جامعة القدس المفتوحة

انقلاب المفاهيم

نشر بتاريخ: 24-05-2015

د. يوسف أبو مارية*
المتتبع لما يجري في فلسطين اليوم من أحداث وصراعات وحروب-ابتداءً من الهجمة البربرية على قطاع غزة مروراً بغطرسة القوة وفرض الأمر الواقع على القدس تهويداً أو استنساخاً لأوهام التاريخ، والاعتداء على الجغرافيا والتاريخ في الضفة الغربية، وإذلال البشر والحجر، وبث سموم الفكر الأسود من تمييز وعنصرية تجاه شعب مسالم يحلم بحريته-سوف يكتشف بسهولة ويسر كثافة الهجمة ومنهجيتها في السير بخطى سريعة ثابتة ومتلاحقة نحو استعباد شعب بأكمله وإلغاء حريته أفراداً وجماعات، وتدمير كل ما يمت إلى الذاكرة من إشعاعات حضارية طالما كانت منارة للمعرفة منشؤها هذه الأرض المباركة وهذا الشعب العظيم بتاريخه وعطائه. فلسطين باتت وفقاً لهذه المنهجية العدوانية سجناً كبيراً ليس له مثيل في التاريخ، وأصبح القهر مفروضاً بالقوة وبنار السلاح بشتى أنواعه على شعب كامل تساوى فيه الغني والفقير، والكبير والصغير، والقائد والمقود.
والجريمة في رأيي ترجع بصورة أساسية إلى وقوع القادة اليهود تحت تأثير (الهولوكست) طوال السنوات التي تلت الكارثة اليهودية، إذ تحول المقتول إلى قاتل، والمقهور إلى قاهر، والمجلود إلى جلاد، والنتيجة هنا (هولوكست) جديدة بحق شعب ليس له علاقة بمظالم اليهود تاريخاً، فالأسلوب واحد والضحية مختلفة. لقد ساعدت الدولُ الاستعمارية سابقاً "الدولة اليهودية" بدعم لوجستي رافق وجودها منذ اليوم الأول الذي قامت فيه. أما حاضراً فقد حظي هذا الكيان بدعم أمريكي متواصل، رافقته قدرة كبيرة على توظيف رأس المال في امتلاك وسائل الدعاية والإعلام، وتجنيد قوة التكنولوجيا في خطابها التبريري، لتثبيت وجوده واحتلاله أرض فلسطين، معتمداً على دعاية كاذبة وتزييف لحقائق التاريخ. بينما نراه الآن يعتمد على ما يسمى بـ "الحرب على الإرهاب"، تلك الحرب الخرافية التي صنعتها وسائل الإعلام الصهيوأمريكية إنتاجاً وإخراجاً بعد الحادي عشر من أيلول، في محاولة جديدة لتسويغ وجود هذا الكيان وتبرير وظيفته.
وما يزيد من موضوعية الحديث هنا ضعف الصلة بين ما يحدث في فلسطين (من مقاومة وثورة عنوانها شعب لم يعد نفسيًا قادرًا على تحمل الاحتلال الذي يتناقض مع غرائزه التواقة إلى الحرية بمقاومة تتناغم تماماً مع كل القوانين والمواثيق الدولية التي تنص على حفظ كرامة الإنسان وحقه في مقاومة الاحتلال)، وبين أحداث الإرهاب في العالم. فما يحدث في فلسطين ليس له أي علاقة مباشرة أو غير مباشرة بأحداث الحادي عشر أو بإرهاب "داعش" و"النصرة"، أو إرهاب الطوائف وغيرها من المسميات التي هي في الأساس صناعة صهيوأمريكية تمويلاً وتسليحاً. نعم، فمثل هذا التبرير لا نجده إلا في عقول من زينوا الاحتلال واعتبروه نشراً للسلم والعدالة، كما تحاول الدعاية الأمريكية واليهودية تصويره.
ووفقاً لما سبق، فإن الجريمة تكمن في محاولة إيجاد رابط بين إشباع حاجات الشعب اليهودي بالحرية والسيادة وجلب الرفاه والازدهار للشعب الأمريكي، وبين ما أصبح مقروناً اليوم-وبطريقة لا مثيل لها في التاريخ-بسلخ الحرية عن شعوب أخرى كانت آمنة يوماً ما، وأقصد هنا الفلسطينيين والعراقيين والسوريين. 
فسجنُ شعوب هذه المنطقة، وتدميرُ بيوتهم بقاذفات (F16)، وقتلُ أبنائهم، وتدميرُ اقتصادهم وإنجازاتهم العلمية والحضارية، وإغراقُ مدنهم بمئات القذائف الفتاكة، وهدمُ مصانعهم، وقتلُ علمائهم وتهجيرُ أبنائهم، كل ذلك بات هدفاً تجند له ماكينة الحرب المرعبة بكل إمكاناتها لتحقيق هدف واحد هو الأمن والحرية لأمريكا والدولة اليهودية. 
إنها مفارقة عجيبة ساعدت، ولا تزال، على استمرار النظام السياسي والاجتماعي لهذه الدولة، رغم كل ما اختزلته بداخلها من قتل وعدوانية، لتبقيها متماسكة على صورتها الراهنة مع كثرة ما ارتبط بها وبزعمائها من أحداث دموية عبر تاريخ امتد زهاء قرن من الزمن، كان آخرها مذبحة غزة أمام أنظار العالم كله، وهي التي تغلف نفسها بعباءة التحضر والانتصار للحرية، ولا تزال سكينها عاملة.
 فالعدوانية والجنون وغياب العدالة الذي يعيشه عالمنا المعاصر، وانعدام الأمل وقلب المفاهيم، كل ذلك هيأ المنطقة لانفجار كبير، وأصبحت الجغرافيا بساكنيها تعيش على حافة الانزلاق إلى جهنم، فشعوب المنطقة-وخاصة فلسطين-لم تعد قادرة على تحمل مزيد من القهر. 

* محاضر في جامعة القدس المفتوحة