جامعة القدس المفتوحة

دور الأسرة الغزية في التعامل مع الأطفال المصابين باضطراب ما بعد الصدمة ((ptsd Post-Traumatic Stress Disorder

نشر بتاريخ: 24-05-2015

أ‌. نظمية حجازي*
يمر المجتمع الفلسطيني بالعديد من الأحداث التي تترك أثرها على مختلف الشرائح المكونة له، فطبيعة الأحداث السياسية المتلاحقة والحروب المستمرة، بما فيها من مناظر قصف وقتل وجرح وإعاقات، تؤدي إلى تراكم المشاعر السلبية التي تَرسخ في الذاكرة، ولا سيما عند الأطفال، فكل صور العنف المرعبة تتمركز في ذاكرتهم بدلاً من تلك التي تتناسب مع طبيعة مرحلتهم العمرية، ليكونوا قادرين على تطوير هويتهم المستقبلية. 
ففي تقرير نشرته صحيفة (التلجراف)، تناول الآثار النفسية للحرب الإسرائيلية على أطفال قطاع غزة، بين أن (29%) من أطفال غزة المشاركين في الدراسة يعانون من اضطراب كامل لما بعد الحرب، في حين يعاني 34.5) %) من اضطراب جزئي يؤثر في حياتهم في حال لم يتلقوا العلاج. وكشف التقرير أن الحرب على غزة تسببت باضطراب ما بعد الصدمة لدى كثير من الأطفال. وأظهرت الدراسة أن أكثر من نصف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين (15-18) سنة قد ظهرت عليهم علامات اضطراب ما بعد الصدمة بشكل كامل أو جزئي بعد رؤية الجثث.
هذه الأحداث هي خارجة عن سيطرتنا، فقد نجد أنفسنا أمام كل هذه المشاهد الدموية يومياً، إلا أن استجابات الأشخاص لاضطرابات ما بعد الصدمة تختلف من فرد لآخر، فمنهم من تظهر عليه الأعراض بمجرد وقوع الأحداث المؤلمة، ومنهم من تظهر عليه بعد أيام أو أسابيع وقد تمتد لسنوات، وربما تستمر آثار الصدمات لفترات طويلة، وهذا ما نطلق عليه أعراض ما بعد الصدمة، أو تختفي هذه الأعراض بعد فترة قصيرة وتنسى. 
الأطفال المعرضون أكثر من غيرهم للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة:
الصدمة عند الأطفال تعني التعرض لحدث خطير يترك أثراً سلبياً في الطفل، وقد يكون هذا الأثر نفسياً أو جسدياً، أو التعرض الفعلي للموت، أو الإصابة بنفسه أو بالآخرين، ويشمل ذلك الخوف والشعور الشديد بالتوتر والعجز والرعب. 
يمكن لأي شخص أن يصاب بالصدمة، ولكن حجم الصدمات يتفاوت من شخص لآخر ومن طفل لآخر لتفاوت الفروق الفردية، فبعض الأطفال لديهم استعداد ذهني للصدمة، ويعتمد ذلك على مقدار التحكم الذي مرّ به أثناء الحدث الصادم والمشكلات النفسية السابقة، ومقدار الدعم البيئي الذي يتلقاه بعد الصدمة. ومن العوامل المؤثرة أيضاً نوع الصدمة التي يمر بها الطفل وحدتها، وطول فترة تعرضه لها، والتاريخ الشخصي السابق للناجي منها، إضافة إلى عدد مرات تعرضه لها. وتوحي هذه النتائج بأن أي شخص في الواقع يمكن أن يصاب بهذا النوع من الاضطراب إذا ما تعرض لصدمة حادة.
خطورة اضطراب ما بعد الصدمة تزداد لدى الأطفال، فالطفل في هذه المرحلة العمرية ليس لديه القدرات المعرفية الكافية والمناسبة لكي يدرك طبيعة هذه الأحداث الصادمة، فيشاهدها ويكبتها في ذاته لعدم قدرته على التعبير عن مشاعره أو معاناته من تلك الأحداث، فيصاب باضطرابات في المشاعر والانفعالات تنعكس على سلوكه، فيسعى للحصول على الأمن والأمان من خلال اللجوء إلى حضن الأب والأم. وتتعاظم المشكلة عنده عند  إذا خسر مصدر الحماية، لذلك لا بد لنا من تسليط الضوء على دور الأسرة والعائلة والجماعة المرجعية، في تحصين الطفل ضد مشاعر الرعب والخوف من الأعداء مهما بلغت قدراتهم، فالهزيمة لا تكمن في ضعف الجسد وحجم الدمار الذي تخلفه الحرب، بل في تغلغل الآثار السلبية في النفوس. 
