جامعة القدس المفتوحة

الرعاية التلطيفية

نشر بتاريخ: 24-05-2015

د. محمد بشناق*

      كثر الحديث عن الرعاية التلطيفية واختلفت فيها الآراء، فمن قائل إنها رعاية بسيطة تقدم للمرضى المشرفين على الموت، ومن قائل إنها تخصص يغلب عليه الإرشاد النفسي والديني، ومن قائل إنها تخصص يهتمّ بإعطاء العقاقير المخدرة بهدف تسكين الآلام. فما الرعاية التلطيفية؟ وما دورها في العملية العلاجية؟ ومن المرضى الذين هُم بحاجة إلى رعاية تلطيفية؟ 
لمحة تاريخية

في العقد الخامس من القرن الماضي شهدت البشرية ثورة في عالم المعرفة والعلم، وتطور الطبّ بشكل لم يسبق له مثيل على مستوى الفحوصات الطبية والعلاجات والعمليات الجراحية، وتوصّل العلماء إلى علاج لكثير من الأمراض الفتّاكة.
    وعلى أثر ذلك بدأَ المرضى المصابون بالأمراض المزمنة يعيشون لفترات أطول، وقد يمتد عمر الواحد منهم إلى سنوات أو عشرات السنين وهو مصاب بالمرض، كمرضى هبوط القلب، وفشل الكلى، ومرضى الأعصاب، والسرطان. 
     ولا يخفى على أحد أنّ المريض المصاب بهذه الأمراض يعاني من العديد من الأعراض كالآلام المبرحة، وضيق التنفس، والهبوط العام، والغثيان، والتقيؤ، وغير ذلك من الأعراض المزعجة التي تمنع المريض من أداء نشاطاته اليومية وتؤثّر سلباً في حياته.
    وقد يشتد المرض ويفتِك بالمريض إلى حد لا تنفعه العقاقير المسكنة للآلام، ويحتاج بعدئذ إلى مسكنات قوية كالعقاقير المخدرة للسيطرة على الألم الحاد المزمن. 
    ولا يقتصر الأمر على الأعراض البدنية فحسب، بل إن إصابة المريض بأحد هذه الأمراض، كالسرطان مثلاً، يحدث شرخاً عميقاً في حياته ويهزّ كيانه من الأعماق، فلا يعود قادراً على الشعور بمعنى الحياة، ولا تحديد أهدافه منها على ضوء ظروف مرضه، وينشأ في نفسه مفهوم يسمى (المعاناة).
     وقد أفادت كثير من الدراسات والأبحاث التي أجريت في الغرب أن الأطباء يؤكدون أنّهم لم يتلقوا تدريباً كافياً لعلاج أعراض المرض المختلفة وعلى رأسها علاج الآلام، ولا يستطيعون التحدث إلى المريض حول ظروف مرضه وتبعاته المختلفة، ما شكّل عجزاً واضحاً في علاج المريض.
    ومن هنا نشأت الحاجة إلى الرعاية التلطيفية كتخصص طبّي يهتم بعلاج الآلام وأعراض المرض المختلفة، ويضع أسساَ للعلاج مستوحاة من الحوار المباشر والفعال مع المريض، آخذاَ بعين الاعتبار الحاجات النفسية والاجتماعية والروحانية. 


