جامعة القدس المفتوحة

هل يختلف مفهوم احتشام المرأة بين منطقة وأخرى؟

نشر بتاريخ: 24-05-2015

عبيدة الأقرع-يتفق رجال شعبنا جميعاً على أنهم يريدون امرأة محتشمة. المشكلة تكمن في أنهم لم يتفقوا بعد على تحديد مصطلح "الاحتشام"، لكونه صفة نسبية تختلف وفق المكان والوقت والموقف، حتى بات احتشام محافظة ما سفوراً في أخرى رغم قربهما الجغرافي والاجتماعي.
في هذا التقرير نتناول المرأة في واقعنا الفلسطيني بين المجتمعين المدني والريفي بعامة دون التركيز على محافظة ما...إذن، هل حقاً يختلف مفهوم احتشام المرأة بين منطقة جغرافية وأخرى؟ 
طرحنا هذا السؤال على الحاج أبي نضال ذي الـ (75) عاماً ويعيش في إحدى قرى محافظة قلقيلية، فأجاب بعفوية وحزم: "نحن-الفلاحين-مختلفون بعاداتنا وتقاليدنا عن إخواننا في المدن، فنساؤنا عادةً ما يكن أكثر احتشاماً من نسائهم".
حنان غشاش، مسؤولة ملف المرأة في محافظة قلقيلية، تقول: "لكل منطقة مفهوم مختلف عن الاحتشام، رغم أن المصدر الوحيد لقضايا المرأة واحتشامها هو الدين"، وتتابع: "المعتقدات والعادات والتقاليد أحياناً هي التي تحدد ما هو مقبول أو غير مقبول في مجتمعنا، فمثلاً ليس هناك ما يحرم ركوب المرأة الدراجة الهوائية في الشريعة الإسلامية، وثمة نساء في مناطق جغرافية عدة يستخدمن هذه الوسيلة للتنقل، بينما يعد ركوبها الدراجة الهوائية في مناطق أخرى خدش للاحتشام العام، ما يجعل منه أمراً مرفوضاً، وهنا نلحظ الاختلاف في تطبيق مفهوم "الاحتشام" بين منطقة جغرافية وأخرى داخل فلسطين".
    تتفق السيدة عائشة (أم محمد) التي ناهزت الخمسين عاماً من مدينة قلقيلية مع ما سبق، فهي ترى أن "تنشئة المرأة لا تعتمد على الدين الصحيح منذ البداية، إنما اعتمدت على مبدأ العادات والتقاليد وعقلية الرجل الذي يستند إلى الغيرة والتخلف، لذا نجد كثيراً من النساء يلبسن اللباس الشرعي ولا يفقهن شيئاً من الدين، ونرى هذا الاختلاف الكبير بين نساء المدن والمناطق الريفية، ذلك أن عقلية الرجل في المناطق الريفية يحكمها التعصب والتعقيد بعيداً عن مبدأ الدين الصحيح، فالاحتشام في ديننا واحد، لا يفرق بين منطقة جغرافية وأخرى، ولا بين امرأة بيضاء أو سوداء، إنما يعتمد على فهمنا الصحيح للاحتشام".
أما من حيث المنظور الديني، فيجيب د. حسن مسعود، عضو مجلس الإفتاء الفلسطيني السابق: "الحشمة في قواميس اللغة تعني الحياء والانقباض؛ نقول: حشم الرجل عياله وقرابته وخدمه، والاحتشام أيضاً يعني الاستحياء والخجل؛ يقال: كلّمته باحتشام، أي بوقار وتعفف. والاحتشام اصطلاحاً: (هو الحياء  من فعل أو قول لا يليق بالمسلم). والاحتشام والحياء صفتان محببتان إلى النفس البشرية، وقد حث الإسلام عليهما. ويعد الاحتشام من الأخلاق الإسلامية الفاضلة، ويكون في القول والسلوك واللباس".
ويتابع قوله: "من مظاهر عدم الاحتشام التبرج، والسفور، والخضوع بالقول، والخلوة بالرجل الأجنبي، واستخدام المرأة في وسائل الإعلام بصورة مبتذلة. فبالاحتشام حافظ الإسلام على المرأة من الأذى الاجتماعي احتراماً لها وصوناً لأنوثتها، ولأجل ذلك أمرها بالحجاب واللباس الشرعي الذي لا يصف ولا يشفّ. وعلى هذا فإن الاحتشام من حيث النظرة الشرعية، هو ذاته مهما اختلفت البيئات والمناطق. أما من ناحية العادات والتقاليد، فيختلف الاحتشام حسب اختلاف المناطق والبيئات، وهذا مما يؤسف له؛ لأن العبرة في الاحتشام للشرع لا لغيره". 
ويرى أ. عميد بدر-مدير مركز بديا التابع لجامعة القدس المفتوحة، ومحلل علم اجتماع-أن فلسفة مفهوم الاحتشام عبر التاريخ لم ترتبط ببعد ديني معين، رغم تباين الاختلافات والحيثيات الدينية، إنما كان ارتباطه بالأبعاد الأخلاقية والاجتماعية باعتباره سلوكاً متحضراً يحفظ للإنسان صورته وقيمته ومكانته. وأكدت جميع الكتب السماوية مفهوم الحشمة والاحتشام عند الرجل والمرأة على حد سواء، وحذرت من التعري والسفور والابتذال، فقد عُرِف الاحتشام في المُجتمعات الشرقية والغربية قبل الإسلام، ولا يزال معروفاًعندهم حتى وقتنا هذا، لكنه يختلف بالضرورة بسبب الثقافات ومن منطقة إلى أخرى".
ويضيف: "لقد ترتب على الثورة المعلوماتية حدوث تغير اجتماعي متسارع في القيم والمعايير والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية والانفتاح الإعلامي الثقافي الحضاري العالمي بفضل وسائل الإعلام السريعة، وتقف الأسرة العربية حائرة بين المحافظة على الثقافة الموروثة والثقافة الغربية الناجمة عن العولمة والمعلوماتية التي غزت العالم، بما تكمله من تقنيات متطورة وأساليب إغواء، متحدية بذلك الخصوصيات مهما كانت وأينما وجدت. فمن المتفق عليه أن أي مجتمع إنساني له خصوصياته الثقافية بحكم تاريخه الاجتماعي، فهي أشبه بالبصمة الثقافية الحضارية، كما هو الحال في منطقتنا العربية".
ونقول هنا، إن تعدد وجهات النظر لا يعني بالضرورة صوابها أو خطأها، فبعضها يكمل الآخر، وكل ينظر إلى الموضوع من زاويته.
المسيرة المهنية والاحتشام:
لا يدع الحاج أبو نضال مجالاً للتفاوض عندما نخيره بين المرأة العاملة وربة المنزل، فيجيب حاسماً مرةً أخرى: "ليس للمرأة سوى بيتها وزوجها وأبنائها، أما أن تخالط الرجال وتجالسهم مقاعد العمل، فهذا غير مقبول".
وهذه أم محمد تقول: "فئة كبيرة من رجال هذا العصر يميلون إلى الزواج من فتاة تعمل، وذلك لتساعدهم على أعباء الحياة وتخفف من ضغوطاتها. وفئة قليلة لا يميلون إلى ذلك بالرغم من ضنك العيش وقسوة الأيام، ذلك أنهم يعيبون عمل المرأة خارج بيتها".
وتعلق أ. غشاش على السؤال ذاته، مؤكدة أن "نسبة كبيرة من الشباب يفضلون فتاة تعمل، وذلك وفقاً لما حددته الحياة المعاصرة ومتطلباتها المكلفة. ولأن عمل الزوج وحده بات لا يلبي احتياجات الأسرة، فقد رضي أن تكون إلى جانبه في مكان عمله، لذا أرى الآن أن المقبلين على الزواج يفضلون الفتاة العاملة أولاً أو تلك التي توشك أن تنهي دراستها الجامعية وليس هناك ما يحول بينها وبين فكرة العمل خارج البيت".
وهنا يؤكد د. حسن مسعود أنه "نظراً للأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف الحياة، يفضل كثير من الشباب الزواج من فتاة تعمل لتعينه على متطلبات الحياة، وبهذا ستكون نظرته مادية بالدرجة الأولى، الأمر الذي ينتج عنه مشكلات اجتماعية، بل أضحى يعد من أسباب الشقاق التي تؤدي إلى الطلاق".
وعلى صعيد علمي، يقول أ. عميد بدر:"إن خروج المرأة لعملها وتعليمها أدى إلى أن تنزع اللباس التقليدي وتقتني ألبسة تواكب العصر والموضة، ماجعل كثيراً منهن يصرفن جزءاً كبيراً من رواتبهن على أدوات الزينة والملابس غالية الثمن، وأصبحت كثير من الأسر تتبنى قيم الاستهلاك بدلاً من قيم الإنتاج، إلاّ أن  هذه الظاهرة لا نستطيع أن نعممها على كل النساء؛ لأن كثيرات منهن خرجن إلى العمل مضطرات بسبب موت الزوج أو الطلاق أو الفقر وغير ذلك، فقيم التكافل الاجتماعي أصبحت شبه معدومة في زمن العولمة والانترنت، وانعكست هذه التغيرات التي تعرضت لها المجتمعات العربية عامة والمجتمع الفلسطيني خاصة على مجموعة من العوامل المتداخلة التي أحدثت تأثيرات مباشرة أو غير مباشرة في البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، فضلاً عن تأثيراتها الواضحة في بنية الأسرة، باعتبارها من أهم النظم الاجتماعية، خاصة في أساليب التنشئة الاجتماعية وإعداد الأجيال القادمة. وهذه التغيرات التي تعرضت  لها المجتمعات العربية، خاصة الأسرة، لم تكن فقط تغيرات على المستوى الخارجي المادي، إنما شملت أيضاً القيم الاجتماعية، مثل بحث الشباب عن زوجة عاملة تسانده بمال تجنيه".

