جامعة القدس المفتوحة

المواطنة الرقمية Digital Citizenship

نشر بتاريخ: 24-05-2015

م. خلف ادعيس
شهدت السنوات الماضية طفرات متلاحقة في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، رافقها تغير في قدرات الأفراد في التعامل مع التكنولوجيا نحو السهولة واليسر والسرعة في عمليات التواصل والوصول إلى مصادر المعلومات، ومما لا شك فيه أن هذه الثورة التكنولوجية الحديثة نتج عنها سلوكات تباينت بين الإيجابية إذا ما استغلت على الوجه الأمثل، والسلبية إذا تمرد مستخدموها على القواعد الأخلاقية والضوابط القانونية التي تنظم شؤون الحياة الإنسانية، والفارق بينهما كيفية استخدام الفرد لها، لذا فإن هذه الثورة تستحق الاهتمام بها ودراستها من جميع جوانبها التقنية والتربوية لمعرفة مدى تأثيرها على الفرد والمجتمع.
فإذا كنا سابقاً نستطيع معرفة اهتمامات أبنائنا ومراقبة علاقاتهم بالآخرين، فقد أصبح أبناؤنا الآن يتواصلون مع مجهولين رقميين قد يشكلون خطراً حقيقياً عليهم، وأصبح من شبه المستحيل في هذا المجتمع الرقمي السيطرة على آلية استخدامهم للتكنولوجيا، ولا سيما أن الدراسات والإحصاءات تشير إلى تزايد عدد مستخدمي الانترنت حول العالم، حيث يشير موقع (GlobalwebIndex) في تقريره (Jan 2015) إلى أن عدد مشتركي الانترنت حول العالم بلغ (3.010 بليون) مشترك، أي ما نسبته (42%) من عدد سكان العالم، منهم (2.078 بليون) مشترك في مواقع التواصل الاجتماعي، أي (29%) من العدد الإجمالي لسكان العالم، وبين التقرير ذاته أن عدد الساعات التي يقضيها الفرد على الانترنت بشكل يومي تراوحت بين (2.7 ساعة) باستخدام الأجهزة المحمولة الذكية وبين (4.4 ساعة) باستخدام الكمبيوتر المكتبي أو المحمول.
وفي سياق آخر، أشارت الإحصاءات والدراسات إلى تزايد الدلائل إلى التكنولوجيا وإساءة استغلالها، لذا فنحن في أمس الحاجة إلى وجود سياسة وقائية تحفيزية وقائية ضد أخطار التكنولوجيا، وتحفيزية للاستفادة المثلى من إيجابياتها. ومع ازدياد مستخدمي التكنولوجيا في العالم أصبح هنالك حاجة ملحة للحديث عن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، ومن هذا المنطلق ظهر مصطلح جديد أصبح يكتسب زخماً واهتماماً كبيرين في جميع أنحاء العالم وهو مصطلح المواطنة الرقمية، وفي هذا المقال سوف نتطرق إلى مفهوم المواطنة الرقمية ومحاورها الأساسية.
المواطنة الرقمية: هي مجموع القواعد والضوابط والمعايير والأعراف المتبعة في الاستخدام الأمثل والقويم للتكنولوجيا، والتي يحتاجها المواطنون صغاراً وكباراً من اجل المساهمة في رقي الوطن. فهي تهتم بالتوجيه والحماية والتعامل، توجيه نحو منافع التكنولوجيا الحديثة وحماية من أخطارها وفهم لقواعد السلوك فيما يتعلق بالتكنولوجيا واستخدامها. فالمواطنة الرقمية أكثر من مجرد أداة تعليمية، بل هي وسيلة لإعداد مستخدمي التكنولوجيا إعداداً جيداً من أجل مجتمع تكنولوجي رقمي صحي.
وكوسيلة لفهم المواطنة الرقمية وقضايا استخدام التكنولوجيا، فقد حددت منظمة (ISTE: International Society for Technology in Education) تسعة مجالات (محاور) عامة تشكل المواطنة الرقمية:

1-الوصول (النفاذ) الرقمي (Digital Access): المشاركة الإلكترونية الكاملة في المجتمع:
تعمل المواطنة الرقمية على تكافؤ الفرص أمام جميع الأفراد فيما يتعلق بالوصول إلى التكنولوجيا واستخدامها، وتوفير الحقوق الرقمية المتساوية ودعم الوصول الإلكتروني، ونبذ مبدأ الإقصاء الإلكتروني الذي يحول دون تحقيق النمو والازدهار، وتقليص الفارق الرقمي (الفجوة بين أولئك الذين يستطيعون الوصول إلى أشكال التكنولوجيا المختلفة واستخدامها وبين أولئك الذين لا تتوافر لديهم تلك الفرصة).
قد يكون الوصول التكنولوجي محدوداً عند بعض الأفراد لظروف اقتصادية أو سياسية، لذا فإن نسبة الوصول الرقمي تكون أعلى في الدول المتطورة من الدول النامية، وحالياً يوجد العديد من البرامج العالمية لتعزيز حق الوصول الرقمي أمام الأفراد في الدول المتعثرة اقتصادياً أو في تلك الدول التي تحجب بعض أشكال التكنولوجيا عن مواطنيها مثل الوصول إلى الإنترنت.

