جامعة القدس المفتوحة

هل هناك فروقات تعليمية وتربوية بين المدرستين الخاصة والحكومية؟

نشر بتاريخ: 24-05-2015

ديانا خالد صلاح-تتسابق المدارس الخاصة والحكومية لتقديم ما لديها لأبنائها الطلبة لأن التعليم هو المحرك الأساس في تطور الشعوب، وينظر إليه أنه الأداة الأساسية وربما الوحيدة لإحداث التغيير والتحولات في المجتمع، لذا تزيد نسبة التعليم في المرحلة الأساسية في فلسطين عن (90%). فخدمة التعليم تقدمها المدارس العامة والخاصة، ومدارس وكالة الغوث، وبعض المدارس الأجنبية. 
وتختلف وجهات النظر بين الأهالي حول المدرسة التي سيختارونها لأبنائهم؛ فبعضهم يفضل المدارس الخاصة، وآخرون يفضلون الحكومية وغيرها. ثم إن الآراء تتباين ما بين مؤيد ومعارض، ولكن الأغلبية اتفقت على وجود تماثل في الخدمات التعليمية بين مدارس الحكومة والأخرى الخاصة مع وجود تفوق في النواحي التربوية السلوكية في المدارس الخاصة. 
جهاد صبيح أم لثلاثة تلاميذ في مدارس نابلس الخاصة، تقول-بعد الحديث مع الأهل والأصدقاء والموازنة بين الأبناء-إنها لا تجد فرقاً في النواحي التعليمية التي تقدم للطالب، ولكنها تعترف بوجود قوانين وضوابط في المدرسة الخاصة خارج الإطار التعليم الأكاديمي البحت، وبصفتها موظفة، فإن انضباط الدوام في المدارس الخاصة مسألة مهمة لها.
ويرى عاطف عبد الحق الذي يدرّس ابنه في مدارس الحكومة، أن لا فرق بين المدرستين الخاصة والحكومية، لأن الأمر يعتمد على الطالب وذكائه، مستنداً في رأيه إلى تجربته الشخصية مع أبنائه الأربعة الذين التحقوا بمدارس حكومية وأحرزوا علامات عالية، وقال إن عدداً قليلاً من المدارس الخاصة تهتم وتتميز بالنواحي التربوية السلوكية.
أما الأم نغم منصور التي لها ثلاثة أولاد في مدارس خاصة، فتؤكد أن بعض المدارس الخاصة هدفها ربحي بحت، وليس تعليمياً أو تربوياً، وأن عدداً قليلاً من تلك المدارس تسعى إلى خلق جيل مثقف واع في جميع النواحي الأكاديمية والتربوية والحياتية. 
 في السياق ذاته، يؤكد معاذ المصري-أب لطفلين في المدارس الخاصة-أن مستوى التعليم في هذه المدارس أفضل من المدارس الحكومية، بخاصة في مدارس الذكور، فقد خاض تجربة المدرستين ووجد أن المدرسة الخاصة تركز على الطالب من نواح نفسية، باتباع أسلوب الثواب والعقاب، وتنتهج قوانين ضبط متميزة، ومن أهم مزاياها أيضاً أنها تركز على اللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية.
أما السيد حسام شرقاوي-رئيس مجلس آباء في إحدى المدارس الحكومية-فأكد أن المدارس الخاصة هدفها فقط هو التحصيل المادي، مشيداً بالمدارس الحكومية من حيث متابعة الأهل الأمور التربوية والإدارية والتعليمية بسهولة، وطرق رفع الشكاوى، وتعاون وزارة التربية والتعليم، والتجاوب الكبير، مؤكداً أن المتابعة هي الأساس في رفع مستوى التحصيل العلمي.
أما هنيدة حشاش-أم لابنتين التحقتا بمدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين-فتؤكد وجود فروقات بين المدارس الخاصة ومدارس الوكالة، وذلك لتجربتها الشخصية؛ إذ لاحظت أن المدارس الخاصة قد تتهاون بالأنظمة مقابل الاحتفاظ بالطالب الذي يعود عليها بالنفع المادي، مع تماثل المنهاج الدراسي في المدارس كافة.
ويؤكد خالد الوزني-وهو أب لطالب يدرس في المدارس الخاصة-أن مدارس الحكومة يقع على عاتقها جهد كبير في توفير المستلزمات المطلوبة للطلاب، بحكم أنها مجانية ومفتوحة للجميع، بعكس ما نجده في المدارس الخاصة التي توفر الوسائط المساندة وتقوم بالأنشطة المنهجية واللامنهجية دون أي حساب لميزانية، مع وجود اختلافات طفيفة بين مدرسة خاصة وأخرى.

