جامعة القدس المفتوحة

رؤية في الإستراتيجية الوطنية لجسر الفجوة بين الواقع العلمي وسوق العمل / م. سعادة الشلبي

نشر بتاريخ: 10-08-2014

كان ضياع فلسطين، وما ترتَّب عليه من تهجير، وفقدان للوطن والأرض دافعًا ضروريًّا للتسلّح بالعلم وسيلةً للبقاء، والصمود. فكان أن نال الشعب الفلسطيني أسبقيّة ملحوظة بين الشعوب العربية في التعلُّم، والتعليم الذي لم يقتصر على الفلسطينيين، بل أسهم المعلمون الفلسطينيون في المسيرة التعليمية في بلدان عربية مكّنتهم من ذلك، ورحَّبت بدورهم.
لكن التعلُّم والتعليم ليس أمرًا معزولاً عن السياق الاجتماعي السياسي والاقتصادي؛ وما كان له أن يقوى وحدَه على إيقاف مضاعفات الاحتلال، من استيطان وتهويد، وقضم للأرض، وتضييق على فرص العيش اليومية، وعلى آمال الفلسطينيين السياسية وتطلعاتهم الوطنية، فالصحيح أنه لا التعليم ولا غيره من أشكال التنمية، بقادر على تجاهل الاحتلال، وإجهاضاته المادية المتعمَّدة، وإحباطاته المُبيتة.
فالتعليم في فلسطين له خصوصية تنبع من التحدي الأكبر الذي يواجهه شعبُها، وهو الاحتلال الذي لا يقتصر على الماديِّ، بل يتعدى ذلك، ويتوسل إليه، بإضعاف مقومات الصمود، وعوامل الاعتزاز الفلسطيني، ومن أهمها التعليم الذي يستهدف بناءَ الإنسان، في حين يسعى الاحتلال إلى تدميره.
وتُشتق الأهدافُ التعليمية من الإستراتيجية العامة للتعليم، وهي التي تتوخى إنشاء جيل فلسطيني معتزٍّ بهُويته الفلسطينية، ومدركٍ عمقَه العربي والإسلامي والإنساني.
ومن أهم أهداف وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطيني، بحسب الخطة الإستراتيجية للأعوام 2010- 2013م: "الوصول إلى تعليم عالٍ متيسر (مفتوح لجميع الأفراد أكاديميًّا بغض النظر عن مستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية وجنسيتهم ومكان إقامتهم وإعاقتهم) ومتعدد (برامج وتخصصات في معظم مجالات العلوم والمعرفة، ضمن مؤسسات حكومية وعامة وخاصة تمنح شهادات علمية للمستويات المختلفة كافة، ومتنوع (أنماط تعليم متعددة) ومستدام (مغطى ماليًّا من مصادر مالية متنوعة) ومرن (قادر على التكيف بسرعة مع الاحتياجات والظروف المتغيرة) وخادم ورافد (يلبي حاجات المجتمع والسوق المحلي والإقليمي) ومتميز (بيئة بحث علمي وإبداع وابتكار) وليكن قاطرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
لكن واقع التعليم لا يستجيب لهذه الطموحات النظرية، إلا استجابات يشوبها الارتباك والتعثر، وأحيانا التناقض والتضارب، ومع حفاظه على هذه السمات الأساسية، إلا أنه يتأثر بالسيرورة التاريخية للقضية الفلسطينية، وهنا شِقّان مهمان: شِقٌّ ماديٌّ يشغل مركزَه الاحتلالُ وآثارُه، وشقٌّ معنوي غير بعيد عن الاحتلال، كذلك.
وقبل أن نخوض في الحالة الفلسطينية الخاصة قد نحتاج إلى تأكيد المشتركات التي يعاني منها التعليم بصفة عامة، والتنويه إلى جودة مُخرجاته، وتمتعها بالتطور والإبداع، وَفْق احتياجات الحياة والسوق، ومدى قدرته على تحسين حياة المتعلم ماديًّا ومعنويًّا.
فالنجاحات الحقيقية في التعليم لا تكون ببناء المدارس والتوسع فيها، ولا بتزويدها بالوسائل والأساليب الحديثة، ولا بتوفير البيئة التعليمية المناسبة، ولا بتنوع التعليم، وتواصُله من مرحلة ما قبل المدرسة، إلى الجامعة والتعليم العالي، ولا بضمان التمويل الكافي والدائم والمتنوع له، فحسب، وإنما هذه الأمور وغيرها إنما هي وسائل ضرورية من أجل خلق مخرجات تعليمية ناجعة. 