مواصفات عروس اليوم:
وعن مواصفات الفتاة التي يبحث عنها طالبو الزواج تقول أم محمد: "هذا يعتمد على أسلوب التفكير، وعلى التربية التي تربى عليها، والحياة التي عاشها؛ فمنهم من يبحث في المرأة عن جمالها دون الأدب والأخلاق، ومنهم من يبحث عن المال والمصالح فحسب، ومنهم يعنى بذات الخلق والدين لتحمل اسمه وتحافظ عليه وتربي أولاده على الدين والخلق".
وتقول أ. غشاش: "أما ما يتعلق بالمواصفات المرغوبة فإن طالبي الزواج يفضلون فتاة تكون: من عائلة محترمة، ومتدينة، مرتدية الحجاب، وعاملة، وبكراً، وجميلة، ومطيعة، راضية عن نفس بما يقدم لها".
أما د. مسعود، فيرى أن "مطالب من يسعى للزواج تختلف كما تختلف نظرتهم للمرأة، فمنهم من ينظر إلى جمالها، ومنهم من ينظر إلى حالتها المادية، ومنهم من ينظر إلى الدين، إلا أن الشرع أوضح صفات المرأة التي ينبغي للرجل أن يتحراها، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ"–(صحيح مسلم،ج2، ص1086).