جامعة القدس المفتوحة

الشباب الفلسطيني...إلى أين؟

نشر بتاريخ: 24-05-2015

عوض مسحل
طلب مني زميل الإجابة عن سؤال في إطار مشروع بحثي محوره "واقع الشباب الفلسطيني والدور المنوط به وما آل إليه" وتركز السؤال حول ظاهرة التراجع الكبير للدور الجماهيري وحجم مشاركة الشباب فيه، فطلب مني أن أعرض وجهة نظري كناشط شبابي، مبرزاً الأسباب التي تقف وراء ذلك.
اليوم وأمام ما تشهده الساحة الفلسطينية من تداعيات، وما يحدق بالقضية من مخاطر، بفعل أحداث تجري على الأرض وتعصف بمستقبل الكل الفلسطيني، وأمام غول الاحتلال الذي ينهش الأرض والإنسان في محاولة لدثر الهوية، وفي ظل انكماش الرؤية، وجدت من الضرورة أن أنثر هذه الكلمات، علها تساهم في خلق جو لحوار دافئ هادف يقوده الشباب بما يكفل استمرار البناء الوطني على قاعدة الوحدة والتلاحم والتعاضد، مع معرفتي ويقيني أن الحديث عن دور الشباب ومشاركته في العمل الجماهيري، آنفاً وحاضراً، وما يقع على كاهله مستقبلاً حديث يطول، ولن تغطيه بضعة أسطر هنا أو دراسة هناك، فعمل الشباب يجب أن يرتكز على أسس استراتيجية تعنى بها الدولة ومؤسساتها الرسمية وغير الرسمية، فالموضوع مثير وفي غاية الأهمية، ولابدّ من أن يحظى باهتمام الساسة والمتنفذين والهيئات، وبخاصة في ظل هذه المرحلة الصعبة التي ألقت بظلالها على واقع الشباب الآخذ بالتردي، لذا يجب مناقشة دورهم في منظومة العمل الآخذة بالتراجع على جميع الأصعدة.
 طالما شكلت هذه الفئة العمرية التي ساهمت بنحو (75%) من تضحيات شعبنا، ممثلة بالشهداء والجرحى والأسرى، سياجاً حقيقياً في لحظات المدّ والجزر على مر الأزمنة وفي أكثر المنعطفات التاريخية صعوبة على قضيتنا. فكان لوعي الشباب والطلبة المتنامي الدور الأبرز، إذ إنه شكل باكورة فكر وعمل وطني حصين، بعقل يجهد ويستنير، وقلب ينبض بالحيوية والنشاط، وأياد تتحد لتكتب وتضرب وتعمر وتفلح، إيماناً بالحق التاريخي وبرسالة العلم كسلاح استراتيجي. ورغم تعدد الأفكار والأيدولوجيات فإن هذه الفئة ظلت تحمل الهدف ذاته (جلاء الاحتلال)، وهذا ما آمن به الشباب الذين قدموا كثيراً في كل المجالات، لا سيما أنهم تمتعوا بقدرات وإمكانات فكرية وثقافية، فكانوا رافداً مهماً للمجتمع، ولبنة لأساسه المتين. وإذا ما عدنا إلى الوراء قليلاً، واطلعنا على دور الحركة الطلابية في فلسطين وخارجها، ممثلة بالاتحاد العام لطلبة فلسطين وشبابها، فإننا سنلامس إسهاماته في إعلاء اسم فلسطين وإبراز هويتها الوطنية، فقياس التراجع وحالة الوهن التي طالت هذه الفئة لا يحتاج إلى كثير، فما أن نضع الأمر في نصاب المقارنة حتى نجد أنفسنا أمام حقيقة الانتصار للحقبة الماضية.
لا بدّ من أن يظل الشباب الفلسطيني ركيزة العمل الجماهيري، وإذا كان مطلوباً الوصول إلى إجابات شافية لسؤال "الشباب الفلسطيني… إلى أين؟"، إذن ينبغي الوقوف على بعض المحطات التي عصفت بشريحة الشباب، واستعراضها، واستنطاق كل مرحلة على حياء، من خلال هذه الدراسة أو من من خلال إبراز بعض النقاط.