مفهوم الرعاية التلطيفية

مفهوم الرعاية التلطيفية

     عرّفت منظمة الصحّة العالمية الرعاية التلطيفية بما يلي: 
"هي مجموعة الجهود الطبيّة المقدّمة من فريق متعدد الخبرات للمرضى الذين يواجهون أمراضاً مزمنة، بهدف تحسين نوعية الحياة ورفع المعاناة عنهم وعن عائلاتهم، مع الأخذ بعين الاعتبار الحاجات البدنية والنفسية والاجتماعية والروحانية".
وفيما يأتي الأسس التي قامت عليها الرعاية التلطيفية: 
? تقدم الرعاية التلطيفية خدمتها من خلال فريق متكامل يضم الطبيب، والممرض، والأخصائي النفسي، والأخصائي الاجتماعي، والصيدلي، والموجّه الديني، والمعالج الطبيعي.
? أعضاء الرعاية التلطيفية لديهم خبرة خاصّة في علاج الآلام والأعراض المختلفة وفقاً لأحدث الأبحاث الطبية. 
? يولي الفريق اهتماماً بالغاً بمهارات الاتصال مع المريض، وذلك من خلال الجلسات الودّية معه وإعطائه الوقت الكافي للحديث عن نفسه، وتوجيه الأسئلة المتعلقة بجوانب حياته كافة. هذا إلى جانب تقديم الدعم المعنوي والنفسي، والتأكيد أنّ من حقه أن يفهم ظروف مرضه وأن يساهم مع الفريق في وضع الخطة العلاجية وتحديد أولويات العلاج وفقاً لأهدافه وتصوراته بما يتناسب مع التعليمات الطبية. 
? يلتزم الفريق بأن من حق المريض ألا يتعرض إلى الألم والخوف والمعاناة والوحدة خلال ظروف حياته المختلفة، حتى في المراحل الأخيرة من مرضه، ولن يتخلى عنه الفريق مهما اشتدت ظروف مرضه. 
? يولي فريق الرعاية التلطيفية اهتماماً بالغاً بعائلة المريض، فمعلومٌ أنّ عائلة المريض لديها كثير من المعاناة والهموم نتيجة إصابة أحد أفرادها بالمرض، وقد يحتاجون إلى معونة من الفريق لتجاوز هذه الظروف الصعبة.
 

الرعاية التلطيفية... اهتمام عالمي

    لقد ذاع صيتُ الرعاية التلطيفية خلال السنوات الماضية وصارت محط أنظار أصحاب القرار في المنظّمات الدولية والمؤسسات الطبية والتعليمية، فضلاً عن الأوساط السياسية والتعليمية.
? فقد تبيّن أنّ عدد الوفيات في العالم زهاء (60) مليون نسمة، (6) ملايين من هؤلاء يموتون في أوضاع صعبة مؤلمة، ومليون فقط من هؤلاء لديهم من يخفف عنهم آلامهم ومعاناتهم، وهذا لا يتم إلّا من خلال الرعاية التلطيفية.
? ثمة مشاريع لتأسيس وحدات رعاية تلطيفية في حوالي (100) دولة، ويزيد عدد المبادرات الدولية والوطنية لتأسيس الرعاية التلطيفية عن (8000) مبادرة حول العالم.
? الرعاية التلطيفية، كتخصص طبي، تخصص جديد من نوعه، حيث يطلب من الطبيب أن يكون مختصاً في مجال ما كالباطني، أو التخدير، أو الجراحة، ثم ينضم إلى تخصص الرعاية التلطيفية ويخضع إلى اختبار في نهاية التدريب. كما يطلب من الممرضين وأعضاء الفريق كافة الخضوع لتدريب خاص في الرعاية التلطيفية لممارسة هذا التخصص.
? شهدت الأوساط الطبية في الغرب اهتماماً بالغاً بهذا التخصص، فالرعاية التلطيفية بمفهومها الشامل تدرس الآن ضمن المنهج المعتمد في برنامج تخصص الأطباء للأمراض الباطنية وغيرها، وقد اعتمدت كفصل مستقل في كثير من الكتب الطبية المعروفة.
? بدأ الوعي والاهتمام بهذا التخصص يظهر في الدول العربية، فقد تأسس في بعض الدول كالأردن والسعودية، وهو تحت التأسيس في كثير من البلدان، مثل مصر، والكويت.