تحديد الأفضلية بين المدارس يعود للأسرة
تتباين وجهات نظر التربويين حول فائدة المدارس الخاصة للطلبة وللمجتمع بوجه عام؛ فمنهم المشجع لها ومنهم الرافض، ولكل مبرراته النابعة من الموازنة بين فائدة المدارس الخاصة وتكلفتها، فمن وجهة نظري فإن الفيصل هو تقويم أولياء الأمور وأهالي الطلبة.
في هذا السياق، يرى د. فخري دويكات، من كلية التربية بجامعة القدس المفتوحة، أن المدارس بأنواعها تقدم ما عندها للطلاب، ولكل منها ميزاتها وعيوبها، فالمدارس الحكومية-من وجهة نظر تربوية-أكثر جدية ونظاماً، وهي مجانية وموحدة مع غيرها بوجه عام، وتتيح التعليم لجميع أفراد المجتمع دون تمييز، أما المدارس الخاصة فهي أكثر مرونة واهتماماً بالطلاب، بخاصة في المراحل الأولى، إضافة إلى تطور موادها المستخدمة في العملية التربوية، ولكن من عيوبها أنها لا تتيح التعليم لجميع أفراد المجتمع، وهو ما يتنافى مع حقوق الإنسان في حق التعليم.
ويؤكد د. دويكات أن الأفضلية بينهما مرتبطة بشكل كبير بالأسرة؛ فلن ينجح دور المدرسة سواء أكانت حكومية أم خاصة دون دور فعال ومشاركة فعالة من الأسرة.
ويوصي دويكات بالنهوض بالمدارس الحكومية، وبإعادة النظر في سياسة التوسع في التعليم الخاص، ويشير إلى عدم وجود مؤشرات واضحة تبين اهتمام المدارس الخاصة بتوفير نوعية تعليم متميزة عن التعليم الحكومي العام، أو بما يتعلق بوضع قضايا النظام المدرسي، أو الاهتمام الشخصي بالطلبة، أو تبني فلسفة مدرسية تهتم بالقيم الإيجابية والسلوكية، وبتوجيه سلوك الطلبة ضمن أولويات عملية الإصلاح التربوي للتعليم العام.
وأكد د. يحيى ندى، من كلية التربية بجامعة القدس المفتوحة، أن المدارس الخاصة منذ أن بدأت تشق طريقها في فلسطين بداية القرن العشرين، ما زالت مسألة التقويم النهائي لها ومدى أفضليتها على المدارس العامة قائمة، وذلك حذراً من إصدار تقويم نهائي يمس التعليم العام بسوء.  
وتابع قائلاً: "لا أحد ينكر الفوائد والميزات التي تتسم بها المدارس الخاصة لمساهمتها في تخفيف العبء عن وزارة التربية والتعليم باستيعابها قسماً كبيراً من الطلبة، وإن كثيراً من الدول تدعم المدارس الخاصة مادياً وبشرياً بهدف تشجيعها. وتتميز المدرسة الخاصة بقلة أعداد الطلبة في الغرفة الصفية، ما يعطي الطالب فرصة أكبر ومساحة زمنية أوسع للاستيعاب والمشاركة، إضافة إلى استخدامها تقنيات عالية حديثة تراعي الجودة في جميع المجالات، وربما يكون هذا لهدف ربحي واستقطاب الطلبة.
ويبين د. ندى أن المدارس الخاصة تخضع لمراقبة وزارة التربية والتعليم من حيث الالتزام بالأنظمة والمتطلبات العلمية، ولها صلاحية إضافة مقررات دراسية أخرى. ويشير إلى أن المدارس الخاصة تواجه كثيراً من الانتقادات؛ فهي تستخدم المدرسين المتقاعدين وكبار السن لتكلفتهم المادية المنخفضة، إضافة إلى أن رواتب العاملين فيها متدنية، ثم إن مستوياتها تتباين وفق المدينة أو المنطقة؛ فالمدن الكبرى تمتاز مدارسها الخاصة بمستوى عال من الجودة والتميز، لكن المدن الصغرى فالمدارس الخاصة فيها ليست على المستوى المطلوب، كما أن تكلفة المدارس الخاصة باهظة في بعض المناطق ولا تخضع إلى معايير وزارة التربية والتعليم.
وتشير أ. فاطمة الصوص، مديرة المدرسة النظامية الحكومية، إلى أن بعض المدارس الخاصة توظف مبدأ التعليم المساند المرتكز على التعليم التفريدي خارج الحصص الصفية، ما يساهم في رفع مستوى تحصيل الطلاب والقضاء على ظاهرة الأمية، ولكن هذا المبدأ في المدارس الحكومية مفعّل على نطاق ضيق، وتستند في ذلك إلى بعض طلاب الجامعات المحلية مثل طلبة العمل التطوعي في جامعة القدس المفتوحة وطلبة مركز الخدمة المجتمعية في جامعة النجاح الوطنية.
وترى أ. الصوص أن المدارس الخاصة تنفرد بوضع القوانين والأنظمة الخاصة بها فيما يتعلق بتعاملاتها وتواصلها مع المجتمع المحلي ومع الأهالي وأولياء الأمور، بحيث تحد من تدخلاتهم في شؤونها، ما يساهم في تغييرات إيجابية في سلوكات الطلبة.
وتؤكد أ. الصوص أن عملية تعيين معلمي المدارس الحكومية تخضع لمعايير وأسس واضحة من قبل وزارة التربية والتعليم العالي، فتقيس المهارات والخبرات المطلوبة لتنتقي الأكفأ بشفافية ونزاهة، أما المدارس الخاصة فأسس التعيين فيها من صلاحيات الإدارة، وضمن ما تراه مناسبا.
بينما ركزت أ. كفاية الحاج محمد، مديرة روضة تعليمية بنابلس، على الفروقات التعليمية بين المدارس الخاصة ومثيلتها الحكومية من حيث نوعية التعليم؛ فالمدارس الخاصة تعتمد على التركيز التام، ولكنه في المدارس الحكومية ضعيف، وبخاصة في المرحلة الأساسية لمدارس الذكور.

