جامعة القدس المفتوحة

القيم التربوية وسُبل تعزيزها

نشر بتاريخ: 24-05-2015

د. مجدي علي زامل*
تهتم التربية الحديثة بنمو الفرد وتطوره، وهي ضرورة رئيسة لتطور الأفراد والمجتمع، ووسيلة فاعلة للتغيير والتطوير، ووسيلة مثمرة لحفظ التراث والثقافة وبناء الحضارة، وذلك انطلاقاً من كونها عملية تنمية ديناميكية متكاملة، ونشاط قصدي يستهدف الطالب من مختلف جوانبه الوجدانية والمعرفية والعقلية والأخلاقية والروحية والجسدية والصحية، وذلك باستراتيجيات مناسبة فاعلة، لتحقيق النمو المتكامل، ومساعدته على التكيف مع نفسه ومع الآخرين، والاندماج في المجتمع.
تُعد التربية ضرورة مهمة من ضرورات الحياة؛ حيث تُسهم نظرياتها ومبادئها التربوية في رسم الاستراتيجيات والتقنيات الفاعلة للوصول بالطالب إلى ما يجب أن يكون عليه، وهذا لن يكون إلا بوجود القيم النبيلة وظهورها في ممارساتنا وأعمالنا، وإن عكس هذا سيترتب عليه انتشار الجريمة والفساد وضعف الضمير الإنساني وغير ذلك. كما لا يمكن أن تؤدي التربية وظيفتها وأهدافها بمعزل عن القيم، لأنها في حد ذاتها عملية قيمية، فالقيم تصوغ العمل التربوي وتوجهه. 
وقد تنوعت المعاني الاصطلاحية لمصطلح لقيم، بحسب المجال الذي يدرسه، وبحسب رؤية التربويين والعلماء والفلاسفة، وبحسب مفرداتها في قاموس المعنى الإنساني، فالقيم هي المثل الأعلى الذي لا يتحقق إلا بالقدرة على العمل والعطاء (العاجز والعمري، 1999). كما يمكن النظر إلى القيم، على أنها مقاييس تتحكم بها أفكار الفرد وسلوكه ومواقفه، يختارها الفرد بذاته للتفاعل معها والتمسك بها، ويكوّنها نتيجة تفاعله مع المواقف المختلفة، وتظهر في سلوكاته واهتماماته المختلفة. وهي أيضاً أحكام أو تصورات معيارية يؤمن بها الفرد والمجتمع، وتعد الإطار العام الذي يحدد سلوكه.
ومن خلال تتبع الأدب التربوي المتصل بموضوع القيم يتضح أنها متضمنة ومتداخلة، ومن الصعب تصنيفها بدقة، فصنفت إلى قيم تربوية، ونظرية، وعملية، ودينية، وجمالية، واقتصادية، واجتماعية، ووطنية، وفنية، وخلقية، وعقلية، ووجدانية، ومعرفية، وعامة، وخاصة، ومادية.
وللقيم دور مهم في حياة الأفراد والمربين والمجتمع بجميع تنظيماته، دور يقوم على أساس تبني مجموعة من القيم التي توجه أهدافه وترسمها، فالمعلومات التي يكتسبها الفرد لا يقتصر أثرها في التغيير المعرفي فحسب، بل تؤثر أيضاً في كيانه الوجداني.
هذا وقد خلصت دراسات عربية إلى وجود قصور كبير في القيم التربوية، وخاصة القيم الأخلاقية، تليها العملية، فالاجتماعية، ثم الوطنية؛ إذ ازدادت نسبة الجريمة والعنف والقتل، وبعض المظاهر السلبية لتصرفات الطلبة الأخلاقية كالغش في الامتحان، واللامبالاة، وعدم الاحترام، والتلفظ بألفاظ نابية، وعدم احترام المعلم، وعدم الانضباط في قاعة الدرس وغيرها. وتعزى هذه النتائج إلى سوء المناخ التربوي في بعض المؤسسات التعليمية، وقلة التوظيف لوسائط التربية المعنية بهذه المهمة، مثل الأسرة ووسائل الإعلام، وتأثر بعض الأفراد في مجتمعنا العربي بثقافة المجتمعات الغربية وعاداتها وتقاليدها، وما تركته في الحياة الاجتماعية من قيم لا علاقة لها بتربيتنا وبيئتنا العربية، ومنها القيم المرتبطة بمجال التربية. 
يتطلب الرقي بالعملية التربوية الارتباط بقيم أساسية يتجه إليها النمو الإنساني الذي تهتم التربية بتحقيقه، وهذا يتطلب زيادة اهتمام النظام التربوي والتعليمي بالقيم التربوية، ووضع الاستراتيجيات والخطط الكافية في ذلك، ويتطلب أيضاً تكاتف الجهود بين جميع العناصر، من أهمها: إدارة المدرسة، والمعلم، والأسرة، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المحلي، فالتكامل في العمل يقودنا إلى التوافق، ويخلصنا من الأفكار غير السليمة، ويبعدنا عن السلوكات غير المقبولة، فنسلم من ثقافة الآخر التي لا تنسجم مع تربيتنا وثقافتنا، حينئذ نبني شخصية واضحة تخلو من التناقضات.
وتُعد العلاقة بين القيم والتربية علاقة تبادلية؛ أي أن القيم هي الموجه للعملية التربوية بعناصرها كافة، وهي في الوقت نفسه بحاجة إلى الاستراتيجيات والمعلمين والنظام والقواعد السليمة، أي أنها بحاجة للتربية، وهذا يعني أنه من الصعب تنمية القيم وغرسها لدى الطلبة بدون تربية، وبدون القيم تصبح التربية عقيمة. وقد كشفت الدراسات عن أهمية القيم في خلق بيئة تربوية مناسبة تحقق مزيداً من فهم الطلبة واستيعابهم، والتفاعل الجيد بين المعلم وطلبته (كنعان، 1996: 204).
ويؤكد الفقي (1994: 91) أهمية دور المدرسة العلمي والفني في إعداد الطلبة وتشكليهم بالصورة المثلى ليكونوا مواطنين صالحين، وإعدادهم أيضاً للتفاعل الصحيح مع المجتمع والتوافق معه.
وحتى تتعزز القيم التربوية السليمة لدى الطلبة، لا بد من تطبيق طرق وأساليب وفعاليات معززة لها، من أهمها:
1. تضمين المناهج المدرسية كثيراً من القيم التربوية، وذلك من خلال النصوص والرسوم والأنشطة.
2. وضع المدرسة خطة خاصة بتعزيز القيم التربوية لدى الطلبة، وذلك بإشراك جميع العناصر في المدرسة بمن فيهم الطلبة. وفي هذا الصدد أشارت نتائج دراسة البزم (2010) إلى أن الأنشطة غير الصفية لها دور فعال في تنمية قيم طلبة المرحلة الأساسية.
3. تعزيز القيم التربوية من خلال مذكرات تحضير المعلم، وجعلها جزءاً من تقييمه، يرصده المشرف التربوي ومدير المدرسة.
4. زيادة اهتمام المعلم في تحقيق نواتج التعلم الوجدانية، ليس المعرفية فحسب. 
5. زيادة اهتمام المدرسة والمعلمين بغرس القيم التربوية لدى الطلبة من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتصميم المواد التربوية الهادفة إلى تعزيزها، وممارستها من قبل الطلبة.
6. أن يكون المعلم –في سلوكه-قدوة للطلبة ونموذجاً لهم لما له من تأثير في النفوس، فالتزام المعلم بالقيم التربوية النبيلة الصالحة يساعد طلبته على الالتزام بها وممارستها.
7. توظيف المعلم أساليب خاصة بتعزيز القيم التربوية وتعلمها لدى الطلبة كالتقليد والمحاكاة، والتكرار والخبرة، والتعلم التعاوني، والقصة، ودراسة الحالة، وغيرها.
8. حرص المعلم على تقديم القيم التربوية للطلبة من خلال المواقف الصفية وغير الصفية، ومن خلال مواقف يمارس فيها الطالب قواعد السلوك الأخلاقي وأساليب المعاملة السليمة والمواقف العملية، لأن القيمة التي تمارس تؤثر في الطالب وفي مسار حياته، وتظهر في سلوكه وتستمر، وتتكرر حتى تصبح جزءاً منه.

