جامعة القدس المفتوحة

القدس تنتفض ... فهل من ناصر ومغيث؟ / أ. شبلي السويطي

نشر بتاريخ: 25-11-2014

للقدس أهمية خاصة بما تزخر به من إرث ديني وروحي وتاريخيي وحضاري عريق، ولما تحويه من معالم دينية وتاريخية وثقافية، ولما تمثله من ارتباط وثيق للأمة بعقيدتها وهويتها ووجدانها، وانفرادها عن غيرها من مدن العالم قاطبة بأنها مهد للديانات السماوية، إضافة لما تتمتع به من تنوع ثقافي وحضاري رغم صغر مساحتها، ما جعلها محط اهتمام محلي وإقليمي وعالمي، لا تضاهيها أي مدينة أخرى في هذا الكون، إضافة لما تمثله القدس للفلسطينيين كونها عاصمة الدولة الفلسطينية العتيدة، ولاحتوائها على مكونات الهوية الفلسطينية وموروثاته. وبعد احتلالها من قبل اسرائيل كانت وما زالت محورا للصراع العربي الإسرائيلي المستمر، لهذا فهي تكتسب شهرة عالمية لا تضاهيها أي مدينة في العالم.

سعت إسرائيل-ومنذ اليوم الأول لاحتلالها المدينة المقدسة عام1967 –إلى العمل على تهويدها من خلال خطط مبرمجة معدة بعناية. وبعد أن استكملت تهويد الشطر الغربي منها والذي سيطرت عليه بعد حرب عام1948 ، بدأت بنزع ارتباطها القوي والوثيق وعلاقتها العضوية مع محيطها وامتدادها الفلسطيني والعربي من خلال فرض حقائق ووقائع قسرية على الأرض، في مقدمتها قانون توحيد شطري المدينة تحت السيادة الإسرائيلية، وتطبيق مجموعة من القوانين الإسرائيلية عليها أكثرها خطورة قانون أملاك الغائبين، الذي من خلاله وضعت يدها على أملاك المقدسيين العرب النازحين عن المدينة بسبب الحرب وأسكنتها اليهود، ورافق ذلك إجراءات قانونية وإدارية واقتصادية واجتماعية أخرى لتكريس احتلالها وسيطرتها على المدينة، وإغلاقها لاحقا بجدار الفصل العنصري، والذي عزل أكثر من (40%) من المقدسيين خارج المدينة البالغ عددهم في منتصف العام 2013، حسب دائرة الإحصاء المركزي الفلسطيني، أكثر من أربعمائة ألف مواطن، منهم مائتان وخمسون ألفا في الأحياء المقدسية داخل الجدار في المنطقة المسماة ( j1 )، ومائة وخمسون ألفا في الأحياء والبلدات والقرى خارج الجدار في المنطقة المسماة ( j2 )، ما جعل مركز حياة المقدسيين خارج الجدار يتحول من القدس إلى الضواحي والمدن المجاورة مثل رام الله وبيت لحم وأريحا، بما يتناغم للأسف مع المخطط التهويدي الذي أطلقت عليه إسرائيل مخطط 20|20))، والقاضي في أحد بنوده باستكمال تهويد المدينة المقدسة من خلال مجموعة من الخطط، وقد بدأ العمل بهذا البند بداية الألفية الثالثة وينتهي ويُنجز عام 2020م، ثم استكملت إسرائيل بناء جدار الفصل والضم والتوسع الهادف إلى تخفيض عدد المقدسيين من (38%) من سكان المدينة إلى (8%) فقط، واستكمال إقامة المشاريع الاستيطانية التهويدية في أحياء المدينة كافة، كمشروع القطار الخفيف الذي استكمل وبدئ العمل به منذ أكثر من سنتين، وإقامة الفنادق والبنى التحتية التهويدية الهادفة إلى محاصرة القطاعات المختلفة في المدينة، خاصة القطاع السياحي العربي الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد في المدينة المقدسة، واستكمال إقامة الأحياء الاستيطانية التي تطوق الأحياء العربية وتعزلها عن بعضها في بؤر استيطانية داخل الأحياء العربية مثل سلوان ورأس العامود، وإخراج عدة