جامعة القدس المفتوحة

رؤية في الإستراتيجية الوطنية لجسر الفجوة بين الواقع العلمي وسوق العمل/ م. سعادة الشلبي

نشر بتاريخ: 10-08-2014

البطالة وانحسار فرص العمل أمام الخريجين تعتبر من أكبر التحديات التي تواجه قطاع التعليم العالي، وتضع علامات استفهام كبيرة أمام الجهات المسؤولة وصانعة القرار نظرا لازديادها عاما بعد عام، ومن خلال حضوري للعديد من الندوات وورشات العمل والمؤتمرات محليا وإقليميا، وما أشاهده من معاناة لأبنائنا الطلبة الذين لا تكاد ترتسم البسمة على وجوههم بعد التخرج وحصولهم على الدرجة الجامعية الأولى أو الثانية (بكالوريوس أو ماجستير)، حتى تبدأ معالم البؤس والاحباط تحوم حول هاماتهم حيث تبدأ رحلتهم في مواجهة التحدي الأكبر وهو الخوض في سوق العمل وتكريس العلم الذي اجتهد بالحصول عليه خلال سنوات جامعية مضت  ليؤسس لنفسه وعائلته مستوى لائقا من الحياة الكريمة، وذلك من خلال فرصة عمل طموحة.
يستطيع الكثير من الزملاء الإداريين في المؤسسات الفلسطينية التحدث وبإسهاب عن العدد الكبير من الخريجين في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وهي شريحة كما يعلم الجميع غالبا تمثل الصفوة والنخب من العقول التي تحصل على معدلات مرتفعة في شهادة الثانوية العامة. كما أن كلفة الساعة المعتمدة لهذه التخصصات غالبا ما تكون مرتفعة قياسا مع كلفة الساعة في تخصصات أخرى في مجال العلوم الانسانية مثلا، حيث يقوم العديد من هؤلاء الخريجين بالبدء وحال تخرجهم بتوزيع العديد من ملفات السيرة الذاتية لهم أملا في الحصول على وظيفة له تساعده على رد القليل من المدد الذي تلقاه من والديه خلال سنوات الدراسة الجامعية. هنالك نقطة مهمة تخص هذه التخصصات دون غيرها وهي ضرورة مواكبة التطور الحاصل في هذا القطاع، وهو الأمر الذي يتعذر حصوله إذا لم يحصل الخريج على موطئ قدم له وسط هذا الزحام الشديد في هذا القطاع.
بالطبع إنني أنطلق بهذه البداية وما يكتنفها من مشاعر والتي قد لا يكون الوقت ملائما لسرد العديد من النماذج المؤلمة فيها، آملا أن يكون ذلك دافعا لبعض الجهات إلى تبني مقترحين أحدهما يختص بتنظيم المهنة محليا، والآخر في مجال التدريب والتأهيل، وهو ما سأبدأ به وسآتي على ذكره ووضع الخطوط العريضة له، والذي أدعي من خلال خبرتي العملية المتواضعة واطلاعي في قطاع ICT  خلال فترة طويلة أنها ستسهم بشكل فاعل في تخفيف معاناة الخريجين في هذا القطاع، وستشكل نموذجا في عالم التدريب المميز.
تشير إحصائيات وزارة التربية والتعليم الفلسطينية إلى أن أعداد الخريجين في الجامعات الفلسطينية ضمن تخصصات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المختلفة بلغ في العام الدراسي 2012/2013 نحو 10873 خريجاً، الأمر الذي يتطلب إلقاء الضوء على هذا التضخم المتنامي في عدد الخريجين في هذا القطاع والذين لا تتجاوز فرصهم في الحصول على وظائف في مجال تعليمهم على أكثر من 50% في أفضل الظروف ما يستدعي البحث عن سياسات حكيمة تساعد في تخفيف البطالة من جهة وتنظيم مهنة أصحاب تخصصات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بالشكل الذي يراعي هذه الزيادة المطردة في أعداد الخريجين. 
ويعلم كافة المختصين أن خريجي هذا القطاع يحصلون على علم نظري، يرفع من درجة معرفتهم ويوسع إدراكهم ويمنحهم ملكة التفكير المنطقي والعلمي في معالجتهم للأمور وتبقى هنالك فجوة كبيرة بين هذا وسوق العمل الذي تسود فيه انظمة وتكنولوجيا متباينة. 
خلال سنوات مضت، تم حصر العديد من الأنظمة والتطبيقات المستخدمة في كافة أرجاء الوطن وهي ذات التطبيقات المستخدمة في كثير من دول العالم وتهيمن على التطبيقات المستخدمة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على الأقل في البعد التجاري، وعليه وبعد سنوات طويلة من العمل استطعنا في مركز تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في جامعة القدس المفتوحة أن نؤسس كادرا مختصا ومؤهلا للإلمام بهذه الأنظمة واكتساب الخبرة اللازمة ليس بهدف التدريب في حد ذاته ولكن بهدف تنفيذ أنظمة وتقديم الدعم الفني اللازم لها خدمة للقطاعات المختلفة التي تمت حوسبتها في الجامعة، لقد لاحظنا خلال هذه الفترة أن سوق العمل تفتقد إلى المختصين المهرة في هذا المجال، وأن كافة  الخبرات المتوفرة تحصل على المعرفة إما من خلال مجهود شخصي او تدريب سطحي لا يخضع للأُصول ومعايير التدريب المعروفة في مراكز التدريب الدولية والمتخصصة، وعليه فقد تم اتخاذ خطوة جريئة في الجامعة بتطوير قسم تدريب مبني على معايير خاصة يستطيع تأهيل كوادر قادرة على امتلاك مهارات علمية في مجالICT  تمكنهم من اختراق سوق العمل والمنافسة على قدم المساواة مع الخريجين من أي دولة وحتى منافسة  أهل الخبرة في هذا المجال.