أسس الحوار الناجح

    دأب الأطباء على الاهتمام بالأمور المرئية على حساب الأمور غير المرئية، والتركيز على الأرقام والاعتبارات البدنية على حساب الجوانب الأخرى التي يتعرض لها المريض. لقد شبّه أحدهم المريض الذي يراجع الطبيب بسبب مرض مزمن-كتلك الأمراض الفتاكة-بمثال رائع فيقول: 
      "يأتي إليك المريض ولسان حاله يقول: إن لكل منّا قرص (CD) يتكلم عن حياته (أهدافه ومثله ومبادئه، وأحلامه وطموحه، وماضيه وطفولته) ثم يخاطب الطبيب: لقد مزّق هذا المرض حياتي إلى أشلاء وتكسر هذا القرص، فهل تستطيع أن تصلحه؟". 
هذا المثال يوضح جلياً أن المريض في الواقع لديه كثير من الهموم والمشكلات التي تتعلق بحياته اليومية بعيداً عن الأرقام والحسابات والعقاقير، ويتوقع من الطبيب أن يساعده في التعامل معها.
وهنا نقدّم بعض النصائح للطبيب أو من يقدّم الرعاية للمريض من الأهل والأقارب ضمن مهارات الاتصال الناجح، وهي كالآتي:
? حاول أن تعطي وقتاً كافياً للمريض. فأحياناً قد لا يكون لديك كثير من الكلام لتقوله، لكن الوقت الذي تقضيه مع مريضك، خاصة عندما تزوره وهو على سرير الشفاء، يؤدي دورا مهماً لتأصيل الألفة والمودة، وقد يساعده ذلك ليبوح إليك بنوازع نفسه وأحاسيسه. 
? إذا شعرت أن لدى المريض ما يقوله، فلا بدّ من أن تشعره بالاهتمام، وأن تعطيه الوقت، وحاول ألا تقف بعيداً عنه إلى جانب الباب، بل اسحب إليك كرسياً واجلس إلى جواره وحافظ على أن تكون عيناك بالمستوى الأفقي لعينيه، وأن تصافحه أو تمسك بيده إذا كان الوضع ملائماً. 
? إن نبرة الصوت لها مدلولاتها، فحاول أن تتكلم بصوت هادئ معبر عن التعاطف والاهتمام.
? ابدأ حديثك مع المريض بطريقة "السؤال المفتوح" مثل: (كيف حالك اليوم؟)، (هل لديك أي شئ تحب أن تتحدث عنه أو تستفسر بشأنه؟)، (حدثني، كيف أستطيع أن أساعدك؟ فأنا هنا لأخدمك).
? حسن الاستماع عامل أساسي للتعامل مع حاجات المريض المختل، فالمريض لديه كثير من القول، وهو بحاجة ماسة إلى من يستمع إليه.
? حاول أن تؤدي دور المستمع، واستعمل طريقة "الاستماع الإيجابي"، وهذا يعني الإصغاء باهتمام مع إضافة بعض التعليقات والأسئلة الموجهة في أثناء حديث المريض، مثل: 
o (لا بدّ من أن هذا كان صعباً ومؤلماً)
o (أنا أفهم كم كان هذا صعباً عليك)
o (ثم ماذا حدث؟)
o (وماذا كان شعورك؟)
o (نعم... نعم!!)



? لا شك في أن حسن التعامل مع المريض ودعمه نفسيا له دور مهم، فالتحاور معه سبب في رفع روحه المعنوية، وذلك بانتقاء عبارات ذات مدلولات صادقة ومعبّرة، مثل: 
o (أنا هنا معك ولن أتخلى عنك).
o (أنا أتفهم وضعك الصعب ولا يخفى عليّ ما تعاني منه).
o (يهمني جداً أن أقف بجانبك وأقدم لك كل ما بوسعي).
? لا تغادر الغرفة قبل أن تحدّد خطة معينة مع المريض وتشعره بأنه سيكون بأمان ومحط اهتمامك ورعايتك.

*أخصائي الأمراض الباطنية
الزمالة الأمريكية في علاج الألم والرعاية التلطيفية
رئيس الجمعية الأردنية للرعاية التلطيفية وعلاج الألم
[email protected]
www,drbushnaq.com
0796346343