التربية: النواحي التربوية تختلف وفق الفئات الاجتماعية
في السياق الرسمي، يرى د. محمد عواد، مدير التربية والتعليم في نابلس، أنه لا يمكن إصدار حكم عام للمفاضلة بين المدرسة الخاصة والمدرسة الحكومية، لأن الأمر يحتاج إلى دراسات من خلالها تُعرف نتائج الطلبة التي تشير إلى وجود أو عدم وجود فروقات ذات دلالة إحصائية في كلتا المدرستين، إضافة إلى الحاجة إلى التصنيف حسب مستوى المرحلة الدراسية.
وأكد د. عواد أن النتائج، بعد إجراء التجارب، ليس بالضرورة أن تكون معبرة، وذلك بسبب اختلاف الظروف التعليمية والثقافية والاجتماعية، إذ إن مدخلات المدارس الخاصة تختلف عنها في مدارس الحكومة، وفقاً لظروف الطلبة الاقتصادية والاجتماعية، ثم إن النتائج–ولأسباب أخرى-لن تكون وليدة الإجراءات.
وشدد د. عواد على أن المدارس الخاصة موجودة في فلسطين وخارجها، وهي شكل من أشكال الاستثمار لغايات تعليمية وربحية، علماً بأن الحكومة تشجع هذا النمط من الاستثمار مع التأكيد أن المنهاج في كلتا المدرستين (الخاصة والحكومية) هو منهاج موحد، وقد أظهرت النتائج أن الفروق معدومة على مستوى مدارس الإناث، أما فيما يتعلق بمدارس الذكور فثمة فروق إيجابية لصالح المدارس الخاصة بسبب اختلاف المدخلات الاقتصادية والثقافية.
وأشار د. عواد إلى أن تباين فئات المجتمع وتباين وضعها المالي يسمح لذوي الدخول المرتفعة بإلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة، ومن هنا يحدث الاختلاف التربوي، إذ إن المدرسة الخاصة ستوفر للطالب المستلزمات الدراسية الأساسية والكمالية، ما ينعكس على حالة الطالب النفسية.
ثم إن معظم معلمي المدارس الخاصة هم ممن تقاعدوا من مدارس الحكومة، الأمر الذي أكسبهم الخبرة، وأضحوا في وضع مادي مريح، فانعكس هذا على أدائه وعلى مستوى الطلاب.
وأشار د. عواد إلى أن نظام المدرسة الخاصة يسمح لصاحبه بإنهاء عقد عمل المدرس، لكنه في مدارس الحكومة أصعب بكثير، فثمة ضمانات وأمن وظيفي وغير ذلك.