جامعة القدس المفتوحة

الحد الأدنى للأجور في فلسطين...وما زال الكادحون يطالبون بـ "الفتات"!

نشر بتاريخ: 24-05-2015

 أرباب عمل لا يلتزمون بتطبيق القرار رغم أنه لا يلبي أدنى تطلعات الطبقة العاملة

آية السيد أحمد-مر ما ينوف على السنتين على إقرار الحكومة الفلسطينية الحد الأدنى للأجور بمبلغ (1450) شيكلاً، لكن هذا القرار لم يطبق على أرض الواقع بعد، مع أنه لا يلبي أبسط طموحات العاملين في مختلف المؤسسات في مناطق السلطة الفلسطينية، وبات لسان حال العمال يقول: "رضينا بالهم والهم ما رضي فينا"، فأُجبروا على قبوله، ولكن أرباب العمل لم يلتزموا به رغم مرور عامين ونيف على بدء العمل به بعد مفاوضات شاقة سبقت إقراره.

على الرغم من مرور هذا الوقت فإن تساؤلات لا تزال قائمة: هل بات الحد الأدنى كافيا لتلبية الاحتياجات الأساسية للأسرة الفلسطينية؟ وما مدى التزام مشغلي القطاع الخاص به؟ ولماذا يلجأ أرباب العمل إلى الالتفاف عليه؟ وهل بات ملحاً البحث في سبل رفع الحد الأدنى للأجور بعد مرور عامين على إقراره وارتفاع مؤشر غلاء المعيشة؟
يقول لؤي وزوز، العامل في إحدى الورشات الصناعية التجارية في الخليل: "راتبي يتجاوز الحد الأدنى، وأرى أنه (الحد الأدنى) غير كاف لتغطية مصاريف عائلة صغيرة". 
أما محمد عماد-وهو عامل في محطة وقود، ويتقاضى ما يقارب (1500) شيكل شهرياً-فيرى أن هذا المبلغ غير كاف لإعالة أسرته.
ويستهدف قانون الحد الأدنى للأجور بالدرجة الأولى العاملين في المشاغل والشركات متناهية الصغر التي تشكل النساء الغالبية فيها. تقول السيدة حنان، العاملة في أحد مشاغل الخياطة، وهي مطلقة وأم لأربعة أولاد: "أعمل مسؤولة مشغل، ومشرفة على مجموعة عاملات أنا أعلاهن دخلاً، أتقاضى (1200) شيكل شهرياً، بواقع عمل ثماني ساعات يومياً، والإجازات على حسابي الشخصي، ولا علم لي بقانون الحد الأدنى، ولكني لن أطالب بتطبيقه خوفاً من أن يفصلني رب العمل فلا أجد ما أقتات وأولادي به".
وتتحدث حنان عن تحيز لصالح الرجل في المشاغل، تقول: "الرجل-مهما كان إنتاجه اليومي-يتقاضى (1500) شيكل، في حين أن المرأة تنتج أكثر منه ولا تتقاضى أكثر من (900) شيكل".

الحد الأدنى للأجور لا يوفر أبسط متطلبات الحياة:
يقول أحمد الزعارير، أستاذ الاقتصاد في جامعة القدس المفتوحة: "إن الحد الأدنى للأجور هو معدل الأجر الذي يأخذ بعين الاعتبار الحاجات الأساسية لأسرة متوسطة العدد، وقدره في فلسطين (1450) شيكلاً، رغم أن التقديرات الاقتصادية تشير إلى أن الحد الأدنى يجب ألا يقل عن (2500) شيكل".
ويرى أ. زعارير أن هذا المبلغ غير كاف لإعالة عائلة مكونة من ثلاثة أفراد، يقول: "الحد الأدنى (1450) شيكلا لا يكفي لتغطية الحاجات الأساسية: الأكل، والمأوى، والكسوة، والصحة، والتعليم".
في السياق ذاته، يرى مدير مديرية وزارة العمل في الخليل أ. أمين المطور "أن الحد الأدنى لا يكفي للأسرة المتوسطة؛ لأن معدل حد الفقر في فلسطين هو (1800) شيكل، بينما الحد الأدنى للأجور أقل بكثير، ولكن هذا المبلغ حدد نتيجة المشكلات الاقتصادية وارتباط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي".
ويؤكد مدير عام غرفة تجارة وصناعة الخليل المهندس جواد السيد، أن الحد الأدنى للأجور غير كاف، وذلك لأن هيكلية اقتصادنا تتبع إسرائيل في السلع الرئيسة، موضحاً أن حصة الفرد من الناتج القومي في إسرائيل تبلغ (30,000) دولار سنويا، وهي أعلى بكثير إذا ما قورنت بمثيلتها فلسطينياً، مع أننا نشترك في السلع الأساسية ذاتها كالبنزين، والماء، والكهرباء.
وعن مدى ارتباط هذ القانون باستقرار الاقتصاد الوطني في ظل ارتفاع مستويات البطالة، يقول أ. الزعارير: "ما دام الحد الأدنى للأجور يعتمد على الحاجات الأساسية للأسرة الفلسطينية فإن الالتزام به يعفي الحكومة من بعض المسؤوليات تحت مسمى التحويلات الحكومية، ما يقلل العبء عليها".