وعملاً نحو الارتقاء بتقديم خدمات تدريبية ضمن أفضل المعايير المتبعة دولياً، قامت الجامعة بإيفاد العديد من الزملاء لكبرى الشركات العالمية العاملة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات للحصول على تدريب متقدم ومتخصص في مجالات شتى أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ( Oracle DB, Red hat Linux, JAVA, Adobe, Microsoft, ……)، أن توفر هذه الخبرات المحلية والحاجة الملحة نحو توفير أفضل أساليب ومعايير التدريب المتبعة عالمياً، سعى مركز تكنولوجيا المعلومات والاتصالات خلال السنوات العشر الماضية نحو الحصول على العديد من التراخيص الدولية لإنشاء مراكز تدريب وامتحانات دولية مرخصة من قبل العديد من الشركات الرائدة في مجالات التدريب والشهادات الدولية حول العالم، كشركة ريدهات، وشركة مايكروسوفت، وشركة بيرسون فيو، وبروماتريك، واشتركت الجامعة في العديد من المبادرات التكنولوجية العالمية كبرنامج مايكروسوفت أكاديمي، وأوراكل أكاديمي وحصلت على العديد من الامتيازات الخاصة بفلسطين كتأسيس شراكة مع المشغل المعتمد للشهادة الدولية لقيادة الحاسوب في الوطن العربي، وكذلك شركة سيرتيبورت العالمية.  
يضاف إلى ما ذكر أعلاه من الاعتمادات، اعتماد الأصول المهنية الصحيحة في التدريب من حيث: جودة التدريب والاعتماد على مدربين مهرة وحاصلين على شهادات تدريب دولية من قبل الشركات الأم في مجال الاختصاص وذوي خبرات عملية مميزة، واستخدام المواد الأصلية لمقررات الدورات وتجهيزات حديثة ومتقدمة وفقا لاصول التدريب الصحيحة، ولا ننسى أنه قد لا تكون للتدريب قيمة إذا لم يؤهل الخريج أيضا لبناء شخصيته بما يتوافق مع سوق العمل وأن يكون قادرا على تقديم نفسه بصورة مقنعة للوظائف التي يتقدم لها، وهذا جزء أساسي من عملية التدريب.
وبالرغم من محدودية السوق الفلسطينية القادرة على استيعاب هذه الأعداد محليا، إلا أن التطور الكبير الحاصل في قطاع الاتصالات، وأخص بذلك الوفرة العالية لخدمات الانترنت في معظم أرجاء فلسطين، تزيد من من فرص هؤلاء الخريجين المدربين في الالتحاق والعمل مع شركات ومؤسسات إقليمية ودولية من خلال شبكة الإنترنت، حيث لم يعد من الضروري الوجود الفيزيائي للمختص في موقع العمل، وبإمكانه تطوير بعض الخدمات وتسليمها لمن يتعاقد معه من خلال شبكة الإنترنت بنفس المستوى الذي أصبحت فيه الإمكانية لتنفيذ لقاء تدريبي افتراضي عبر شبكة الإنترنت وخدمات الفيديوكونفرنس، الأمر الذي يخفف فيه من المصاريف المادية التي يتطلبها السفر والترحال.
طبعا لا أدعي بمقالي هذا أنني أكتشف شيئا جديدا، فهنالك عشرات المبادرات التدريبية في هذا المجال لكني بالتأكيد اعتقد أنني أضيف شيئا جديدا عندما أدعو أيًّا من المؤسسات الرسمية للتعامل مع الخريجين من كافة التخصصات ذات العلاقة في قطاع ICT بسياسة فتح فرص التدريب المتكافئ المدعوم من قبل واضعي سياسة التكنولوجيا والمعلوماتية في الوطن، خاصةً أن الدورات المتقدمة في هذا المجال وتقديم الامتحانات الرسمية لها للحصول على الاعتمادات الدولية مكلفة جدّا وليست في متناول الجميع، وأن يتوفر في آليات التدريب المذكور شرطان أساسيان (الاستمرارية بحيث يعقد سنويا أو فصليا، وكذلك شموليته لجميع الخريجين من الجامعات الفلسطينية كافة وعلى قدم المساواة)، هذا إضافة إلى مجانية التدريب، وهذا يمكن أن يتم من خلال اتجاهات عدة مثل تخصيص جزء من موازنة الحكومة الفلسطينية لدعم قطاع التدريب وتتولى الاشراف عليه إحدى الوزارات المختصة، والتنسيق لذلك من خلال توفير الدعم المالي من جهات غير أو من خلال الموازنات التي تقدمها بعض الهيئات والشركات المحلية تحت باب المسؤولية المجتمعية.
