جامعة القدس المفتوحة

الخرائط المفاهيمية وتنظيم التفكير

نشر بتاريخ: 24-05-2015

د. سعاد العبد
      تواجهنا تحديات القرن الحادي والعشرين بأهمية التغيير والتجديد لمواكبة التغيرات والتطورات المتسارعة لإعادة التفكير والتنظيم في ظل الحاجة إلى المبادرات الإبداعية لتسيير المناهج الدراسية حتى تواكب التغيرات وتتوافق مع الطاقات البشرية والحاجات المجتمعية المتجددة المتغيرة لتحضير المتعلم للتعلم النشط بهدف بناء المعرفة واستخدامها في ضوء الحاجات المستقبلية.
     الانتقال من العموميات والشموليات إلى التفصيلات والجزئيات عمليات عقلية عليا تتطلب ممارسة رياضة فكرية، ونشاطاً إبداعياً مثيراً للتفكير والتأمل والتنظيم والبناء والفهم لاكتشاف العلاقات وربطها مع خبرات المتعلم لتحقيق التعلم ذي المعنى. فالكيف في التعلم يحسن نواتج التعلم مقارنة بالكم، ويجعل المتعلم محوراً وركيزة لعملية التعلم. فاعتماد المتعلم على ذاته في تنظيم بنيته المعرفية السابقة وربطها بخبراته الحديثة بيسر وسهولة هو تنظيم للبنية المعرفية يسهل الرجوع إليها بعيداً عن التعلم الأصم، ومتى تعلم المتعلم تنظيم معلوماته وربطها بسلاسة وسهولة فقد استخدم استراتيجيات معرفية فوق معرفية تعزز تعلمه الذاتي وتعكس عمق التفكير لديه وتحقق المعنى للتعلم، وهنا يكون المتعلم قد نظم تعلمه باستخدام الخرائط المفاهيمية.
      وتعود خرائط المفاهيم إلى التعلم ذي المعنى إلى (دافيد أوزوبل) الذي يبين أن البناء المعرفي للمتعلم يتخذ الشكل الهرمي الذي تنظم فيه المعرفة من الأكثر شمولاً إلى الأقل شمولاً نحو التفصيلات والجزئيات.  وتلاه في الاهتمام بهذا آخرون، كان منهم (نوفاك) و(جوين) اللذان يؤكدان أن تعلم الأفكار الجديدة والاحتفاظ بها يتم عندما ترتبط بالأفكار والمفاهيم السابقة، وبذلك تصبح ذات معنى بالنسبة للمتعلم. وتمثل خارطة المفاهيم استراتيجية أو أداة تخطيطية لتوجيه عمل المتعلم لحل مشكلة أو فهم بطريقة الرسم الصوري لتكوين المعرفة وبنائها.
      فمعرفة المتعلم السابقة والحقيقية هي الركيزة الأولى في التعلم ذي المعنى، وإن ربطها بمعرفته الجديدة يحقق معنى المفهوم الجديد، ومنه ينظم المتعلم معرفته هرمياً ويحقق النتاج التعلمي باستخدام هذه الخرائط كأداة لتنظيم التعلم. ويعبر المتعلم عما يدور في ذهنه من تخطيط وتنظيم ومعالجة للمعلومات برسوم بصرية، وهنا يبرز التعلم ذو المعنى عنده لاشتراكه في العملية التعلمية وانخراطه في بناء معرفته بنفسه مكتسباً المفاهيم ومحتفظاً بها، ومعدلاً أي مفاهيم خاطئة كانت آنفاً.
ويمكن استخدام خارطة المفاهيم كخارطة طريق قبل البدء بعملية التعلم، وذلك لتحديد الكيفية التي سيسير عليها التعلم، أو قد تستخدم كأداة تقويمية للتأكد من سلامة التعلم، وذلك برسم الخارطة المفاهيمية وتوضيح المفاهيم وربطها معاً. وبناء خارطة المفاهيم يتطلب عصفاً ذهنياً لكل ما يتعلق بالموضوع المراد بناء الصورة البصرية له، ثم تدوين الأفكار والعلاقات والترابطات على بطاقات بكلمات أو جمل قصيرة، ويلي ذلك عملية تنظيم هذه الأفكار والمفاهيم ومحاولة ربطها بروابط ضمن فهم المتعلم لها، وتحديد العلاقات الأولية بينها بشكل هرمي يتدرج من الأكثر عمومية إلى الأقل، متبعاً عملية ربط المفاهيم بعبارات أو أشباه الجمل لتحديد العلاقات.
      أما المرحلة الأخيرة، فتتمثل في بناء خارطة المفاهيم بصورتها البصرية التي تعكس فهم المتعلم وتكون قابلة للنقاش مع الآخرين، بعد مراجعتها وتقويمها وعنونتها.
وحتى تأتي خارطة المفاهيم أكلها، لا بد عند تصميمها من تحديد الفئة المستهدفة، وتحديد نوع المعرفة وكمها، ويكون المتعلم انتقائياً في تحديد روابطها عند تصميمها بما يتناسب ونمطه التعلمي. وهنا لا نتوقع إنتاج خرائط مفاهيمية جامعة، وذلك لتنوع أنماط المتعلمين، إذ تعكس كل خارطة مفاهيمية البنية المفاهيمية المعرفية للمتعلم.
       الخرائط المفاهيمية أداة تقويمية تشخيصية علاجية، تشخص المفاهيم الخاطئة أو البديلة، وتشخص النقص في المفاهيم والعلاقات ومدى متانة البنية المفاهيمية، ثم إنها تساعد المتعلمين في تحديد ما يحتاجون إلى تعلمه لتحقيق التعلم ذي المعنى، من خلال رؤية جديدة تحقق فكرة الطالب في أن يتعلم كيف يتعلم، وذلك بتنمية المهارات العلمية والعمليات العقلية العليا. وينعكس هذا الاستخدام إيجاباً على المتعلم؛ فتتعزز ثقته بنفسه واحترامه لها، وتُبقي المتعلم في حالة الاستمرار البحثي عن الشكل الصوري ليربط مفاهيمه بطريقة واضحة صحيحة يحددها ويستبعد المغلوط منها، حتى يصل بعدئذ إلى مرحلة يميز فيها تمييزاً دقيقاً المفاهيم الأكثر ملاءمة في البناء المعرفي الهرمي.
      وتقدر قيمة خارطة المفاهيم من خلال نمط بنيتها بالاعتماد على نوعية العلاقات المبنية فيها؛ فالعلاقات وتعددها والمستويات الهرمية التي تتمثلها تعد ركيزة مهمة للتقويم ولمدى قوة الروابط والوصلات العرضية بين المفاهيم. والتعزيز بالأمثلة يأتي لتوضيح المفاهيم والعلاقات والتفرعات التي لا تقل أهمية في تقويم الخريطة المفاهيمية مقارنة بالخريطة المفاهيمية ذات المستوى الواحد وقليلة التفرعات. والمتعلم الناجح يكون لنفسه استراتيجية للتفكير والاستدلال لتحقيق التعلم، فكمية التعلم تتأثر بدافعية المتعلم، وهذه الدافعية تتأثر بالحالة العاطفية للمتعلم واهتماماته وعادات العقل عنده، فدرجة تركيز دافعية المتعلم الداخلية واستمرارها يتأثر بمقدار ما يكون التعلم داخلياً والرغبة أكبر في التعلم النشط.
 
عضو هيئة تدريس في "فرع بيت لحم"