2-التجارة الرقمية (Digital Commerce): بيع البضائع وشراؤها إلكترونياً:
إن القسم الأكبر من اقتصاد السوق اليوم يتم عن طريق التكنولوجيا وقنواتها المختلفة، والمواطنة الرقمية تثقف الفرد بالقضايا المتعلقة بهذه العملية من حيث القوانين واللوائح المتعلقة باستخدام التكنولوجيا، ولا سيما الأمن والأمان أو تلك المتعلقة بقوانين الدولة.
وعلى الرغم من مزايا التجارة الإلكترونية العديدة لا من أخذ الحيطة والحذر لمن يريد أن يشتري أو يبيع إلكترونياً.

3-الاتصالات الرقمية (Digital Communication): التبادل الإلكتروني للمعلومات:
من أبرز تطورات التكنولوجيا الحديثة التطور في مجال الاتصالات بجميع أشكالها وتقنياتها، إذ بفضلها تحول العالم إلى قرية صغيرة، وأصبحت الفرصة متاحة أمام الجميع للاتصال والتعاون مع أي فرد آخر في أي بقعة من العالم وفي أي وقت.
 وفي هذا السياق تهتم المواطنة الرقمية بأن يمتلك الفرد القدرة على اتخاذ القرار السليم أمام العديد من خيارات الاتصالات الرقمية المتاحة وأن يكون على وعي بكيفية استخدامها.
4-محو الأمية الرقمية (Digital Literacy): عملية تعليم وتعلم التكنولوجيا واستخدام أدواتها:
لقد أصبح مقياس الأمية حديثاً مرتبطاً بقدرة الفرد على استخدام التكنولوجيا، لذا فإن المساهمة في محو الأمية الرقمية هي مسؤولية فردية وجماعية، فلا بد من أن تتضافر الجهود من أجل توفير فرص التعلم والتعليم والتدريب لاستخدام التكنولوجيا وأدواتها المختلفة بالشكل الأمثل والاستفادة منها.
ولأن التكنولوجيا شقت طريقها إلى جميع مجالات الفرد الحياتية، فأن المواطنة الرقمية تقوم على تثقيف الأفراد وتعليمهم رقميا لما يحتاجونه من التكنولوجيا، واستخدامها بالشكل المناسب والاستفادة من إيجابياتها وتجنب سلبياتها، وكذلك إكساب مهارات محو الأمية المعلوماتية.

5-اللياقة الرقمية (الإتيكيت الرقمي) (Digital Etiquette -Netiquette): المعايير الرقمية للسلوك والإجراءات:
كلنا يحرص على أن نكون على قدر من اللياقة عندما نتعامل مع الآخرين وجاهياً، والبعض يحتاج إلى تدريب لاكتساب تلك المهارة لأنها تخضع إلى معايير وإجراءات، ويجب إن ينطبق الأمر نفسه عندما نتعامل مع الغير رقمياً، فالمواطن الرقمي صاحب "إتيكيت" جيد وجاهياً أو رقمياً.
 تهتم المواطنة الرقمية بنشر "ثقافة الإتيكيت" الرقمي بين الأفراد وتدريبهم ليكونوا مسؤولين في ظل مجتمع رقمي جديد، ليتصرفوا بتحضر، مراعين القيم والمبادئ ومعايير السلوك الحسن.

6-القوانين الرقمية (Digital Law): المسؤولية الاجتماعية على الأعمال والأفعال:
هي تلك القوانين في المجتمع الرقمي التي تعالج مسألة الأخلاقيات الرقمية، لفضح ومعاقبة الاستخدام غير الأخلاقي للتكنولوجيا أو ما يسمى الجرائم الرقمية أو الإلكترونية الرقمية، لحماية حقوق الفرد وتحقيق الأمن والأمان له رقمياً، حيث توجد قوانين عدة سنها المجتمع الرقمي لا بد من الانتباه لها، وكل مخالف يقع تحت طائلة هذه القوانين، مثل اختراق معلومات الآخرين أو سرقة بياناتهم أو نشر الفيروسات...وغيرها من الجرائم الإلكترونية.
القانون الرقمي يعالج أربع قضايا أساسية: (حقوق التأليف والنشر، والخصوصية، والقضايا الأخلاقية، والقرصنة)، والمواطن الرقمي يحترم القوانين الرقمية وينشرها ويشجع غيره للالتزام بها.

