جامعة القدس المفتوحة

السلم الأهلي من منظور مسؤول مجتمعياً ووطنياً

نشر بتاريخ: 24-05-2015

أ. د. يوسف ذياب عواد*
قلما يحتل موضوع جدير بالاعتبار والاهتمام قدر ما يستحقه مفهوم السلم الأهلي في الواقع الفلسطيني الذي ما يزال يمر بمحطات متتالية من الأزمات وبؤر التوتر والأحداث المقلقة والمفزعة، جراء الاحتلال الإسرائيلي وما يتسبب به من انعكاسات سلبية على الاقتصاد والأمن والنسيج الاجتماعي بأكمله.
ومادام العنف العمودي يتسبب بعنف أفقي، فليس غريباً أن يتفتت المجتمع، أو أن يصبح تربة خصبة لبروز مشكلات مجتمعية مستعصية على الحل لأن القانون-والحالة هذه-معطل، كما لا يستجيب الأفراد وفق هذه الأجواء العامة المشحونة بالتوتر لصوت العقل والمنطق، وتبقى التعبئة الجهوية والقبلية سيدة الموقف في إدارة الخلافات التي غالباً ما يتم التعامل معها وفق أنصاف الحلول أو تسكين الأعراض (الطبطبة) أو التنازل تحت ضغط التهديد أو الوعيد.
في خضم هذا الواقع المر أصبح يتنامى لدى مختلف الأوساط المثقفة ضرورة ترسيخ معالم السلم الأهلي بما يعزز صمود الناس في وطنهم، ولما يحققه ذلك من مكتسبات حياتية تحقق لهم رفاهية مناسبة.
إنّ الحياة لا تستقر على نحو أمثل إلا إذا كان الأمن والعدل والسلام من أهم مكوناتها، فالحقيقة المؤكدة أنه إذا كانت نذر الفوضى والدمار والخراب تندلع شراراً من عقول البشر، فإن استحكامات الأمن والعدل والسلام لا بد من أن تُبنى أيضاً في عقول البشر وضمائرهم وسلوكاتهم لتصبح طابعهم الحضاري. وهذا ما يؤكد أنسنة الإنسان الذي ينبغي ألا يكون رقماً زائداً أو ناقصاً. إن الحالة التي يموت فيها الإنسان مجاناً أو بالصدفة الطائشة تبدو طبيعية جداً حين يصبح الظلم مجرد وجهة نظر والواقع وهماً، وحين يصبح من الصعب الحديث عن مجتمع مدني، بل لعل الحديث عنه يعد ضرباً من الطوباوية والخيال أو السفسطة غير المجدية بنتائجها المغلوطة.
ليس بمقدور أي مجتمع أن يحقق نقلة نوعية في تبني أساليب حضارية ومدنية إذا لم تعكف السلطة الحاكمة أو المتنفذة على بناء استراتيجيات تدعم وتطور وتبني مختلف التوجهات القائمة على العدالة والحرية في التعبير وقبول الرأي والرأي الآخر وفق توجهات ديمقراطية تعترف بالقدرات والخبرات وتوظفها لتحقيق التقدم والازدهار بفكر وعقل مرن يتقبل التغيير، وإدارة رشيدة تضبط الأمور.
ومهما كانت الجهود المبذولة على المستوى الرسمي قائمة ومتميزة فإن العمل الجماهيري ضرورة يجتمع فيها السبب والنتيجة في آن واحد.
إن مأسسة العمل السلمي في إطار العمل الاجتماعي-وفق نظرة طوعية مبنية على الشراكة لصنع التحول من حالة العنف والعنف المضاد، إلى حالة السلم والتسامح-تعد من الأمور البدهية من حيث علاقة الفرد مع مجتمعه ومحيطه، بل يُعد ذلك تنامياً للإحساس المرهف بالمسؤولية المجتمعية التي تتكامل مع المسؤولية الوطنية.
لقد أسهمت المشاركة المجتمعية خلال عقود مضت، في بناء قواعد عريضة صلبة من الأمن الاجتماعي، حيث تقاسم الناس لقمة العيش وضمدوا جراحاتهم وتبادلوا مشاعرهم في سبيل المحافظة على وجودهم وهويتهم.
والآن، وبعد أن اختلفت قواعد اللعبة وقبل أن تتداخل عوامل تعقيد جديدة كتلك المتصلة بالفتن الطائفية والعرقية والدينية، يجدر بنا-نحن المثقفين-أن نعزز ثقافة السلم الأهلي قبل أن ينزلق الناس إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير وتصبح الحالة عصية على الحل.
لقد أكد ديننا الحنيف وتراثنا التليد على نبذ العنف، وهما جانبان مهمان مؤثران في تخفيف حدة الاحتقان ذات الطابع السياسي أصلاً، وإن المطلوب عاجلاً إعادة توظيف الوسطية وبثها في عقول المواطنين وتعزيز تقبل الأفراد بعضهم بعضاً.
