جامعة القدس المفتوحة

الألعاب الإلكترونية هل تحرم أطفالنا متعة اللعب؟

نشر بتاريخ: 24-05-2015

إيميلي سعادة–يقبل أطفالنا في هذه الأيام على الألعاب الإلكترونية كثيراً مستخدمين الأجهزة الذكية والحواسيب اللوحية، وتثير هذه الظاهرة قلق المختصين حول نمو الطفل بين هذه الأجهزة، وبعده عن متعة اللعب الحقيقية مع نظرائه.
يتناول هذا التقرير التأثيرات النفسية والاجتماعية للألعاب الإلكترونية على الأطفال، من خلال الموازنة بين اللعب على الأجهزة الذكية والألعاب القديمة، مثل (الغميضة، وسبع حجار، وحواكير الدار).
وفي هذا السياق تقول عضو هيئة التدريس في كلية التنمية الاجتماعية والأسرية أ. سوسن مبارك: "نشتاق إلى تلك الأيام وتلك الألعاب كـ "الغميضة"، و"اللحيقة"، و"سبع حجار"، و"البنانير". فهذه الألعاب كانت أكثر متعة؛ كونها تتم بحرية على الطبيعة الجميلة، وحواكير البيوت، والأزقة، والحارات. وهذه الألعاب تحتاج إلى عدد من الأطفال يتشاركون معاً، فتتيح لهم فرصة الاختلاط في أوقات مناسبة، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على شخصية الطفل.
وبينت أ. مبارك أن هذه الألعاب تساهم في توسيع مهارات الطفل الاجتماعية والمعرفية، من خلال التعرف إلى أطفال آخرين خارج الإطار العائلي يشاطرونه لعبته، وتساهم أيضا في اكتساب الطفل مهارات تنظيمية. فهذه الألعاب لها قواعد تنظيمية تكسب الطفل المهارات التنظيمية القيادية منذ نعومة أظافره كمهارات التعامل، وحفظ قواعد اللعبة، ما يهيئ الطفل مستقبلاً أن يكون عضواً فعالاً ضمن الوحدة الاجتماعية التي ينتمي إليها، سواء في الأسرة، أو في مجموعة الصف، أو مجموعة العمل.
وتشير مبارك إلى أن الطفل إذا ما لعب مع زملائه فإنه سيقضي وقتاً ممتعاً وصحياً نتيجة الحركة ضمن مساحة مخطط لها على الأرض تُحدد بالطباشير لتكون قواعد تنظيمية ممتعة يتفقون عليها معا، فيتصافحون ويضحكون إذا ما انتصر فريق على آخر في لعبة الكرة أو "البنانير" أو "الغميضة".
وتختم مبارك حديثها قائلة: "لكيلا يُفهم أننا ضد هذه التقنيات الحديثة والألعاب الإلكترونية، يجب أن نكون عادلين في إطلاق أحكامنا، فهي-بلا شك-ممتعة للأطفال الذين يعيشون في أوضاع خاصة داخل الشقق السكنية التي تعوقهم عن الخروج واللعب في مساحات واسعة، وهي ممتعة أيضاً لذوي الحاجات الخاصة العاجزين عن الحركة، أو لأولئك الأطفال ذوي النشاط والحركة الزائدة الذين تساعدهم الألعاب الإلكترونية على أن يصبحوا أكثر تركيزاً وقدرة على ضبط الذات داخل القاعات الصفية".  
 يرى عضو هيئة التدريس في كلية التنمية الاجتماعية والأسرية أ. مجدي نباهين، أن اللعب سيكولوجية مهمة للأطفال في مراحل نموهم المبكرة، لما لها من مردود إيجابي في تكوين شخصياتهم وصقل مهاراتهم الحياتية والذاتية. 
إن الألعاب الإلكترونية الافتراضية تحدد للأطفال مساراً معيناً يقضون جل أوقاتهم في كنفه، ما يؤدي إلى العزلة أو القوقعة والتوحد. ومع هذا فلا ننكر أن للألعاب الإلكترونية دوراً في تنمية بعض جوانب  قدرات الأطفال العقلية ومهاراتهم، ولكنها تحرمهم الكثير في جوانب أخرى، بعكس الألعاب التقليدية التي تعتمد على احتكاك الطفل بأطفال آخرين أو فرصة مشاركته اللعب مع الكبار، ما يزيد من مهاراته الحياتية والسلوكية والتفكيرية والنمائية التي تنمي عنده مهارات التواصل الاجتماعي الفعال وبناء العلاقات السليمة بكيفية اختيار نوع اللعبة وشريكه فيها، أو بانضمامه لفريق ينتمي إليه، أو بممارسته دور القيادة وتحمل المسؤولية والدفاع عن الفريق، وهذا يساعده على كسر حواجز العزلة الاجتماعية، والرضا عن الذات، ونمو اللغة وتطورها، والتعرف إلى أنماط السلوك القائم في المجتمع من عادات وتقاليد وقيم. فالطفولة مرحلة استكشاف المحيط الذي يعيشه الطفل، وكل هذا توفره الألعاب التقليدية التي تعتمد على انخراطه بالآخرين داخل الأسرة أو في محيطها مع الجيران أو في المدرسة.