الحداثة والهُويَّة
عرفت فلسطين شخصيات علمية وتربوية تركت بصماتِها في التعليم والثقافة، من أبرزهم  محمد إسعاف النشاشيبي (1885- 1948م) وخليل السكاكيني (1878- 1953م)، وإسحاق موسى الحسيني (1904- 1990م).
ولعل السكاكيني يكون من أبْعِد هؤلاء أثرا في التجديد التعليمي، إذ كانت له آراء تربوية ومنطلقات، في مركزها ضرورة اعتبارِ المدرسةِ التلميذَ كائنًا إنسانيًا جديرًا بالاحترام، وأن تعزِّز إحساسه بكرامته، وأن تمكِّنه من أن يكون له رأيُه الحر، فمنعت مدرسةُ السكاكيني التربوية العقابَ البدنيَّ الذي يهدر كرامة التلاميذ والطلاب، ويمتهن عقولهم، ورفضت المناهج التلقينية التي تبلِّد الذهن وترهقه، وشجعت المطالعة الحرة وقراءة الكتب والتزوُّد بشتى الأفكار، واصطفاء الأصلح منها، والأكثر قدرة على إغناء العالم الروحي للإنسان.
ومن حيث الهُوية تتحدَّد سماتُ التعليم، في المناهج والمنطلقات برؤية منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية التي ترتكز إلى "الوطنية الفلسطينية" والمحدِّدات السياسية والأطر الدولية التعليمية، ولذلك تجد بعضَ الاتجاهات في المجتمع الفلسطيني ما تعترض عليه من مضامين في المقررات الدراسية، أو في الكتب الرّديفة، أو في النشاطات اللامنهجية، ومن ذلك اعتراضات على بعض الأفكار "المدنيّة" في الكتب المدرسية من بعض التيارات الدينية الإسلامية، وكذلك خلافٌ نشب حول كتاب "قُولْ يا طِير" وهو كتاب يحوي قصصا تراثية شعبية سحبته وزارةُ التربية والتعليم في عهد حكومة الوحدة مع "حماس" من مكتبات المدارس؛ لأنها رأته مشتملا على ما لا يليق أخلاقيا.
إلا أن عامة الناس لا تجد في المضامين التعليمية وما يرافقها سببا للاحتجاج، أو الاعتراض. 

معيقاتُ الاحتلال
الاحتلال بحدِّ ذاته من أكبر العوامل المعيقة للتعليم في فلسطين، حتى لو لم يتعمَّد سياساتِه المشهورةَ من إغلاق المدارس والجامعات واعتقال الطلبة والمدرسين في كليهما، وغلق الطرق، ومنع الوصول إلى المؤسسات التعليمية، وغير ذلك، ما ينعكس سلبًا وإحباطا على المعلم والمتعلم، ويعمل، لولا النضال الفلسطيني المتعدد الأشكال، على هزّ ثقة التلاميذ والطلاب بالنماذج، وأهمُّها الوالدُ والمعلم.
ومثالا على عقبة الاحتلال العنيدة، في مقابل التصميم الفلسطيني الأكيد على استمرار العملية التعليمية وبلوغها كل الفلسطينيين، نَذْكُر دورَ جامعة القدس المفتوحة التي استوعبت الطلاب غير القادرين على الانتظام الملزم؛ فأسهمت في توسيع دائرة الخريجين في عدد من التخصصات الإنسانية والتربوية، ولكنها اصطدمت بمحددات الاحتلال حين حاولت شَمْلَ الأسرى في سجون الاحتلال، وكانت سمحت، منذ نشأتها، للأسرى بالانتساب إليها، لكن إدارة السجون منعت ذلك كليا، واكتفت الجامعة بإدخال مقرراتها للسجون من خلال الصليب الأحمر الدولي؛ لتسهم في تثقيف الأسرى.

الانفاقُ على التَّعليم
قد يكون العامل الماديُّ من أبرز تجليات الاحتلال المادية، حيث تعاني السلطة الفلسطينية والفلسطينيون أزمةً مالية بنيوية، ومع ذلك يستمر القطاع التعليمي في النهوض على قدميه، ماليا، وذلك بفضل تنوع مصادر التمويل، وتسهم وزارة التربية والتعليم العالي بقدر ملحوظ من هذا التمويل والرعاية للطلبة، ولا سيما في مرحلة التعليم الجامعي. ففي تصريحات أخيرة لوزير التربية والتعليم الدكتور علي زيدان، أكَّد حرصَ الجامعات على تقديم خدماتها التعليمية بأقلِّ كُلْفة على الطالب، حتى إن الرسوم الدراسية لا تغطي في بعض الجامعات 75% من المصاريف التشغيلية للجامعة. ونوه بالدعم السنوي الحكومي المقدَّم للجامعات، معرِّجا على "صندوق إقراض الطلبة" الذي يستفيد منه سنويًّا 45 ألف طالب وطالبة بمبالغ تتراوح بين 10- 20 مليون دولار سنويا.
لكن الإنفاق الحكومي العام على  المدارس يبقى أقلَّ من اللازم، إذ يعاني المعلمون، من أزمة السلطة المالية، ويشعر المعلمون بنوع من الإجحاف؛ ما يؤثر، سلبا على مكانة المعلم ورضاه الوظيفي، وينعكس دون قصد، على فعاليته وأدائه.
وينتقد خبراء اقتصاديون الحكومة الفلسطينية؛ لأنها لا تولي قطاعَ التعليم في موازنة 2013 الأهمية الكافية، في حين تحابي قطاع الأمن على القطاعات الأخرى. فالمبالغ المالية المخصصة لوزارة التربية والتعليم تعادل (600 مليون دولار) تقريبا. علما أن ميزانية التعليم العام تمثل 18% من إجمالي السلطة الفلسطينية، تصرف 88% منها للرواتب والأجور. وأما الإنفاق على البحث العلمي فلا يتجاوز 2,.% من الميزانية العامة. وقُدِّر في السنوات الأخيرة بـ 80 مليون دولار، وهو مبلغ متواضع جدا.
هذا الإنفاق المتواضع على التعليم في فلسطين لا يقارن، بالمرَّة، مع الموازنة التي تخصصها إسرائيل للتعليم بإنفاقها ما يصل إلى 8.3% من الموازنة، ويصل نصيب البحث العلمي عندها في بعض الأحيان 5.3 مليار دولار سنويًا.
وفي جزئية الإنفاق ثمة مظهر لا تعوزه الخطورة، يتمثل في التناقض؛ نتيجة برامج الجهات المانحة، وذلك عندما يضع الممولون أولوياتِهم الخاصة في رأس اهتماماتهم، وهذه ليست بالضرورة من أولويات التربية والتعليم؛مما يشكّل إرباكاً في البرامج التطويرية المرتبطة بالخطة السنوية والخمسية.