في ضوء ما سبق، يتضح أن العلاقة بين القيم والتربية علاقة متبادلة ذات تأثر وتأثير، فكما أن التربية تتأثر بقيم التربويين والمفكرين وواضعي المناهج والمعلمين، فإنها كذلك تؤثر في غرس قيم الأجيال وإكسابهم السلوكات والصفات الحميدة. وحتى نرتقي بالعملية التربوية من ناحية وبطلبتنا من ناحية أخرى، لا بد من أن تستند التربية إلى قيم إيجابية تتفق مع ثقافة مجتمعنا وتراثه، وهذا لن يكون إلا من خلال توافر القيم، وتبنيها قولاً وعملاً.

* أستاذ مشارك: تربية/أصول تربية

----------------
1. البزم، أحمد مصطفى. (2010). دور الأنشطة اللاصفية في تنمية قيم طلبة المرحلة الأساسية من وجهة نظر معلميهم بمحافظات غزة. (رسالة ماجستير غير منشورة)، جامعة الأزهر، غزة.
2. العاجز، فؤاد علي؛ العمري، عطية. (1999). " القيم وطرق تعلُّمها وتعليمها"، بحث قدم في مؤتمر القيم والتربية في عالم متغير، جامعة اليرموك، 27-29/7/1999م، اربد، الأردن. متوفر على الموقع الالكتروني الآتي: site.iugaza.edu.ps/fajez/files/2010/02/Alkeam.DOC تاريخ الدخول للموقع (2/1/2015م).
3. الفقي، عبد المؤمن. (1994). الإدارة المدرسية المعاصرة. بنغازي: منشورات جامعة قار يونس.
كنعان، أحمد على.) 1996(. أدب الأطفال والقيم التربوية. دمشق: دار الفكر.