويلات صغيرة، ووُسِمَ العرب والمسلمون بالإرهاب بسبب أحداث أيلول في أمريكا وأحداث باريس؛ لذا فإن محصلة التنمية العربية (أكذوبة التنمية) عقود من التبعية الاقتصادية والفكرية والتنمية الزائفة، ناهيك عن زيف "النظام التربوي" فهو نظام سطحي، نضحي بالأشياء العظيمة ونتمسك بسفاسف الأمور وصغائرها! وهذا لن يحقق التنمية الفكرية والعلمية والتكنولوجية الحقيقية، وليس هذا ما تنتظره أمة عريقة.

كلنا يعرف أن الأقوال لا تكفي، فالثقافة تغلق الأبواب كقطار سريع لا تغير مساره إلا شجاعة وجرأة فائقتان، لذا فالمسؤولية والأمانة الدينية والوطنية تحتم علينا-آباء ومربين-أن نهيئ المناخ المناسب للأجيال القادمة بإرساء قواعد متينة تمكنهم أن يبنوا نظاماً جديداً في مختلف المجالات، وهذا يتحقق بالآتي:

إرادة وإدارة: 
كي لا يكون الأمر كلاماً في الهواء، فنحن بحاجة إلى إرادة وإدارة لنتمكن من وضع برامج واضحة تعكس رؤية "سطر حيوي" مختصر وواضح ومحدد، تنبثق منها (أي البرامج) أهداف دقيقة ضمن آليات وإجراءات وإطار زمني محدد لضمان قابلية التطبيق. فنحن لا نحتاج إلى وعود سياسية غير فاعلة ولا ناجزة، ولسنا بحاجة إلى وعود اقتصادية واجتماعية خيالية غير قابلة للتنفيذ "فمن كبّر حجره لا يرميه"، لذا يجب تحديد الهدف بدقة، وعلينا ألا نفقد مصداقيتنا كأدوات بناء وتغيير، وعلينا أن نوظف أنفسنا بطريقة صحيحة كي لا نضلل الناس ونخدعهم فنساهم في الفساد.

نحن بحاجة إلى إطار متماسك قادر على احتضان الأفكار الإبداعية وتنفيذها لا كبحها أو قتلها، نحن بحاجة إلى إنتاج، والإنتاج بحاجة إلى علم، والعلم بحاجة إلى إبداع، والإبداع بحاجة إلى بيئة تضمن حرية الفكر والتعبير (التفكير)، فشيوخ الجهل حولوا التفكير إلى تكفير. نحن بحاجة إلى إيجاد معادلة تضمن وجود إطار متماسك يحمي من الفوضى ويسمح بتنفيذ الأعمال الإبداعية المبتكرة دون كبتها.

أفاقت الصين في الثمانينيات، فحددت الهدف أو الغرض (النمو الاقتصادي) وكان "السطر الحيوي" الأول والواحد للدولة هو "أن نصنع شيئا"، ثم أعلن عنه وعمل به ليصبح ذلك السطر-بمستويات وأشكال مختلفة–نبراسا للفرد والعائلة والمؤسسة والدولة، فكان ما نراه اليوم.

لا يمكن للعلم أن ينجح إذا حُدّد بسقف منخفض، فيكون كأن يوضع الإنسان في صندوق دون أن يسمح له بالتفكير خارجه، لذا يجب إطلاق العنان للإنسان ليتخيل ويعمل ويحاول ويخطئ ويشك ويوقن، ثم يبدع في النهاية. إن الطفولة هي البداية، وتتشكل شخصية الطفل في السنوات الخمس الأولى، وعليه يجب على العائلات أن تشبع حاجات أطفالها وتوفر لهم المناخ والبيئة الدائمة للتعبير والتفكير دون قيود أو شروط مادية أو علمية. من منا يستمع لأطفاله أكثر مما يتكلم أو يعطي الأوامر والتعليمات؟ فهل يمكن تغيير ذلك؟ من منا يتفنن في طرح الأسئلة المفتوحة على أطفاله ثم يستمع بروية للإجابة؟ فالسؤال، كما وصفه الرسول عليه السلام، مفتاح العلم.

تعليم حقيقي:
مدارس أفضل: إذا كان لدينا نظام بكل عناصره لا يعزز الإبداع، فكيف سنطور امتحاناً يقيس الإبداع؟ إذن نحن نبحث عن شيء غير موجود! إنه كمن يربي النحل في مزرعة لا يوجد فيها سوى زهور حصى البان، ثم يقيس في العسل نسبة رحيق زهرة الزعتر البري! فلا بد إذن من وجود تناغم بين العمليات التربوية والتعليمية وأداة القياس، فنحن نقيس ما نعلّم وليس العكس. علينا ألا نعلّم للامتحان، بل نمتحن لنطور التعليم وندعمه. 