7-الحقوق والمسؤوليات الرقمية (Digital Rights & Responsibilities): الحريات التي يتمتع بها الجميع في العالم الرقمي:
كما أن الدولة حددت لمواطنيها حقوقهم في دستورها، فإن المواطن الرقمي أيضاً يتمتع بحزمة من الحقوق مثل الخصوصية وحرية التعبير وغيرها، ولا بد من فهم هذه الحقوق بالشكل الصحيح في ظل العالم الرقمي. ومع هذه الحقوق تأتي الواجبات والمسؤوليات، فهما وجهان لعملة واحدة لا ينفصلان.
لا بد للمواطن الرقمي من أن يتعرف على كيفية الاستخدام اللائق للتكنولوجيا حتى يصبح منتجاً وفعالاً.

8-الصحة والسلامة الرقمية (Digital Health & Wellness): الصحة النفسية والبدنية في عالم التكنولوجيا الرقمية:
يرافق استخدام التكنولوجيا بشكل غير سليم مشاكل بدنية ونفسية تؤثر في الفرد، وهذا أدى إلى ظهور علم الإرجونوميكس (Ergonomics) أو هندسة العوامل البشرية، والذي يعنى بالملائمة الفيزيائية والنفسية بين الآلات بأشكالها والبشر الذين يتعاملون معها ويستخدمونها.
المواطنة الرقمية تهتم بنشر الوعي والثقافة حول الاستخدام الصحي والسليم للتكنولوجيا، وتطبيق معايير (الإرجونوميكس).

9-الأمن الرقمي (الحماية الذاتية) (Digital Security (self-protection)): إجراءات ضمان الوقاية والحماية الرقمية:
لا يخلو أي مجتمع من أشخاص يمارسون أعمالاً مخالفة للقانون مثل السرقة والتشويه، وكذلك المجتمع الرقمي، لذا لا بد من اتخاذ التدابير اللازمة بهذا الخصوص لضمان الوقاية والحماية والأمان للأفراد. فكما نضع الأقفال على أبواب بيوتنا، وأجهزة الإنذار في منازلنا لتوفير مستوى معين من الحماية، لا بد من تطبيق إجراءات مشابهة في المجتمع الرقمي، مثل عمل نسخ احتياطية من البيانات، وتثبيت برامج مكافحة للفيروسات والاختراق وغيرها من الإجراءات في العالم الرقمي، فالمواطن الرقمي المسؤول لا بد له من أن يتخذ الاحتياطات الأمنية لحماية بياناته وخصوصيته من أي غزو خارجي.
هنالك عدة أساليب لتعليم وتوضيح محاور المواطنة الرقمية التسعة آنفة الذكر، حيث يعد مفهوم (الاحترام، التعليم، الحماية REPS – Respect, Educate, and Protect) أحد هذه الأساليب،  فيقسم هذا الأسلوب محاور المواطنة الرقمية إلى ثلاث فئات، كل فئة تضم ثلاثة محاور، على النحو الآتي:
احترم نفسك / احترم الآخرين، وتضم:
1. الوصول (النفاذ) الرقمي
2. اللياقة الرقمية
3. القوانين الرقمية
علم نفسك / تواصل مع الآخرين، وتضم:
1. التجارة الرقمية
2. الاتصالات الرقمية
3. محو الأمية الرقمية
احم نفسك / احم الآخرين، وتضم:
1. الحقوق والمسؤوليات الرقمية
2. الأمن الرقمي
3. الصحة والسلامة الرقمية

إن دولاً متقدمة عديدة مثل بريطانيا والولايات المتحدة وكندا تدرس لطلابها في المدارس مواضيع خاصة بالمواطنة الرقمية في إطار منهج التربية الرقمية، ونرى في نفس الإطار المشروع الذي وضعته استراليا تحت شعار" الاتصال بثقة: تطوير مستقبل استراليا الرقمي"، الذي ينص على تعميم تدريس المواطنة الرقمية للطلاب مع تدريب الإباء والمعلمين عليها وفق خطة وطنية متكاملة، كما تخطط فرنسا لجعل موضوع المواطنة الرقمية قضية وطنية كبرى.
وفي الختام، لا بد من وضع الاستراتيجيات المناسبة لنشر ثقافة المواطنة الرقمية بين جميع شرائح المجتمع لإعداد نشء رقمي صالح، وفق برامج ومشاريع بدءاً بالأسرة وتمتد إلى جميع المؤسسات التعليمية والتربوية، حتى نتمكن فعلاً من تعزيز حماية مجتمعنا من الآثار السلبية المتزايدة للتكنولوجيا، مع تعزيز الاستفادة المثلى منها للمساهمة في تنمية مجتمع المعرفة وبناء الاقتصاد الرقمي الوطني. وهنا لا بد للجميع-أفراداً ومؤسسات-من أن يتحمل مسؤوليته تجاه هذا الموضوع الحيوي المهم.
وباختصار حتى تكون مواطناً رقمياً صالحاً عليك أن تحترم نفسك وتحترم الآخرين، وأن تعلم نفسك وتتواصل مع الآخرين، وأن تحمي نفسك وتحمي الآخرين.


* عضو هيئة تدريس-فرع يطا