أحياء مكتظة بالسكان المقدسيين إلى خارج الجدار يعيشون في كنتونات محاصرة ضمن أوضاع بائسة ومكتظة دون تقديم أدنى الخدمات المستحقة لهم كأحياء الرام، والعيزرية، والزعيم، وكفر عقب، ومخيم شعفاط، وعناتا، وغيرها، وتوفير بيئة خصبة في هذه المناطق لانتشار الظواهر السلبية الغريبة عن ديننا الحنيف وعن مجتمعنا وقيمنا وأعرافنا وأخلاقنا، نتيجة للفراغ الأمني المقصود كآفات المخدرات، والجريمة، والقتل، والسلاح غير النظيف، وتجارة البضائع الفاسدة، ومنتجات المستوطنات، وظاهرة الفلتان الأمني، وغيرها من الظواهر السلبية، ما هيأ لنتائج خطيرة تركت بصماتها على النسيج الاجتماعي والعائلي المقدسي. وبموازاة ذلك فقد ضمت بلدية القدس وصادرت مناطق واسعة من أراضي المواطنين في القدس ومن أراضي الضفة الغربية لمجال نفوذها، وأدخلت مدنا استيطانية مقامة على أراضي المواطنين المصادرة بأكملها ضمن نفوذها، بحيث أصبحت مساحة القدس الكبرى حوالي (10%) من مساحة الضفة الغربية، ما أخل بالتوازن الديمغرافي لصالح اليهود في المدينة، الأمر الذي أثر على الحركة الاقتصادية من ركود كبير نتيجة فك ارتباط اقتصاد المدينة عن اقتصاد الضفة الغربية وربطه بالاقتصاد الإسرائيلي، والخسائر الجسيمة لكل القطاعات والمقومات الحياتية في المدينة، والتي تكبدت خسائر قدرت بأكثر من (50%) من قوتها بسبب منع الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة من دخول القدس إلا بتصاريح مقيدة ومحددة، وبسبب السياسات التهويدية التي مورست بحق المقدسيين من فرض للضرائب الجائرة كضريبة "الأرنونا" وغيرها، والتي يجب أن تصرف وتنفق-وفق القانون الدولي-على مشاريع عامة تخدمهم لكن الواقع على الأرض يؤكد عدم تقديم الحد الأدنى من الخدمات المستحقة لهؤلاء السكان، ويؤكد أن ما تجبيه بلدية القدس من المقدسيين من ضرائب، ورسوم، ومخالفات، وغيرها، والذي يشكل أكثر من (38%) من ميزانيتها السنوية، تنفق منه (5%) فقط على الأحياء العربية، والباقي تنفقه على الأحياء اليهودية بهدف تنميتها وتطويرها وتمويل إقامة المستوطنات فيها. وكذلك فإن المواطن المقدسي مجبر أن يعيش بمستوى يوازي مستوى الإسرائيلي في القدس من حيث أسعار المواد الاستهلاكية، والمواصلات، والوقود، وأجرة البيوت، وغيرها من مقومات الحياة، دون أن يتلقى أي دعم حكومي يوازي ما يتلقاه الإسرائيلي من منح وإعفاءات تشجيعية للسكن في المدينة، علما أن متوسط الدخل السنوي للإسرائيلي في القدس يبلغ (30000) دولار، بينما لا يتعدى للمواطن المقدسي (8000) دولار، وأن الحد الأدنى للأجير الإسرائيلي (1150) دولارا، بينما هو للفلسطيني (380) دولارا فقط، إضافة إلى سياستها بهدم المنازل، وسحب الهويات، وعدم إصدار رخص البناء للعرب، وآخر هذه الاستهدافات هو نيتها بتقسيم المسجد الأقصى والمقدسات فضلا عما تمارسه من اقتحامات ينظمها غلاة المستوطنين لباحاته وأروقته ومنع المصلين من دخوله إلا في أوقات محددة، ولأعمار محددة، وجنس محدد وبشروط مجحفة مذلة لا يقبلها المقدسيون والموحدون الذين يؤمون المسجد الأقصى للصلاة والعبادة، وكل ذلك بهدف ترويض المقدسيين ثم العرب والمسلمين، وتقبل هذه التقسيمات مع مرور الزمن تمهيدا لفرض التهويد والتقسيمات فيه بمسمياتها كافة.
