جامعة القدس المفتوحة

التراث الفلسطينيّ...ظل الأرض المهَدَّد

نشر بتاريخ: 24-05-2015

د. أسامة عثمان
تتسع دلالةُ التراث الفلسطيني، كما أيّ تراث، ليشمل كلَّ ما يتعلق بحياة الناس ونتاج تلك الحياة وَفق أنماط العيش وسيرورة الشعب التاريخية، ويتمظهر ذلك في شقين: مادي وآخر طقوسي لفظي، ليعمَّ أشكال البناء القديم، والزّي، وأنواعاً من المأكولات والمشروبات والأواني وأدوات الفلاحة وسائر أدوات الحِرف العتيقة مادياً. ثم الأمثال الشعبية والأغاني والحكايات والألعاب والعادات وطقوس الأفراح والأتراح معنوياً ولفظياً. 
وتشكل مقولة رئيس حكومة الاحتلال الأسبق بن غوريون "الكبار يموتون والصغار ينسَوْن" أساس الاستهداف المنظم وجوهره بحق الإنسان الفلسطيني في الوطن والشتات، بغرض تفريغ الذاكرة الجمعية الفلسطينية من مخزونها الثقافي والفكري والتراثي. 
القيمة والتوظيف
ما دام التراث الفلسطيني حيّاً فإن هذا وحدَه لدليل على قدرته، بالرغم من القوة المضادة الإرغامية التي تمارسها إسرائيل ضده، ولعل ذلك يعود في الأساس إلى ما يتمتع به هذا التراث-ولا سيما الملفوظ منه-من أصالة وقيمة أثيرة رفَعَتْه إلى الخلود من بين خطابات كثيرة عادية كانت تُطوى أولاً بأول. 
     ما زال التراث الفلسطيني قادراً على تأدية مهمات تواصلية بين الناس، ملتحماً بالخطاب الثقافي الذي لا ينفك يتجدد. واستنادا إلى من يدعو عالمياً، مثل رايموند وويليامز (رائدي النقد الثقافي في إنجلترا)، إلى الربط الوشيج بين شقي الخطاب الثقافي النّخبوي والعامي، وما لهذا الربط-وللجانب العامي منه خاصة-من قوة في التعبير عن الوجدان المحلي، فإن إضافة عنصري التحدي والصراع-فلسطينياً-تصقل هذا التراث وترفعه كلما غاض بفعل حركة الحياة وأمواج المعرفة المتلاحقة، الأمر الذي من شأنه أن يكسب التراث الفلسطيني مزيداً من الاحتفاء.
فعلى المستوى الوجداني الجمعي، تنبع أهميةُ التراث الفلسطيني من كونه التجسيدَ الحضاري للشعب الفلسطيني الذي لا يتجزأ، ولا يستقل تراثُه عن تراث الشام والعالم العربي، وهو جزء من هُويَّة هذا الشعب.
ويُعدُّ التراث الشعبي-ولا سيما ذاك الذي يحتفي بالحياة ويعلي من البهجة الجماعية-علامة حيوية راسخة للشعب الفلسطيني بالرغم من كلِّ إحباطات الاحتلال ومحاولاته إجهاض كل مقومات الحياة والفرحة، ولذلك لم ينقطع الفلسطينيون عن أغانيهم الشعبية العربية والفلسطينية التي تتسم بقِصَر الجمل، والجاذبية اللحنية والإيقاعية التي تهز الوجدان وتثير العاطفة المقترنة بثراء جمالي، تكشف-كما يقول الدكتور إبراهيم نمر موسى-عن مدى تجاوب الإنسان الفلسطيني مع تراثه الشعبي، وعن أصالته الشخصية أو الوطنية، وإقامة توازن نفسي بينه وبين الواقع الذي يعيشه. 
