جامعة القدس المفتوحة

"القدس المفتوحة" وفرت لها فرصة الانضمام إلى التعليم بعد (24) عاما... امتياز تعود إلى الحياة

نشر بتاريخ: 28-02-2015

اعتادت عائلتها في قرية النصارية بالأغوار الوسطى أن تطلق عليها "الدكتورة امتياز"، إنها طالبة "القدس المفتوحة" امتياز قرمش التي تقول إن الحياة عادت إليها بعد (24) عاما، كانت طوال تلك السنوات بعيدة عن العلم، قبل أن توفر لها "القدس المفتوحة" فرصة الانضمام إلى التعليم لتحقق حلمها.
بدأ الفصل الأول من فصول حياة امتياز بعد التحاقها بالمدرسة، كانت في تلك الأعوام تستمد طاقتها من شمس الأغوار اللافحة، وتشحذ عزيمتها من حكايات الجد الأمي المتسلح بالأمل حين يناديها (الدكتورة امتياز).
"كانت مرحلة ذهبية حظيتُ فيها بدعم الأهل والمدرسين، وأبدى الجميع إعجابا بحيويتي ونشاطي اللذين تحليتُ بهما وقاداني إلى التميز والتفوق، رأيت مستقبلي، أتطلع إلى أحلامي البريئة ككل الفتيات المتفوقات، بدأت أحلامي بالتحاقي بإحدى الجامعات بعيد الانتهاء من دراسة الثانوية العامة، وانتهت بارتدائي زي التخرج، إنها الخطوة الأولى على طريق حلم آخر حتى أكون إحدى الفتيات اللواتي يشكلن القدوة والمثل بالمساهمة في تطوير منطقة سكني" تقول امتياز.
بدأت مرحلة أخرى وفصل آخر لم يكن بحسبانها، فقد تزوجت امتياز في سن مبكرة، تقول: "بدت الحياة مختلفة بعد أن تحطم حلمي الذي لم أتوقع أن ألملمه يوما وأضحى بعيد المنال، بت أشعر أنني ضحية العادات والتقاليد، واضطررت للاستسلام وترك الدراسة كنتيجة أولى لهذا الزواج، فمن الصعب أو المستحيل إكمال تعليمي الجامعي حينئذ، وازدادت مسؤولياتي تعقيدا بعد إنجاب ابني البكر الذي  يعاني تخلفا عقليا، وتعاظمت الصعاب عندما وضعت ابني الآخر الذي يعاني ما يعانيه البكر، ثم رزقت بعدئذ طفلتين سليمتين".
امتياز ومع مرور الأيام والسنين بدا حلمها وكأنه الوهم، وباتت الهوة بين الواقع والحلم تتسع شيئا فشيئا، وظلت ابنة الأربعة والعشرين عاما تفكر بآلة تحملها وتقلها إلى واقع آخر تنجو به من قاتل الأحلام الوردية "الزواج المبكر"، تقول: "إن الحياة مليئة بالصعوبات ويعكر صفوها وضع مالي متردٍ، وبيت صغير يضيق بهمومنا، وأنَات ابني التي لا تفارق أذنيَ، وآلام وأمراض صرت أعانيها، كنت أتمنى أن يجد طفلاي الرعاية التي يستحقونها، أو أن أجد متخصصين يجيدون التعامل مع هذه الفئة من ذوي الاحتياجات الخاصة، لكن المؤسسات الفاعلة في هذا المجال غير متوفرة، والاحتياجات المادية لتغطية إقامة كاملة لهما باهظة الثمن".
ومع كل المتاعب والصعاب التي تعيشها امتياز إلا أن أملا كان يلوح بالأفق. امتياز اعتادت المشاركة في أنشطة مجتمعية مع نساء قريتها، فاستحوذت على إعجاب منظمي الورشات والندوات لبراعة أسلوبها في إثارة قضايا مجتمعها وقدرتها على التعبير عن احتياجات أهالي الأغوار. تعود إلى بيتها مثقلة بهموم مجتمعها وأسرتها، تقول: "مشاركاتي المجتمعية كانت كطوق نجاة وفرصة مهمة للتعبير عن همومي وهموم الآخرين، كانت فرصة حقيقية للتعبير عن الذات، كنا من خلالها نرى أحلامنا بمجتمع أكثر تطورا وحياة أقل تعقيدا وواقعا نجد فيه السعادة، لم أكن أعلم أن بإمكان عقارب الساعة أن تعود بي إلى أربعة وعشرين عاما خلت عندما سمعت صوت أحدهم ينصحني بالعودة إلى مقاعد الدراسة الجامعية ويتعهد مساندتي ماديا إلى أن أجتاز المرحلة، كدت لا أصدق ما سمعت، تلك الكلمات لامست حرماني مما حلمت به وصبوت إليه، كان الحديث عن العودة إلى الحياة أو التفكير فيها من المحرمات في ظل واقع معيش قاس".
امتياز وبعد تفكير سريع قررت العودة إلى التعليم الجامعي، ووجدت ضالتها في جامعة القدس المفتوحة، تقول امتياز التي التحقت بالجامعة بتخصص "تنمية المجتمع المحلي" إن هدفها الأول هو استكمال تعليمها الجامعي، وربما تعليمها العالي يوما ما.
امتياز وفور افتتاح تخصص "التربية الخاصة" تقول: "سارعت إلى تحويل تخصصي لألتحق بهذا التخصص(التربية الخاصة) الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بواقعي الذي أعيشه، فالتحاقي به جاء لإدراكي مدى حاجة مؤسساتنا له، وعلمي المسبق بما يعانيه ذوو الاحتياجات الخاصة وأهاليهم. التحقت بهذا البرنامج وكلي أمل أن أقدم يد العون لأبنائي أولا ولكل أصحاب الاحتياجات الخاصة وعائلاتهم".
وتابعت: "وفور التحاقي بالجامعة وجدت فيها من يساعدني ويساندني ويقدم لي يد العون، فالعاملون فيها شجعوني على إكمال المسيرة. وبرغم كل الانتقادات والصعوبات التي واجهتني، فقد شحذت منها كل عزيمة وإصرار. وأقدم شكري الجزيل لإدارة "فرع طوباس" والعاملين به لمساندتهم لي ولتفهمهم لما أمر به من ظروف، وأخص شكري لمن دعاني وساهم في عودتي إلى الحياة، مدير إحدى المؤسسات في المحافظة، فبفضلهم جميعا دبت الحياة في روحي، لأن العلم يسري في عروقي، وما تفوقي هذا إلا اشتياقي إلى العلم اشتياق أرض الأغوار إلى ماء السماء".
المتفوقة امتياز كررت قولها إنها لا ترغب بنشر تفاصيل حكايتها، ولكنها بعد تفكير عميق أدركت أن قصتها ستشكل عبرة ودرسا، فربما يدرك بعض الآباء أن الزواج المبكر يقتل أحلام الفتيات ويحرمهن من تحقيق أهدافهن.