المستوى التعليميُّ بالمقارنةِ بالدولِ العربيّة
تحظى فلسطين بمكانة تعليمية متقدمة، وتُعدُّ النسبة الوطنية الفلسطينية للتعليم في الضفة الغربية وقطاع غزة عاليةً بالمقاييس العالمية والإقليمية، وتعتبر من أعلى النسب في العالم العربي (المرتبة الثانية حسب التصنيف العالمي)، حيث بلغت هذه النسبة في السنوات الأخيرة 91,2%، في حين أن نسبة التعليم بين كلا الجنسين (ما بين عمري 15-24) قد بلغت 98,2%. مع وجود مشاكل التسرب من المدارس وعمالة الأطفال. 
ومع الانتباه إلى بعض الضعف في التحصيل العلمي في بعض المواد، إذ بينت نتائجُ اختبارات القدرة في مادتي الرياضيات واللغة العربية في المرحلة الأساسية التي شاركت فيها وزارة التربية والتعليم العالي، ضمن برنامج دولي إلى أن مستويات تحصيل طلبة فلسطين متدنية، مقارنة مع الدول الأخرى المشاركة.
ولكن في الإجمال ثمة توسُّع ملحوظ في التعليم، وزيادة في عدد المدارس، بمجيء السلطة الفلسطينية. وفي تقرير إحصائي حول أهداف الألفية الإنمائية الصادر عن مركز الإحصاء الفلسطيني عام 2009 أشار إلى إنجازات قطاع التعليم وارتفاع معدلات التعليم في المرحلة الأساسية، حيث قفز قفزة نوعية منذ عام 1994 لغاية 2005 ليصل إلى 97.7% .
وقد أدى انتشار المدارس في مختلف المناطق إلى زيادة كبيرة في التحاق الإناث بالتعليم، وتقليل معدلات تسربهن. وشهدت أيضا مؤسسات التعليم العالي إقبالا كبيرا من قبل الإناث، حيث أصبحت أعداد الإناث تفوق أعداد الذكور فيها. 
وأحيانا تلعب الظروف الصعبة دورًا إيجابيًّا، وتغدو تلك المعاناةُ سببا للتحدي والتفوق، فقد بلغت نسبة الأمية للاجئين الفلسطينيين خلال عام 2012 للأفراد 15 سنة فأكثر 3.7% في حين بلغت لغير اللاجئين 4.3%. كما ارتفعت نسبة اللاجئين الفلسطينيين الحاصلين على درجة البكالوريوس، إذ بلغت 12.5% من مجمل اللاجئين، في حين بلغت لغير اللاجئين 11.3%. 
وهذا يعكس تبجيلَ الأسرةِ الفلسطينية للتعليم، حتى الأسرة الفقيرة، والشديدة الفقر؛ لقيمته المعنوية التربوية، وللتعويل عليه في استنقاذها من الفقر. 

 بِطالةُ المتعلِّمين
ولعل أهم الصعوبات التي تواجه الخرّيجين والمؤهلين علميا هو عثورهم على عمل يناسب تخصصاتهم العلمية؛ نظرا لانحصار السوق الفلسطينية؛ بسبب الاحتلال. ولا يقوى النظام التعليمي على مجابهة هذا التحدي العملي؛ لارتباط ذلك بالواقع السياسي لفلسطين المحتلة، ولبعض الأسباب الاقتصادية العالمية، فضلاً عن كون النظم التعليمية، بطبيعتها، تستجيب ببطء شديد لتحقيق التلاؤم بين ظروفها الداخلية وبين التغيرات والاحتياجات الجديدة خارجها في البيئة.
وهذا الواقع السلبي يتسرب، بلا شك، إلى الأجيال الصاعدة التي يضعف تعويلُها على التعليم في تحسين ظروف الحياة؛ فتنخفض الدافعيةُ للتعلُّم.

عضو هيئة تدريس في فرع قلقيلية