وعلى المستوى الأدبي والشعري، مثَّل الموروث الشفهي الذي هو جزء من كيان الأمة الحضاري وهويتها الوطنية ووجودها الحضاري، جسراً متواتراً استجلاه الشعراء، فربط بين طموحاتهم ورغباتهم، كما يقول موسى في كتابه (صوت التراث والهوية). 
لقد وظَّف الأدباء والشعراء الفلسطينيون الأدب الشعبيَّ بوصفه تعبيراً عن الروح الوطنية، يتجلى هذا عند إميل حبيبي في روايته (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل)، وفي شعر توفيق زياد الذي "كان محاولة شعرية مهمة ضد طمس التراث الفلسطيني وسرقته، وتأكيداً في الوقت نفسه على حضور هذا التراث وانغراسه في الأرض الفلسطينية".
 وعلى الصعيد البحثي الأكاديمي، ساهم الدكتور عبد اللطيف البرغوثي الذي يُعدُّ أحدَ أبرز رواد حقل التراث الشعبي الفلسطيني، وبخاصة الأدب الشعبي، في إبراز النشاطات الفكرية والأدبية والتراثية داخل فلسطين وخارجها.
محاولات السطو والاستلاب
يدخل التراثُ في صلب التناقض القائم بين الشعب الفلسطيني والاحتلال في علاقة الهيمنة التي يمارسها الاحتلالُ ضد الأرض والذاكرة. ويكتسب هذا التراث رمزيةً خاصة حين يصبح معادلاً للوطن والشعب، ثم يغدو موضعاً للتنازع بين الفلسطينيين (أصحابه الحقيقيين)، والإسرائيليين الذين يحاولون استلابَه وادعاءه ببعض التحريفات والتلوينات البسيطة.
 فالتراث-وإنْ كان داخلاً تحت تأثير الزمن وفاعليته المتجاوزة بالعصرنة في أساليب الحياة وأدواتها-فإن أصحابه حين يشعرون باستهدافه، سوف يطفو على السطح مهما اشتدت سلطةُ الخطاب الاحتلالي المهيمن بالمؤثرات المادية الإعلامية والميدانية الواقعية. 
وكلما حنَّ الوجدانُ إلى الأرض المستلَبة علا صوتُ التراثِ في محافل الأفراح والأحزان، وتسرَّب إلى النصوص الإبداعية استلهاماً وإحياء وجَسْراً بين الماضي الجميل والحاضر، لوصله بالمستقبل في معركة لا تتوقف حول الرؤية والرواية.
ولموقعية التراث في الصراع ولفاعليته الوطنية الباقية، جعلت منه محل سطو واستلاب، فكانت ممارساتُ الاحتلال المادية الصارخة شاهداً على ذلك، فها هو جدار الفصل العنصري يعزل آلاف المواقع والمعالم الأثرية ويدمر العشرات منها، وها هي المستوطنات تغذي بنهم عملية التشويه التي تتعرض لها الهُويَّةُ الفلسطينية، كما تجدر الإشارة إلى أن الموروث الثقافي ما زال يواجه مخاطرَ كبيرة نتيجة استفحال ظاهرة سرقة الآثار وتدميرها.
     عانت مواقع التراث الثقافي من آثار القصف والتفجير التي تسببت بأضرار كبيرة منذ إعادة اجتياح الأراضي الفلسطينية عام 2002م، فاستهدفت-عن قصد-مواقع التراث الثقافي في المدن التاريخية في غزة، ورفح، وخانيونس، والخليل، وبيت لحم، وبيت جالا، ورام الله، ونابلس، وجنين، وطولكرم، وسلفيت، وقلقيلية. (الموروث الثقافي في فلسطين-د. عبد الرحمن المغربي).
     في هذا السياق، واستمراراً للسيطرة على المعالم التراثية التاريخية، أكَّدت مؤسسة الأقصى للوقف والتراث عام 2010م أنَّ موقعا عبريا عرف باسم "فيرست نيوز" نشر خبرا مفاده أن أحد وزراء المؤسسة الإسرائيلية (وزير العلوم والتكنولوجيا)، طالب بإضافة المسجد الأقصى إلى قائمة "التراث اليهودي".