نجاح التعليم بحاجة إلى تضافر الجهود لدعم طالب العلم في فلسطين، فبالإضافة إلى أهمية دور المؤسسات الرسمية، يمكن للقطاع الخاص أن يساهم في تطوير البنية التحتية للمؤسسات التعليمية ودعم أبحاثها وتقديم منح للطلاب. فقضايا التعليم تهم الجميع، ويجب ألا تعالج من زاوية أنها خدمات تقدم للمجتمع فحسب، وإنما كونها ضرورة لعملية إعادة الإنتاج الاجتماعية الموسعة التي تؤثر إيجاباً في مستوى النمو اللاحق.

لم يعد من السهل تأهيل إنسان بمهارات محددة وتعليمه بالطريقة التقليدية، لأن المؤسسات اليوم تقوم على تنوع الأفكار في العمل وتعددها، فالإنسان يتبوأ وظائف متنوعة تتطلب مهارات مختلفة، لذا لا بد من التركيز على التعلم الذاتي حتى يتمكن من التأقلم مع متطلبات كل وظيفة جديدة. فالهدف من التعليم تعديل السلوك باستخدام العلم، وتجسيد العيش المشترك والتفاهم المتبادل مع الآخرين.

نحن نحرم أطفالنا من شيء مهم جداً هو العيش مع الآخر، إذ نغرقهم بالمعلومات فقط ونقيس المخرجات. فالمدرسة تركز على تحضير الطالب في بعض المواضيع، مثل الرياضيات أو اللغة العربية. ولا ننسى أن هناك طلبة محرومين من المدارس، وأن هناك طلبة في المدارس لا يستفيدون منها (لا يتعلمون الكثير)، لذا علينا أن نهيئ الطفل للعيش والحياة.

لدينا رؤى ممتازة، ولكن كيف يمكن نقلها إلى الصف المدرسي؟ فالمدرسة جزء من العملية التعليمية التعلمية، لذا فالالتحاق بالمدرسة يجب ألا يتحكم بالعملية التعليمية التعلمية؛ فالمدرسة متصلة بالحصول على جواز سفر أو أوراق، ومن هنا علينا تفعيل دور الأسرة والمجتمع بأسره.

في الوقت الراهن، نحن عاجزون عن تحديد الطريقة التي نسير عليها؛ نحصل على المعلومة ولا نطبقها أو نربطها بالواقع، فما هي الطريقة المثلى لتدريب المعلمين؟ هل ندربهم على المناهج، أم طريقة التعليم، أم غير ذلك؟ إن النظام بشكل عام يجب أن يساهم في ذلك. فمن يملك الإجابة؟

الخراب في كثير من الأحيان يأتي من البيوت؛ يأتي الطفل ذو السنوات الخمس محطماً مهشماً، رغم أن شخصيته تتكون في هذه السنوات، فهل تقتل العائلة والمدرسة الإبداع عنده؟! الطفل يخرج من البيت جائعا متعطشا للحب والدعم، وعلينا تغيير ثقافتنا التربوية من أجل صنع جيل أفضل، نحن بحاجة إلى انتفاضة تربوية. أحد تلاميذ الإمام مالك يقول: "تعلمنا الأدب في تسع عشرة سنة، والعلم في سنة"، يجب الرجوع إلى أصل الدين وجوهره، والالتزام بالصدق مع الذات، قال تعالى: "قد أفلح من زكاها"، فالصادق من صدق نفسه.

جامعات أفضل: نحن بحاجة إلى جامعة حديثة غير تقليدية، ذات ثلاثة مقومات، تبدأ من حيث انتهت إليه العلوم الحديثة، وتمول من المجتمع المحلي والدولة، وقادرة على استقطاب الكفاءات بناءً على القدرات. إن العلوم الحديثة متداخلة جداً ولن ننجح إذا أسسنا جامعات حديثة من حيث المباني الفخمة، وتقليدية من حيث الأداء، ثم نتبع الأسلوب نفسه في أقسامها المختلفة (قسم الأحياء، وقسم الكيمياء، وقسم الحقوق)، ذلك أن العلم اليوم يقوم على النظرة الشمولية.

نحن بحاجة إلى تغيير ثقافتنا التربوية من أجل جيل أفضل، فالمعرفة باتت موجودة في كل مكان، و(Google) اليوم أعلم منا جميعاً، ولكن هل فعلاً نمتلك معرفة حقيقية مرتبطة بواقعنا وباحتياجاتنا؟ 
طالب أمريكي درس التربية في الجامعات الأمريكية، ثم أسلم وسمى نفسه "صهيب الأمريكي"، انتقل ليدرس الفقه الإسلامي في جامعة الأزهر، ولبس لباس الجامعة تقديرا لها، كان أن اتجه إلى مدينة أسيوط باحثاً عن مقام الإمام السيوطي، فسأل شاباً عربياً عن مكانه، فرد عليه الشاب بسؤال: أتعرف بأي مسجد يخطب هذا الإمام؟ فأتبع الأمريكي: ألا تعرف الإمام السيوطي الذي كتب أكثر من ألف كتاب تدرس في الغرب وفي كل العالم؟! ولكني أوقن أنك تعرف نانسي عجرم، فقال الشاب: نعم، أعرفها جيداً. أخذ صهيب مقتطفات من كتاب الأئمة القدامى ولاحظ كيف كانت لغتهم مليئة بالأدب، في حين لا تجد في الأسواق اليوم إلا لغة سوقية ركيكة. 