وفي سباق مع الزمن، تقوم إسرائيل في الآونة الأخيرة بحملة مسعورة لم يسبق لها مثيل، بهدف جر المدينة للاندماج القسري والكامل في النظام الإسرائيلي، ولتسويق مقولتها بأن القدس هي عاصمتها الموحدة والأبدية، وتعمل بوتيرة متسارعة لبسط سيطرتها على القطاعات والمكونات فيها، مستغلة الظروف المحلية والإقليمية، وانشغال الدول المحيطة بحروبها الداخلية، وتحول اهتمامات الدول الكبرى والمؤثرة لقضايا دولية وإقليمية أخرى، وتواطؤ بعضها بشكل سافر مع إسرائيل في سبيل تحقيق مخططاتها، إضافة إلى ما يلوح في الأفق من إعادة وضع خريطة جديدة للمنطقة بأكملها من خلال خطة محدثة لسايكس بيكو2) )، بالتعاون والتواطؤ مع بعض القوى المحلية والإقليمية، واستنساخ فكرة "بلقنة" المنطقة بتفتيت المفتت وتجزئة المجزأ، وإحياء النعرات والمذاهب والإثنيات بين شعوب المنطقة خدمة لتمرير مخططاتها، وكل ذلك بالمحصلة يصب في مصلحة إسرائيل ويخدم تطلعاتها بجعلها قوة إقليمية لا منازع لها في المنطقة على الإطلاق، ما هيأ لها فرصة تاريخية لا تعوض بإنهاء قضية القدس بشكل خاص والقضية الفلسطينية بشكل عام، ومن جانب واحد وفق رؤيتها وما يحقق أهدافها وأطماعها .
فمدينة القدس-ضمن هذه المعادلة المفصلية والمصيرية الصعبة، والاستهداف الإسرائيلي المباشر بإمكاناتها الضخمة لكل مكونات المدينة ومقدراتها، وفي ظل الغياب والصمت والحياد الرسمي الفلسطيني والعربي والإسلامي المريب-تقف وحيدة بصدور أبنائها العارية أمام هذا الصلف والاستهداف غير المسبوق، وأمام هذه المخططات التهويدية المتسارعة المدعومة ماليا وإداريا وقانونيا ولوجستيا، والتي تحتاج وبشكل سريع طارئ إلى تضافر الجهود محليا من الجهات الرسمية الفلسطينية ضمن إرادة سياسية حقيقية وأولوية وطنية عليا كي تقوم بالواجبات المنوطة بها من خلال مشروع طارئ لإنقاذ مقوماتها ومكوناتها، ورصد الميزانيات لمؤسساتها المعطلة وغير الفاعلة حاليا، واعتبار القدس منطقة منكوبة كي تحظى بالأولوية الوطنية وبالدعم بعيدا عن البيروقراطية، وهذا هو المحك الحقيقي والاختبار لصدق النوايا والتوجهات. أما خارجيا، فمن العرب والمسلمين الذين خذلوا المقدسيين بوجه خاص والفلسطينيين بعامة ولم يدعموا القضية الفلسطينية إلا بالثرثرة عبر وسائل الإعلام وبما يخدم معادلاتهم الداخلية مع شعوبهم، ووقوفهم متفرجين أمام ما يحاك للقدس والمقدسات التي تمس كرامتهم-إن بقيت لهم ذرة من كرامة-والتي تهمهم كونها مرتبطة بعقيدتهم ودينهم كمكة والمدينة المنورة. فالقدس ضمن هذه المعادلة الصعبة تحتاج إلى دعم مقوماتها بما يثبت المواطنين في مدينتهم من خلال التركيز على بعض الأولويات الملحة والطارئة، كدعم إقامة مشاريع الإسكان فيها لتلبية صمود الفلسطينيين بإيجاد مساكن للذين رمى بهم الجدار خارج حدود المدينة وهم الآن مهددون بفقدان حقهم في الإقامة والرباط للحفاظ على التوازن الديمغرافي للعرب في القدس، وكذلك لمواجهة