لا يوجد التزام بتطبيق الحد الأدنى للأجور:
أما عن مدى الالتزام بتطبيق الحد الأدنى للأجور لحل مشكلة البطالة، فيقول المهندس جواد السيد: "إن ذلك يعتمد على الرقم المثالي الذي يساهم في خفض مستوى البطالة ورفع مستوى المعيشة للعامل، ويجب أن يتجاوز (1450) شيكلا".
ويرى السيد أن ثمة علاقة بين الحد الأدنى والاقتصاد الوطني، لكن هل الحد الأدنى هذا هو المطلوب؟ يجيب قائلاً: "إن القيمة المثالية للحد الأدنى هو المبلغ الذي يلبي الحاجات الأساسية للعامل ولا يؤثر في صاحب العمل، ويجب ألا يكون موحداً باختلاف الوظيفة، إذ إن ما نسبته (95%) من المؤسسات الاقتصادية في فلسطين متناهية الصغر، ما يجعل تطبيق هذا القانون يؤثر فيها، وهذه مشكلة اقتصادية، فالحد الأدنى للأجور سيف ذو حدين، وإذا ما طُبق على مؤسسات الخليل فإن ما نسبته (25–30%) منها سيغلق، ما يولد بطالة بالنسبة ذاتها. وإذا ما قارنا الحد الأدنى للأجور (1450) شيكلاً بمعدل دخل الفرد السنوي (1600) دولار، فإن الحد الأدنى للأجور أكبر من معدل دخل الفرد السنوي، لذا أرى أنه يجب إعداد دراسة منهجية يُربط فيها الحد الأدنى بآثاره في الاقتصاد الوطني".
وفي هذا الجانب، يرى أ. الزعارير أن الحد الأدنى للأجور لا يلتزم به مشغلو القطاع الخاص، وإنه إذا طُبق ما سوف يمس العامل، يقول: "لا يلتزم مشغلو القطاع الخاص بالحد الأدنى للأجور، فهناك محاولات للالتفاف عليه بإجبار العاملين أن يعملوا لساعات طويلة، أو إلزامهم بالتوقيع على المبلغ المقر للحد الأدنى، بينما يتقاضون أقل منه بكثير. عدا عن أنه إذا ما طبق فإنه يؤدي إلى زيادة البطالة الطوعية؛ فارتفاع الحد الأدنى للأجور يزيد من تكاليف الإنتاج، فتلجأ الشركات إلى التقليل من عدد العاملين وزيادة عدد ساعات العمل توفيراً للنفقات. ومن بعض حالات الالتفاف أن رب العمل يجرد العامل من أي امتيازات: كالتأمين، والإجازات المرضية، ومكافأة آخر الخدمة، وغير ذلك.
في حين يرى أ. سمور النتشة، رئيس الاتحاد العام لنقابات فلسطين بفرع الخليل، أن هناك تجاوباً عاماً حول تطبيق القانون، وذلك باتفاق مع أصحاب القطاع الخاص-وخاصة الشركات الكبيرة-على تشجيع العامل الفلسطيني بالبقاء والثبات ومحاربة هجرة الشباب الفلسطيني. فالظروف الاقتصادية صعبة، وعمل النساء في القطاع الخاص-وخاصة المشاغل-صعب، فنرى المرأة تقضي يومها بدءاً من ساعات الصباح حتى الرابعة مساء بأجر لا يتجاوز الـ (800) شيكل، ما يفجر مشكلات لدى هذه الفئة.
ويتبع الاتحاد العام لنقابات فلسطين آليات عملية في تطبيق هذا القانون، يقول النتشة: "إن تطبيق هذا القانون يتم جماعياً من قبل العاملين في المؤسسات ومصانع القطاع الخاص، بحيث تشكل لجان عمل في المصنع أو الشركة تطالب الادارة بتطبيقه والوصول معها إلى اتفاق، مع الحفاظ على حقوق العاملين كافة، وتحقيق الأمن الوظيفي لهم، وهذا ما حدث في كثير من المصانع والشركات في محافظة الخليل".
وعن دور وزارة العمل في تطبيق هذا القانون، يقول أ. المطور: "وضعنا خطة لتطبيق القانون بأثر رجعي من تاريخ 1/1/2013، ونتعامل مع القضية عن طريق شكاوى تقدم لمكتب وزارة العمل، وتُتابع بالتفاوض مع أصحاب العمل، والنتيجة تكون إما بالاستجابة والتراضي أو بتحويل الملف إلى القضاء، ثم إننا سننفذ حملات تفتيشية واسعة ونطلع على السجلات الموجودة، لذا نأمل من أصحاب المؤسسات أن يبادروا بتطبيق القانون".
ويرى المهندس جواد السيد أن تطبيق القانون في كثير من المؤسسات صعب، وذلك لأن حجمها الاقتصادي لا يسمح بذلك، ولأن هذا القانون يستفيد منه العمال غير المهرة مثل المراسلين، وعمال الخدمات العامة مثل السكرتارية في عيادات الأطباء أو الشركات الصغيرة، يقول: "إننا في (غرفة تجارة وصناعة الخليل) نحث الجميع على تطبيق القانون والالتزام به، وسنعالج أي حالة تواجهنا".
ويقول أ. المطور: "إن الحد الأدنى للأجور يستفيد منه القطاع النسوي بالدرجة الأولى، لأن أجور الرجال والعمال المهرة تفوق هذا الحد، ولكن النساء في قطاع الخدمات العامة مثل عيادات الأطباء، وبعض المنشآت الصغيرة مثل رياض الأطفال، تعد الفئة الأكثر تضرراً".
ويرى المطور أن كثيراً من المؤسسات لا تلتزم بتطبيق القانون، يتابع: "إن مؤسسات كثيرة تتحايل على القانون، ذلك أن ما يهمها هو الربح، فنرى القائمين عليها يتحايلون على نظام الساعات، وخاصة في المشاغل النسوية". 
وبين جهل العامل وأطماع المشغلين يضيع حق العامل في المطالبة بتطبيق هذا القانون، والنساء هن الشريحة الأكثر تضرراً، فثمة جهود على المستوى النقابي والحكومي تهدف إلى تطبيق القانون، ولكن يبقى نفاذ تطبيقه بيد العامل نفسه.