لقد ألقت انتفاضة 1987 بظلالها على واقع الشباب الفلسطيني، وأدت دوراً مهماً في صقل شخصيته، ما ساهم في خلق وعي لا مثيل له لدى هذه الفئة، وبخاصة في دائرة وعيها ونشاطها الاجتماعي والجماهيري، إلى جانب دورها على الصعيد الوطني. ودون الخوض في تفاصيل تلك المرحلة الغنية بالفعل والدور الشبابي الجماهيري الفعال، لا بد من الإشارة إلى أن إحدى أهم ركائز بناء هذا الوعي الفكر الثوري، إذ كرست فصائل العمل الوطني جلّ اهتمامها بالشباب، فتشكلت الشبيبة في أطر ضمن برامج مكثفة هادفة نمت قدراتها وخلقت وعياً كافياً لديها، فضلاً عن التعبئة والتوجيه والتثقيف، عبر لقاءات وندوات ونشرات سرية وعلنية، إضافة إلى نموذج العمل النقابي داخل الجامعات والكليات، ثم مراحل الإعداد في المدارس التي مكنت الحركة الطلابية من النهوض وحمل المسؤولية، وثمة تجارب لا يمكن حصرها في هذا السياق، تدلل على الصورة المشرقة الناصعة لتلك الحقبة. 
نوضح هنا أن هذه إضاءة بسيطة لمرحلة مهمة أسست لما بعدها دون الوصول إليها، وما محاولة فتح هذه النافذة إلا لتشخيص الوهن الذي أصاب الجسم الشبابي وقلص من دوره الجماهيري، خاصة بعد انتهاء انتفاضة 1987 بإبرام اتفاقية (أوسلو) التي شكلت منعطفاً تاريخياً رسم ملامح مرحلة مختلفة أثرت في الشباب أكثر من غيره من فئات المجتمع الفلسطيني، نظراً لحالة التشظي في الوسط الشبابي بين مؤيد ومعارض، فكان الثمن باهظاً جداً بأن اشتدّ وقع الفرقة والخلاف والاختلاف، ولا سيما بعد انخراط عدد كبير من الشباب في مؤسسات السلطة الوطنية وتفرغهم للعمل فيها، وأخذ دور البناء القائم على أسس مهنية ومتطلبات الوظيفة على حساب الدور الطليعي الجماهيري. 
لا شك في أن موجة التراجع أخذت تزداد رويداً رويداً بعد هذه المرحلة، ما يعني مزيداً من الشرذمة وانهيار منظومة العمل الشبابي، إلى أن اندلعت انتفاضة عام 2000، محاوِلة رأب ما تصدع، فأدى الشباب الفلسطيني دوراً مهما ًوكبيراً في كل مراحل النضال، وكأن العملية طردية، أي أن دور الشباب الجماهيري يمتاز عن غيره في العالمين العربي والعالمي؛ لارتباطه الوثيق بالدور الوطني ومجابهة الاحتلال، وبالتربية التنظيمية، واحتضانه ضمن فصائل العمل الوطني. ويخلص القول: إن الانتفاضة انعكست على دور الشباب بوتيرة متصاعدة.
وثمة عامل آخر بالغ الخطورة تسبب في تراجع دور الشباب الفلسطيني، لا سيما أنه يحتوي على أفكار انطوائية وانعزالية يتمثل بانخراط عدد كبير منهم في المؤسسات الأهلية (s’NGO)، التي تمولها جهات خارجية تعمل تحت وطأة هذا التمويل، وتحت شروط الممول الهادف-في كثير من الأحيان-إلى تقويض الدور الجماهيري لدى الشباب الفلسطيني، وسلخ أفكاره عن اتجاهاته الوطنية لتُستبدَل بها أفكار أخرى مختلفة في سياق غير منسجم مع أصالة الدور المنوط بالشباب المتحفز القابض على الجرح، كل هذا تحت شعارات واهية، ومفاهيم مختلفة ذات نزعة تخدم مشاريع الممولين. إن محاولة نزع فتيل الانتماء هو الخطر الكامن وراء انخراط الشباب الواسع في هذه المؤسسات التي بلغت، وفق الاحصاءات، زهاء ستة آلاف مؤسسة وجمعية تعمل في الضفة والقطاع والقدس. وبعيداً عن جلد الذات واتهام الشباب العامل في هذه المؤسسات، فقد تنوعت أهداف المؤسسات هذه حسب ارتباطها بالممولين، فهناك مؤسسات تسعى إلى ترسيخ مفهوم التطبيع وأصول التعايش وحل النزاعات بعيداً عن "العنف" مع التأكيد على ضرورة محاربة "الإرهاب" وفق التعريف الغربي له الذي يرمي إلى النيل من كل حركات التحرر. ويمكن الادعاء بأن معظم المؤسسات التي تحظى برعاية كبيرة وتمويل ضخم مازالت تنهال عليها المشاريع المقترنة بصبغة قتل الروح الوطنية لشباب حالم طموح يعيش تحت نير الاحتلال وجبروته، الأمر الذي تسبب في تبديد رؤياه، بل رسخت في أوساط كثير من الشرائح المستهدفة أو العاملة عوامل الفرقة والطبقية، ووضعت العراقيل أمام انسجامهم مع طموحهم الوطني، وهذا يقودنا إلى ضرورة إجراء مراجعة كاملة لدور هذه المؤسسات ووضع خطة وطنية شاملة تستند إلى مراقبة سياساتها والعاملين عليها خشية الانزلاق في مشاريع تلقي بظلالها على قضيتنا الوطنية.