أرجو أن نفكر معاً-بصفتنا أكاديميين وحملة شهادات-في كيفية توظيف الشهادات والعلم، في الوقت الذي فيه أرضنا محتلة، وأعداد الفقراء والأسرى والأيتام في ازدياد، ثم ما قيمة العلم إن لم ينر الطريق؟ وما قيمة البحث العلمي إن لم يكتشف الخلل ويحارب الفساد ويولد مساراً جديداً لحياة أفضل؟

اقتصاد قوي:
نحن بحاجة إلى قيادات ورياديين يقودون معارك الاستقلال الحقيقي والوحدة والتنمية والتحديث. ففي عام 1981 حين تسلم مهاتير محمد رئاسة الوزراء في ماليزيا كانت نسبة الفقر آنذاك (5%)، ولكنها اليوم أقل من (2%)، فقد كان صاحب رؤية واضحة، مفادها أن ماليزيا قريبة كثيراً من الغرب ويجب أن تكون لماليزيا شخصية مستقلة مميزة تقترب أكثر من الشرق، مجسداً مقولته الشهيرة "كيف نعيش الفقر ونحن نملك السياسة؟" لقد وضع الأسس التي تقوم عليها أي دولة حديثة (تعليم قوي، واقتصاد قوي، وعدالة التوزيع، واستدامة التنمية)، فما أحوجنا نحن إلى اهتمام كبير بالنخبة، وإلى خلق نخبة في التعليم والاقتصاد والسياسة بعيدا عن الفئوية والمحسوبية وغيرها من الأمراض المجتمعية! فليس كل الناس خبراء في الدولة المتقدمة. 

مع أن الاحتلال يمثل كبرى مشكلاتنا، تبقى فلسطين غنية بمواردها البشرية والمادية، ولكننا ربطنا التنمية الاقتصادية بالسلام والمعونات، ما سبب ارتفاعاً في معدل النمو بشكل وهمي، فاقترن ارتفاع مستوى دخل الفرد بازدياد البطالة والفقر والمرض، فالمعونات المقدمة لنا تقدم أضعافها للآخرين للالتفاف على التنمية وإلغائها. نحن فعلياً لم نقضِ على الفقر، بل نجحنا في تغليفه بـ "قشرة المدنية" الوهمية.

بعض الأفكار سيطرتْ على أذهاننا وتبنيناها بدون تفكير، منها:
- اعتقدنا، أو كما بدا لنا في الماضي، أن رفع متوسط دخل الفرد هو الحل بدلاً من القضاء على الفقر والجهل والمرض. والحقيقة أن التطور لا يعني بالضرورة ارتفاع مستوى دخل الفرد، فهذا مؤشر وهمي غير دقيق.
- اعتقدنا أن الحل الذهبي لمشكلة انخفاض الدخل هو الاعتماد على المعونات الخارجية والأجنبية، والواقع لا يمكن تحقيق التنمية عن طريق المعونات الخارجية، فقد روّجت الدول العظمى ذلك بهدف استعباد البلدان الفقيرة، وتدفقت المعونات على العالم الثالث المعدم دون الاهتمام بالمشاريع الإنتاجية، لكن ما النتيجة؟

- صانع الهند الحديثة (نهرو) حدد العلاقة بين العلم والسياسة، ودائماً ما كان يتحدث في معنيين: الحرية والعلم. وعندما لامه مواطن فقير على حديثه الدائم عن العلم وتوظيف المال فيه-وهم لا يجدون الماء النظيف-ردَّ (نهرو) قائلاً: ليكون لديكم الماء النظيف نحتاج إلى علم، فإذا بدأت عجلة العلم (أي بدأنا من المكان الصحيح) دارت كل عجلات الحياة بتناغم وسلاسة. أما تبرير التخلف بذرائع الفقر وقلة الحيلة فلا يجدي. كيف إذاً تقدمت دول فقيرة مثل تايوان وسنغافورة؟! وماذا عن اليابان التي تفتقر إلى كل الموارد الطبيعية، وتضاريسها جبلية صعبة؟! وماذا عن سويسرا التي تفتقر إلى الأراضي الزراعية؟!

وفي الختام، يقال إن أهمية حياة الإنسان تقاس بالبصمات الإيجابية التي تؤثر في حياة الآخرين، وبالأمثلة التي يغير بها في البناء والتضحية والعطاء، وبالصورة المشرقة عن أهله، ووطنه، وشعبه، ودينه. هذا هو حسن الخلق وحب العمل والعلم...فكلنا يعرف...ولكن أين التطبيق؟
*مساعد رئيس الجامعة لشؤون التميز والإبداع