الزيادة الطبيعية للسكان واحتياجات الأزواج الشابة، وللوقوف أمام سياسة إسرائيل القاضية بتهجير سكانها باتجاه الضواحي (كفر عقب، والرام، والعيزرية، والزعيم، وعناتا، وغيرها)، ومصادرة ممتلكاتهم وأراضيهم من خلال ممارساتها وأطماعها على الأرض، وسحبها الهويات وتدمير البيوت ويساعد في ذلك محدودية البيوت والشقق وارتفاع أجرتها، في ظل عدم السماح للمقدسيين بالبناء إلا ضمن شروط مجحفة وتكاليف لا يستطيع المقدسي تحملها، مع ضرورة دعم مشاريع اقتصادية وتجارية إنتاجية ضمن طرق إبداعية تتجاوز معيقات الاحتلال توضع على رأس الأولويات، تعمل على تشغيل الأيدي العاملة في القدس للتخفيف من نسبة البطالة والفقر بين المقدسيين، واعتماد قسم كبير منهم على معونات البطالة وضمان الدخل والعجز وغيرها من المخصصات والمساعدات التي تقدمها مؤسسة التأمين الوطني وغيرها من المؤسسات الإسرائيلية، وهذا يتطلب وجود مرجعيات مقدسية حقيقية فاعلة على الأرض ومتفق عليها تمثل إجماعا لدى المقدسيين، لا تهمها المناصب المفرغة من مضمونها، وذلك لتتمكن من تلبية احتياجات المقدسيين المنكوبين بحيث يكون همها  الأول والأخير إنقاذ القدس، وتغييب المصالح الفئوية والتنظيمية والشخصية أمام المصلحة العليا، ويوجهون البوصلة نحو القدس والمقدسات وحمايتها من التقسيم والضياع في هذه الفترة المفصلية الحرجة من تاريخ قضيتنا المركزية التي تتقاذفها الأمواج العاتية من كل حدب وصوب .
فالمقدسيون اليوم تركوا السياسيين خلف ظهورهم بعد أن تخلوا عنهم، وتخلى عنهم القريب والبعيد، ذلك لأنهم لم يقدموا لهم شيئا يذكر، وتُركوا في الساحة وحيدين يواجهون ممارسات الاحتلال وجبروته وسياسة العقاب الجماعي بصدورهم العارية على مرأى العالم ومسمعه، ونراهم قد عقدوا العزم على نسف كل ما حققه الاحتلال من تهويد للمدينة ومقدساتها، وجعله في مهب الريح بمقاومة إجراءات الاحتلال في تغيير واقع مدينتهم، وإعادتها لتاريخها العريق من خلال وحدة حقيقية تتجلى بأبهى صورها على الأرض، بعيدا عن كل انقسام، تجمعهم عدالة القضية التي من أجلها يناضلون، بعد أن تخلى عنهم العرب والمسلمون الذين وعدوهم بالدعم والمساندة مرات ومرات ولدغوا من الجحر ذاته مرارا، بعد أن صرحوا في مؤتمراتهم وقممهم بمواجهة مخططات التهويد والتهجير والبطش المبرمج الذي تمارسه إسرائيل بحق القدس والمقدسات، وبعد انكشاف المستور وترك المقدسيين وحيدين. لذا فقد وجد المقدسيون طريقهم وضالتهم، وباتوا يدركون ضمن قناعة تامة أنه "لا يحك الجسم سوى ظفره"، وأنه "لا يحرث الأرض إلا عجولها"، وأن من يركن إلى النظام الرسمي العربي المهترئ والشعبي منه كمن يركن إلى سراب أو حائط آيل للسقوط، لذلك باتوا يدركون الآن أنهم رأس الحربة ويمثلون شرف الأمة ويملكون وحدهم زمام المبادرة بالذود عن أنفسهم وأقصاهم ومقدساتهم، وأنهم وحدهم يملكون تغيير خارطة المنطقة ومفاتيح الحرب والسلام في زمن قتل فيه السلام.