أهم الأعراض التي قد تظهر على الأطفال: 
1- ضعف التركيز نتيجة استرجاع ذكريات الحدث المؤلم، وكأن ما مروا به سابقاً يعاد أمامهم بصورة متكررة. 
2- تسيطر على أفعالهم ذكريات الحدث المؤلم.
3- التوتر والقلق المستمر.
4- صعوبة في النوم وأحلام مزعجة وكوابيس.
5- التبول الليلي ومص الإصبع. 
6- الخوف والرعب الشديد نتيجة تذكر الحدث الصادم.
7- تجنب التفكير بالحدث الصادم والتفادي المستمر لأي مثيرات مرتبطة به، مثال (تجنب المرور بالشارع الذي وقع فيه الحدث الصادم). 
8- اضطرابات الأكل، ونقص الوزن المفرط، أو السمنة والخمول الجسدي. 
دور الأسرة في التعامل مع الأطفال الذين تظهر عليهم هذه الأعراض: 
 يجب أن يدرك الأهل، وخاصة الأم والأب، طبيعة الاضطرابات والأعراض المرافقة له، ومن خلال معرفتهم بها يستطيعون أن يشكلوا ملاذاً آمناً ومناخاً نفسياً يمكن من خلاله غرس الثقة في نفس الطفل واحتضانه والسماح له بالتعبير عن المشاعر السلبية المختزنة لديه، وتقبل هذه المشاعر، وعدم توجيه النقد له أو لومه بسبب سلوكات غير مرغوبة، وإمكانية مناقشته بهذه الأحداث إن كانت المرحلة العمرية تسمح بذلك. ويجب التوضيح للطفل بأن ما يعانيه أمر يمكن مواجهته وسوف يمر بسلام، لذا يجب على الوالدين أن يقضيا وقتاً أطول مع الطفل ليشعراه بالدفء والأمان. ومن الممكن أن يستخدم الأهل شبكة الدعم الديني والاجتماعي من خلال تعزيز علاقة الطفل بالمدرسة والمسجد، فالدور القيادي الذي ينتهجه المدرسون ورجال الدين يساعد الطفل على استيعاب الأحداث المؤلمة والتعامل معها بشكل تكيفي بإعادة البناء المعرفي عنده، ويستند هذا إلى أنَّ الأفكار والمشاعر مترابطة. والهدف من إعادة البناء المعرفي  مساعدة الطفل على تمييز نمط التفكير وتغييره تجاه الحدث الصادم، كأن "يشعر الطفل بالذنب لأنه الناجي الوحيد من قصف المدفعية بينما استشهد كل من حوله"، فمن خلال تقديم المعنى الإيجابي والقيمة النضالية لطبيعة الاستشهاد تتغير أفكاره ويكف عن الاعتقاد بأنها غلطته. 
وممكن للأسرة أن تستخدم العلاج التعرُّضي الذي يعد شكلاً من أشكال العلاج المعرفي السلوكي، إذ إن العلاج التعرُّضي يتكون من تخيُّل تفصيلي يتكرر باستمرار للحادث الصادم في ظروف آمنة وتحت السيطرة (ظروف متحكَّم بها)، وهذا ما يساعد الطفل على مواجهة الخوف الذي كان يسيطر عليه خلال الصدمة واكتساب القدرة على التحكُّم به، فعلى سبيل المثال: قد يُطلَب من شخص نجا من الموت المحتم أن يصف ما حدث له مراراً وتكراراً حتى يتعلم ألا يخاف من الذكريات.
وإذا لاحظت الأسرة عدم تحسن حالة الطفل، فعليها الاستعانة بالأطباء المتخصصين لتشخيصه من ناحية إكلينيكية ثم يعطى العلاج الدوائي المناسب. 
*عضو هيئة تدريس بجامعة القدس المفتوحة/فرع طولكرم