جامعة القدس المفتوحة

انقلاب المفاهيم.. د. يوسف أبو مارية/ محاضر في جامعة القدس المفتوحة

نشر بتاريخ: 25-11-2014


 

المتتبع لما يجري في فلسطين اليوم من أحداث وصراعات وحروب، ابتداءً من الهجمة البربرية على قطاع غزة مرورا بغطرسة القوة وفرض الأمر الواقع على القدس تهويدا أواستنساخا لأوهام التاريخ، كذلك الاعتداء على الجغرافيا والتاريخ في الضفة الغربية، والإذلال للبشر والحجر وبث سموم الفكر الأسود من تمييز وعنصرية تجاه شعب مسالم لطالما حلم بامتلاك حريته يكتشف بسهولة ويسر كثافة الهجمة ومنهجيتها في السير بخطى سريعة ثابتة ومتلاحقة نحو استعباد شعب بأكمله وإلغاء الحرية الإنسانية للأفراد والجماعات وتدمير كل ما يمت للذاكرة من إشعاعات حضارية طالما كانت منارة للمعرفة منشأها هذه الأرض المباركة والشعب العظيم ساكنها بتاريخه وعطائه، بحيث باتت فلسطين وفقًا لهذه المنهجية العدوانية سجنًا كبيرًا ليس له مثيل في التاريخ، وأصبح القهر مفروضًا بالقوة وبنار السلاح بكل أنواعه وقذارته على شعب كامل تساوى فيه الغني والفقير،والكبير والصغير،والقائد والمقود.

 

 

والجريمة في رأيي ترجع بصورة أساسية إلى وقوع القادة اليهود تحت تأثير (الهيلوكست) طوال السنوات التي تلت الكارثة اليهودية، إذ تحول المقتول إلى قاتل، والمقهور إلى قاهر، والمجلود إلى جلاد، والنتيجة هنا (هيلوكست) جديد تجاه شعب ليس له علاقة أصلاً عن مظالم لليهود تاريخًا، فالأسلوب واحد والضحية مختلفة، ومما ساعد في تمرير هذه الجريمة الوحشية بحق شعبٍ كامل كان آمنا إلى حين وطال الأذى فيه كل شيء هو ما تملكه الدولة التي تصف نفسها

 

 

"باليهودية" من دعم لوجستي خارجي رافق وجودها من اليوم الأول الذي أنشأته دول الاستعمار سابقًا، وحاضرًا الدعم الأمريكي المتواصل، رافق ذلك قدرة كبيرة على توظيف رأس المال في امتلاك وسائل الدعاية والإعلام، وتجنيد قوة التكنولوجيا في خطابها التبريري لوجودها واحتلالها فلسطين، ساعدها في ذلك دعاية كاذبة وتزييف لحقائق التاريخ وحاضرًا ما يسمى بالحرب على الإرهاب، تلك الحرب الخرافية التي صنعتها وسائل الإعلام الصهيوأمريكية إنتاجًا وإخراجًا بعد الحادي عشر من أيلول لمحاولة تبرير الدور القديم الجديدوتسويغه لهذا الكيان في وجوده ووظيفته.

 

 

ومما يزيد من موضوعية الحديث هنا ضعف الصلة بينما يحدث في فلسطين من مقاومة وثورة عنوانها شعب لم يعد نفسيًا قادرًا على تحمل الاحتلال الذي يتناقض مع غرائزه التائقةللحرية بمقاومة تتناغم تمامًا مع كل القوانين والمواثيق الدولية التي تنص على حفظ كرامة الإنسان وحقه في مقاومة الاحتلال، وبين أحداث الإرهاب في العالم، حيث لا علاقة مباشرة أو غير مباشرة بما ارتبط بأحداث الحادي عشر أو إرهاب "داعش" و"النصرة" أو إرهاب الطوائف وغيرها من المسميات التي هي في الأساس صناعة صهيوأمريكية تمويلاً وتسليحًا إلا في عيون وعقول من زينوا الاحتلال واعتبروه نشرًا للسلم والعدالة، كما تحاول الدعاية الأمريكية واليهودية تصويرها.

 

 

وفقًا لما سبق من مقدمات، فإن الجريمة هنا تكمن في محاولة إيجاد رابط بين إشباع حاجات الشعب اليهودي بالحرية والسيادة، وجلب الرفاه والازدهار للشعب الأمريكي وبين ما أصبح مقرونًا اليوم-وبطريقة لا مثيل لها في التاريخ-بإعدام الحرية لشعوب أخرى كانت آمنة يوما ما، وأقصد هنا الفلسطينيين والعراقيين والسوريين. وبات سجنُ شعوب هذه المنطقة وتدميرُ بيوتهم بقاذفات (F16) وقتلُ أبنائهم وتدميرُ اقتصادهم وإنجازاتهم العلمية والحضارية وإغراقُ مدنهم بمئات القذائف الفتاكة وهدمُ مصانعهم وقتلُ علمائهم وتهجيرُ أبنائهم، هدفًا تجند له ماكينة الحرب المرعبة بكل إمكاناتها لتحقيق هدف واحد هو الأمن والحرية لأمريكا والدولة اليهودية.

 

 

إنها مفارقة عجيبة ساعدت، ولا تزال، على استمرار النظام السياسي والاجتماعي لهذه الدولة اليهودية رغم كل ما اختزلته بداخلها من قتل وعدوانية، لتبقيها متماسكة بصورتها الراهنة مع كثرة ما ارتبط بها وبزعمائها من أحداث دموية عبر تاريخ امتد ما يقارب القرن من الزمن، كان آخرها مذبحة غزة أمام أنظار دول العالم كله، وهي التي تغلف نفسها بعباءة التحضر والانتصار للحرية، ولا تزال سكينها عاملة.

 

 فالعدوانية والجنون وغياب العدالة الذي يعيشه عالمنا المعاصر وانعدام الأمل وقلب المفاهيم، كل ذلك هيأ المنطقة لانفجار كبير، وأصبحت الجغرافيا بساكنيها تعيش على حافة الانزلاق إلى جهنم، فشعوب المنطقة-وخاصة فلسطين-لم تعد قادرة على تحمل مزيد من القهر.