كما يمكن للنخبة المتعلمة أن تؤدي دوراً بارزاً في ريادة التغيير نحو مجتمع مدني آمن يحفظ حقوق المواطنين كجزء من ممارساتهم المجتمعية المسؤولة، فالاهتمامات الإنسانية ساهمت في تقنين الحقوق البشرية في مواثيق قومية ودولية، ما يقتضي إعادة استلهامها للمواطنين على نحو واعٍ جدير بالمسؤولية.
يساهم السلم الأهلي في الرفض القاطع لكل أشكال التناحر أو التحريض أو إعادة أي حرب أهلية، بل ينطلق من حالة محاربة الفلتان والعنف على اعتبار أنها ممارسات عفا عنها الزمن.
 والسلم الأهلي يدعم إطار العلاقة المشتركة بين المواطنين، رغم اختلاف هوياتهم وانتماءاتهم، على أساس من العدل والمساواة التي تحفظ الحق للجميع، لا سيما الأقليات العرقية أو الدينية منها.
فالضرورة اليوم تقتضي توظيف بُعدي المصداقية والشفافية في التعامل الرسمي والمؤسساتي، باعتبارهما مرتكزين أساسيين في بناء مجتمع مدني ناشط نحو التنمية وتعظيم أثره في المجتمع، جراء الثقة التي يغرسها هذان البعدان في تصرفات المواطنين.
إن الحديث عن مجتمع مزدهر آمن لا يمكن أن يتم إلا إذا تكاتفت الجهود وتعاظمت في صياغة واقع جديد بعيد عن الإكراه والقهر والعنف أو الاحتواء، بل علينا أن نساهم جميعاً في بناء ثقافة سياسية مجتمعية قوامها السلم الأهلي، بما يتطلب ذلك من طيّ صفحة الماضي القائمة على التسلط والتصلب والإقصاء والنبذ والتطرف والتخوين، وفق نظرة تكاملية تشاركية تعاونية، تعتبر السلم الاجتماعي طوق النجاة لمجتمع يزخر بالتحديات.
إن وجود وسيط وطني يشخص الحالة بنقاط ضعفها وقوتها، ويأخذ بعين الاعتبار ما يهدد السلم ويوظف الفرص المتاحة ويبتكرها ويطورها، لضرورة ملحة يستطيع معها أن  يتشكل ويحدد اختصاصاته وتداخلاته، ويعيد بث مزيد من المبادرات المجتمعية والإصلاحية التي تعزز العلاقة الإيجابية بين المواطنين وتستقطب اهتماماتهم وتشحذ هممهم نحو المصلحة العامة، وتوفير حياة آمنة كريمة لمستقبلنا ومستقبل أبنائنا.
إن المسؤولية المجتمعية للمواطنين تتطلب ممارسة جادة نابعة عن فكر يقدس الأولويات ويحترم الآراء ويقدر الاحتياجات، ويستوعب التناقضات ضمن إطار من الواجب الطوعي الذي يقحم الجميع في بوتقة المصلحة العامة للمجتمع وما يواجهه من تحديات، وما يمكن لهذا الإحساس المسؤول أن يكرس الممارسة الفعلية لاستحقاقات الأمن الاجتماعي بعيداً عن النظرة التعصبية الفردية بقدر ما هي نظرة مجتمعية تأخذ من السلم الأهلي منطلقاً مشتركاً يجمع بين تطلعات المواطنين وآمالهم واهتماماتهم. 
لقد كان الانقسام نتيجة حتمية لسلسة من الاختلافات والتناقضات للمواقف السياسية التي أثرت بشكل مباشر في النسيج الاجتماعي، وتدخلت فيه قوى خارجية بحيث أفسدت المصالح قيماً ومبادئ راسخة حافظ عليها شعبنا عبر التاريخ الطويل من النضال.
والآن بعد أن بدأ العدّ التنازلي للانقسام بالانحسار والتراجع، يجدر انتهاز هذه الفرصة لتعزيز الإيجابيات والتغلب على السلبيات وتضميد جراح الماضي بمعالجات ميدانية واستراتيجية تجذب الاهتمام العام حول المصلحة الوطنية، كما لا بد من وضع بروتوكولات جدية لتقف حاجزاً أمام أي محاولات للعودة إلى الوراء.
إن النظرة التفاؤلية حول مستقبل واعد يتشارك فيه المواطنون بفكرهم الجمعي الذي يتسابقون  فيه طواعية لتحقيقه، لنظرة مهمة جداً كونها تمثل نقطة انطلاق جاد نحو تحقيق السلم الأهلي والأمن المجتمعي بدافعية واهتمام كبيرين، كجزء من ملامح القيادة التحويلية التي ترسم بعقول الجميع أهمية التغيير وتجعل منهم أطرافا فاعلة فيه.
وهنا يجب على الأجهزة الأمنية أن تعزز شراكات مدنية ليلتحم الجميع في الهم المجتمعي، باعتباره ضرورة وطنية تقتضي التكامل والتعاون الأهليين، لتحقيق الأمن والاستقرار، ومناهضة ثقافة العنف بمختلف أشكاله وألوانه، وإحلال الفكر التنويري والمنفتح محل الضغائن والأخطاء والتجاوزات، حتى تصبح العدالة المجتمعية شعاراً قابلاً للتحقيق في مجتمع آمن مزدهر. 
*أستاذ الصحة النفسية/مدير فرع جامعة القدس المفتوحة بنابلس.