ويوثق مختصون سرقة إسرائيل معظم القطع الأثرية في المتاحف الفلسطينية، ومن أهمها تلك التي كانت في متحف (روكفلر) بالقدس، وأن أهم ما سرق منها "لفائف قمران" أو وثائق البحر الميت. واعتبر باحثون أن الاستيلاء عليها من أطراف إسرائيلية إنما هو محاولة لإخفاء حقائق جديدة تبين فترة نزول الكتاب المقدس والديانة المسيحية والتاريخ اليهودي في فلسطين، كما حذروا من الخطر الذي يتهدد متحفَ المسجد الأقصى بمحاذاة باب المغاربة، إذ استولت جهات إسرائيلية على أقسام منه. 
ومما شاع واشتهر في سرقة الإسرائيلي موروثنا التراثي أن جعلوا الثوب الفلسطيني لباس مضيفات طيران شركة (العال) الإسرائيلية، مدعيةً أنه زي إسرائيلي. ثم وصلت سرقة المأكولات الفلسطينية حداً تشارك فيه إسرائيلية بالمهرجان السنوي المنعقد بمدينة (سان فيتو لوكار) الإيطالية عام 2000 وتفوز بالجائزة الأولى لأحسن طبق "مفتول". 
أما ما يخص مجال التراث الشفوي فقد انتحل الإسرائيليون الحكايات الفلسطينية والعربية. ويذكر الدكتور منعم حداد أنه حتى صيف 1986م كان في أرشيف الحكايات الشعبية الإسرائيلية (18500) حكاية، صُنّف منها (11944) حكاية على أنها حكايات إسرائيلية، وما نسبته (65%) حكايات من يهود الدول العربية والإسلامية، ومنها (215) حكاية فلسطينية.
قصور:
بالرغم من كون السلطة الفلسطينية من خلال وزاراتها (الآثار، والثقافة، والتعليم العالي، والإعلام، وغيرها)، تحافظ على التراث الفلسطيني بمختلف أشكاله، وبالرغم من كون الجامعات الفلسطينية تؤدي دوراً مهماً على الصعيد الأكاديمي والعلمي من خلال المؤتمرات والأبحاث والمساقات الجامعية المقررة التي تكرّس التراث، وبالرغم من النتاج الإبداعي الشعري والنثري الذي يستلهم التراث ويخلِّده، فإن ثمة جوانب من التقصير تتجلى في غياب التنسيق بين المؤسسات العاملة، ما يعوق وضع خطط كلية ذات إدارة مركزية فاعلة، وفي عدم كفاية الكادر المؤهل للقيام بالترميم والإصلاح، بالإضافة إلى قصور القوانين الخاصة بحماية الموروث الثقافي.
لا بد من عملٍ مؤسسيٍّ للتوعية بالتراث وأهميته على الصعيد الشعبي، وتعميم هذه الثقافة بتضافر المؤسسات المختلفة للحد من الأضرار الناجمة عن الإهمال، أو تلك المتعمدة بجهل، أو بإغراءات مادية، أو لمقتضيات حياتية عملية، ثم تعزيز قدرات المراكز المتخصصة والمتاحف الأثرية. 
أما على صعيد مواجهة الاحتلال الذي يهدد تراثنا فلا بد من فضح ممارساته بالتوازي مع توثيق التراث، فلسطينياً، وعربياً، وعالمياً، علماً أن مؤسسات دولية كـ (اليونسكو) تقف عاجزة عن وقف ممارسات المصادرة والاستلاب والسرقة التي ينتهجها الاحتلال على الملأ. 
  *عضو هيئة تدريس بجامعة القدس المفتوحة-فرع قلقيلية