وشدد نباهين على أن الضرورة تقتضي أن تركز المدرسة على الأنشطة والألعاب غير المنهجية التي من شأنها أن تعزز لدى الأطفال الربط بين المفاهيم والسلوكات التي يرغب المجتمع في تنشئة الأجيال عليها، لذا فالألعاب الإلكترونية باتت تهدد المجتمعات لاحتوائها على سلوكيات عنف، وتشجيعها تصرفات غير مسؤولة قد تصل حد غرس مفاهيم الإجرام لدى الأطفال، الأمر الذي يؤدي إلى فشل منظومة المجتمع في فرض السيطرة على التنشئة الاجتماعية التي تتماشى مع طبيعة المجتمع وأوضاعه، فيبتعد الأطفال عن واقعهم الاجتماعي والسلوكي والفكري والثقافي.
أما عضو هيئة التدريس في كلية التنمية الاجتماعية والأسرية أ. يزن اللحام، فيرى أن ألعاب الفيديو والحاسوب باتت تستحوذ على عقول أطفالنا بسرعة هائلة في مجتمعاتنا العربية بوجه عام والمجتمع الفلسطيني بوجه خاص، فلا يكاد بيت في فلسطين يخلو منها، حتى إنها أصبحت جزءاً من غرفة الطفل، بل صار الآباء والأمهات يصطحبونها معهم أنى ذهبوا وأينما حلوا، الأمر الذي زاد الأطفال إدماناً دون أن يدرك الأبوان مخاطرها على الناحية الصحية والنفسية للطفل؛  فهي تؤثر في العين وتسبب لها الإجهاد، وتتسبب أيضاً باضطراب في أعضاء الجسم الأخرى نتيجة الشد العصبي، فتتأثر الأطراف وعضلات الوجه نتيجة لاستجابة الطفل العشوائية لحركات اللعبة، ثم إنها تؤثر على النوم الهادئ، وعلى الانتباه والذاكرة ونمو الدماغ.
وبين أ. اللحام أن للألعاب الإلكترونية تأثيراً على الناحية النفسية الاجتماعية وعلى نمو الطفل وتطوره، لأنها تؤدي إلى انعزاله ووحدته، وحب الذات والأنانية، والتفكير في إشباع حاجاته فقط، وهذا ما يدفعه لممارسة العنف والعدوان، وللسرقة أيضاً، بهدف اللعب مع الأصدقاء. وما يزيد الأمر تعقيداً غياب رقابة الأهل.
ولفت اللحام إلى وجود إيجابيات في الألعاب الرياضية الحركية لا تتوافر في الألعاب الإلكترونية، منها تشغيل الجسم والعقل في اللحظة ذاتها، بالإضافة إلى القدرة على مقارعة الآخرين. بينما تعتمد الألعاب الإلكترونية على التفكير المنطقي المبني على الخيال والعالم الافتراضي الذي يحاكي فيه الطفل واقعاً غير ملموس أو محسوس.
وأكد أن الألعاب الشعبية التقليدية تجمع بين تنمية المهارات الفكرية والجسدية، منوهاً بأن الطفل يحتاج حتماً إلى ممارسة الألعاب التقليدية؛ لأنها تكسبه صفات تربوية أساسية، مثل الرغبة في التحدي والمراوغة الواقعية.
وأشار إلى أن الألعاب الشعبية تخلق انسجاماً في صفوف اللاعبين؛ كونها تراعي أعمارهم وأجناسهم، موضحاً أن بعضها مخصصة للإناث وأخرى للذكور، ما يؤسس لميلاد صداقات وعلاقات حقيقية تؤجج الانفعالات الإنسانية.
 وأضاف: "الألعاب الشعبية لا تحتاج إلى معدات خاصة أو أدوات رياضية معقدة ولا إلى ملاعب أو مهارات زائدة كما هو الحال في كثير من الألعاب الإلكترونية، إنما تربي المهارات وتنميها لأنها بسيطة في فهمها وأدائها، وتحكمها قوانين سهلة غير معقدة، وتعتمد على سرعة البديهة". وأكد أن الألعاب الشعبية قليلة التكاليف مقارنة بالألعاب الإلكترونية التي يزيد انتشارها كلما تطورت التكنولوجيا، وتكلف الأهالي مزيداً من الأعباء المادية. 
ويخلص إلى القول: "الألعاب الإلكترونية تعبر عن حياتنا المعقدة، بخلاف الألعاب الشعبية السهلة المرحة التي تمنحنا فضاء رحباً ومساحة واسعة من الإبداع والتفكير السليم والثقة والشخصية التي لا تنكسر أمام العواصف والرياح".