قد يسأل البعض ما الذي يدفع إلى تخصيص هذه الموازنات لخدمة التدريب في قطاع ICT بصورة مميزة عن غيره؟ أعتقد أن الدافع الوحيد لذلك نابع من قناعة لدى قطاع واسع أننا نعيش في عصر ثورة المعلومات وأن أحد عناصر ومقومات هذه الثورة العقول المختصة في هذا العلم، وأن هذه الثورة لا يمكن تجاهلها لأنك إن فعلت ستكون خارج إطار الزمن الذي تعيش فيه الأمر، الذي سيلقي بظلاله عليك في كافة مناحي الحياة (اقتصاد، وسياسة، وتعليم، وصحة.. إلخ). سيكون هذا النسق من التدريب والتأهيل لسوق العمل في قطاع ICT أول تجربة تجمع خريجي الجامعات كافة في فلسطين للالتقاء وتبادل الخبرات والثقافات في بيئة محفزة وواعدة، كما أن هذا سيؤسس لرفد الاقتصاد الفلسطيني بخبرات فنية مميزة ولتقوية صناعة المعلوماتية في فلسطين لتشكل مصدرا رئيسيا للدخل في فلسطين، حيث لا تتوفر مصادر دخل تتمتع بالقوة والديمومة لتشكل إحدى ركائز الاقتصاد الفلسطيني المتعثر الذي لا يزال يعتمد وبشكل كبير على الدعم الدولي الخارجي.
أعتقد أن إحدى الدلائل على ضعف القرارات الصادرة بحق قطاعICT  محدودية وعدد الخبرات المتوفرة في الوطن الأمر الذي يدفع هذه الخبرات للبحث عن الذات غالبا، إن زيادة هذه الأعداد من الخبرات المتقدمة ستكون دافعا قويا لخلق جو تنافسي عالٍ سيحمل في ثناياه المزيد من الابداعات التي ستعود بالفائدة على الجميع على مستوى الوطن.
ونحن نتحدث عن تطوير هذه الخبرات والكفاءات في قطاع ICT، بالتأكيد لا يمكن أن نقلل أيضا من الدور الذي سيؤسس له هذا التدريب في البعد العملي من دعم ومساهمة فاعلة في دعم المستوى العلمي والإبداعي في ذات القطاع، حيث سيكون هنالك دائما حراك قوي في مجال ICT لمتابعة آخر الإنجازات في تطوير وإبداعات الأنظمة المحوسبة والتكنولوجيا، الأمر الذي سيدفع بكثير من العقول المميزة إلى البحث وإنجاز الجديد من الابداعات.
أما بخصوص المقترح الآخر الذي أشرت إليه في مقدمة مقالي بخصوص تنظيم هذه المهنة، فهو يتلخص بالدرجة الأولى بوضع قانون يفرض على المؤسسات المحلية (عامة أو خاصة) (الوزارات، والبلديات، والبنوك، وشركات التأمين، والمصانع، وشركات الاتصالات ومزودي خدمات الإنترنت، والمستشفيات والمراكز الطبية، والشركات التجارية ذات سقف رأس مالي محدد =) بتوظيف عدد من المختصين في مجال ICT وألا يخضع الموضوع لمزاجية ورؤية الإداري المسؤول أو أرباب العمل، هذا إضافة إلى زيادة الطاقة الاستيعابية لهذه الشريحة في دوائر الحاسوب في المعاهد والجامعات أيضا، الأمر الذي سيعود بالتأكيد بالإيجابية على المؤسسة وتجويد آليات العمل داخلها، ويسرع في إنجاز المهام نظرا لحوسبتها، ويسهل عملية الأرشفة والبحث داخل المؤسسات، وطبعا هذا سيساهم بالتأكيد من تخفيف نسبة البطالة لهذا القطاع. ويجب على جامعاتنا مراجعة التخصصات التي تقدمها بما يتوافق مع العرض والطلب وحاجات المجتمع الفلسطيني وألا يكون جل اهتمامها زيادة هذه التخصصات ورفع كلفة الساعة المعتمدة دون النظر إلى البعد الاستراتيجي بفرص هؤلاء الخريجين في المستقبل المنظور، كما أننا لا نلحظ تحديثاً على الخطط الدراسية في كافة كليات ICT  بالسرعة اللازمة لمواكبة التطور المتسارع في هذا القطاع. 
ان الشعوب تسعى للرقي العلمي لتتقدم وتتطور وترتقي بين الأمم، لذا نريد أن يكون العلم لأبنائنا نعمة وهدفا إستراتيجيا نرتقي به بين الأمم، ونأمل ألا يكون التحصيل العلمي لأبنائنا ينظر له كوسيلة تحقق رزمة من الامتيازات المتواضعة.

مدير مركز تكنولوجيا المعلومات والاتصالات- جامعة القدس المفتوحة