المصاب الجلل الذي فتّ عضد الشباب وزاد من ضياعه وغياب دوره-نتيجة ما سعت إليه مؤسسات (s’NGO) من زرع بذور الفرقة-تمثل في مرحلة الانقلاب في قطاع غزة، وما نشب عنه من اقتتال دموي وقوده الشباب، أي أن نتيجة الانقلاب مزيد من الانقسام، والشرذمة، ووأد الروح المعنوية، وقتل قدرات الشباب وطموحاتهم، الأمر الذي زاد التعصب والتشدد، فاتسعت الفرقة وانحرفت روح التنافس الشريف الذي يصب في صالح المجتمع والقضية، أي أن هذا الاقتتال أغفل المجتمع، فتبدلت الأدوات والأهداف واتسعت حالة الاغتراب. 
بدا الشباب منفصماً عن ذاته، فهو إما منزلق في إثم الانقسام، أو ينأى بنفسه عن أي دور، فصُبغت الأنشطة الجماهيرية بالحزبية والفئوية الضيقة، ما أفقدها هويتها الوطنية الشمولية، ثم تولدت القناعة لدى الشباب بأن الفعل الجماهيري والمجتمعي لا يرقى إلى مستوى التحديات، وليس أدل على ذلك من التجاوب الجماهيري الفاتر مع قضية الأسرى التي تعدّ في إطارها العام قضية شبابية، فالتفاعل الشبابي مع هذه القضية آخذ في الاضمحلال خلافاً لما كان عليه الوضع من قبل.
وبشكل مجرد، يمكن الجزم بأن الشباب قد تولد لديه إيمان بعدمية دوره وقدرته وتأثيره، بعد أن فقد وهجه وبات فريسة للتجاذبات والاستقطابات التي أحدثها الانقسام الذي عصف بالحالة الشبابية الفلسطينية التي كان يمكن تجاوزها والحدّ من استمرارها. وها نحن نقول، آسفين، إن الانقسام أضحى بمنزلة المقصلة التي وضعت عليها رقاب الشباب المتحفز، ناهيك عن تأثره السلبي بالتطور التكنولوجي والعولمة.
من وجهة نظري، كناشط شبابي، لا بدّ من قول كلمة حق: إن الشباب الفلسطيني-على الرغم من القصور البحثي، وحالة التيه العام التي يعيشها-سيظل قادراً على توفير أدوات قياس حقيقية للوعي الذي يتحلى به وبما يملكه من طاقات وأدوات تمكنه من العودة إلى دوره الطلائعي، وطنياً واجتماعياً، ثم استعادة البساط الذي يُسحب من تحته أو يكاد. ومن هنا، نؤكد ضرورة تسليط الضوء على هذه القضية المهمة ليعمل كل في مجاله لتجاوز كل العقبات والمحن، والانتصار للشباب وقضاياه بعيداً عن الانتماءات الفصائلية. فالتنشئة التنظيمية يفترض أن تخلق وعياً لدى الأجيال، وتعمق فكرة الدور الجماهيري الموحد وتؤصلها في النفوس، كما كان من قبل.
خلاصة القول، الشباب مدعو اليوم إلى الإجابة عن سؤال: إلى أين نحن ذاهبون؟
 في إطار الإجابة، لا بّد من التذكير بأن الشباب الفلسطيني مازال الفئة التي يستهدفها الاحتلال، فهو (الاحتلال) صاحب اليد الطولى لما آل إليه واقع الشباب الحالي، من خلال سعيه المتواصل إلى تركيعه وتجهيله وكسر إرادته. فمفهوم الشباب الوطني يتعرض لشتى صنوف الهدم، والأمر ليس بعيداً عن حالة الاستهداف التي يتعرض لها الشباب المقدسي خاصة، من قتل واعتقال وبث بذور الفتنة ودس السموم المخدرة في صفوفهم، وهذا يحتم علينا-نحن الشباب-رفع درجة الوعي والوقوف عند مسؤولياتنا لتفويت الفرصة على كل المتربصين، ويجب أيضاً لملمة جراحنا والاصطفاف خلف فكرة البناء الذاتي؛ لنعيد الشباب الفلسطيني إلى ذروة نشاطه وفعله وإنتاجه، ودفع عجلته نحو المفهوم الوطني، لا التبعية.
*كاتب ومحلل وناشط شبابي