جامعة القدس المفتوحة

رعاية الإبداع حق للمبدع وواجب علينا / د. ردينة يونس

نشر بتاريخ: 10-08-2014

أصبح الاهتمام بالإبداع والمبدعين علميًّا في الدول المتقدمة والنامية على السواء ضرورة قصوى في العصر الحديث. وقد يرجع ذلك إلى أهمية الإبداع العلمي في تقدم الإنسان المعاصر، وفي كونه أداة مهمة في مواجهة المشكلات الحياتية وتحديات المستقبل.
كما اهتمت التربية بموضوع الإبداع على اعتبار أن التفكير الابتكاري هدف أساسيّ من الأهداف التربوية.
وقد اختلف العلماء في تحديد مفهوم الإبداع، وبالتالي لم يتفقوا على تعريف محدد له، ومن هذه التعريفات أن الإبداع (عملية ينتج عنها عمل جديد ترضى عنه الجماعة أو تتقبله على أنه مفيد). 

كيف نكتشف الموهوب؟
هناك أساليب مختلفة تتبع في الكشف عن المواهب، وتتضمن هذه الأساليب ملاحظات الوالدين، وترشيح المعلمين، وترشيح الخبراء، وترشيح الأقران، والتقارير الذاتية، ومقياس الذكاء، والاختبارات التحصيلية، واختبارات التفكير الإبداعي.

كيف نرعى الموهوب؟
هناك عدة إستراتيجيات تربوية يمكن استخدامها مع الأطفال والمراهقين الموهوبين حتى يمكن من خلالها رعاية مواهبهم وتنميتها، ومن هذه الاستراتيجيات: 
أولاً: الإسراع التعليمي: وهو السماح للطلبة بالتحرك بالجدول الذي يريحهم ويستطيعون أن يتفوقوا فيه، وهو تنظيم وقت التعلم ليقابل قدرات الطالب الفردية، ما يقود إلى مزيد من التفكير الإبداعي.
ويأخذ الإسراع أشكالاً عدة منها: أ- القبول المبكر في رياض الأطفال أو الصف الأول الابتدائي.
                                     ب- تخطي بعض الصفوف الدراسية.
                                     د- الإسراع في تعليمه مقررات دراسية معينة.
ثانيًا: الإثراء التعليمي: ويقصد به تزويد الطفل الموهوب –أيًّا كانت المرحلة التعليمية– بنوع جديد من الخبرات التعليمية، تعمل على زيادة خبرته في البرنامج التعليمي. وينقسم الإثراء إلى نوعين، هما: الإثراء الأفقي، بحيث نزود الموهوب بخبرات غنية في عدد من الموضوعات المدرسية، والإثراء العمودي، وهو تزويد الموهوب بخبرات غنية في موضوع ما من الموضوعات الدراسية.
ويشير العلماء إلى عدد من الأساليب يمكن اتباعها لتحقيق عملية الإثراء، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
1- دراسة مقررات متقدمة، 2- توسيع المنهج وتعميق محتواه، 3- الاستفادة من الكمبيوتر والانترنت، 4- قيام الطفل بمشروعات بحثية، 5- قيام الطفل بكتابة تقارير معينة، 6- الزيارات الميدانية، 7- المجموعات.
ثالثًا: التجميع: ويتم بوضع الأطفال في مجموعات متجانسة من حيث الذكاء أو الاهتمامات أو المهارات، مثل أن تخصص لهؤلاء الأطفال أكاديميات خاصة أو أن تخصص لهم فصول معينة بالمدرسة، أو أن يتم تجميعهم في فصول معينة لبعض الوقت فقط ثم يعودوا بعد ذلك لفصولهم الأصلية.
المناهج الإضافية للمتفوقين
بما أن الدراسات دلت على أن المتفوقين تحصيليًّا يكونون على الأغلب متفوقين في الذكاء، فإن المواد الدراسية التي يدرسها المتفوقون لا بد أن تكون متطورة حتى تناسب هذا المستوى من الذكاء وتستغل طاقاتهم إلى أقصى حد ممكن، وإلا اكتسب الطلاب عادة الاستهتار بالمواد الدراسية وعدم الرغبة في بذل الجهد، خاصة أن التجربة أثبتت أن المتفوقين يمكنهم الانتهاء من المقررات الدراسية العادية قبل نهاية العام بفترة طويلة.
التعاون بين المدرس وبين أهل الموهوب:
قد يخفق أولياء الأمور في توفير ما يحتاجه أطفالهم الموهوبون من خبرات، وقد يحمل بعضهم اتجاهات خاطئة عن الموهوبين. من هنا، نجد أهميه عمل المدرسين مع الآباء لمساعدتهم على إشباع حاجات أطفالهم، وضرورة أن تكون طموحاتهم واقعية فيما يتعلق بأطفالهم الموهوبين.

العوامل المؤثرة في الإبداع
يشير الأدب التربوي إلى العوامل المؤثرة في الإبداع، ولعل أهمها: الثقافة، وطبيعة الوالدين، والنضج، والتعليم، والمثيرات، والصحة العقلية، والبيئة العامة والنظم الحياتية المتبعة للفرد، والقبول والتشجيع خاصة في فترة الطفولة المبكرة، والدافعية الداخلية للفرد وحمايتها من الدوافع الخارجية المعيقة، والمعرفة والمواهب الخاصة.
وتؤكد الدراسات أن الأم، وكونها المحور الرئيس في تجارب الطفل المتعلقة بالعالم الخارجي، فإن حالتها العاطفية تؤثر بشكل مميز في تأسيس النمو الذكائي الذي يحتاجه الإبداع، وإن الوراثة والمثابرة عوامل تؤثر في الإبداع.
وأشارت إحدى الدراسات إلى أهمية الإعداد الأكاديمي والتربوي للمدرس الذي يعمل مع المتفوقين، وأهمية الكتب التي ينبغي توفيرها للمتفوقين وثراؤها وتنوعها وعمقها، وضرورة أن تكون موضوعة على شكل قضايا ومشكلات تتحدى التفكير وتثيره، وضرورة توفر المراجع التي تساعدهم على التعمق في دراسة المنهج المقرر والقيام بالبحوث العلمية.
كما أشارت الدراسات إلى ضرورة إفساح المجال أمام المتفوقين لممارسة مختلف الأنشطة اللاصفية العلمية والفنية والأدبية والرياضية (وهذا يقتضي قاعة موسيقى وقاعة رسم وقاعة للمسرح والتمثيل، وقاعة للمطالعة وورشات الهوايات المختلفة).
كما أشارت الدراسات إلى ضرورة وجود مكتب للخدمات النفسية والاجتماعية لتوفير التوجيه والإرشاد للمتفوقين.
كما أشارت الدراسات إلى أن رعاية المتفوقين هي من اختصاص وزارة التربية، ويمكن للوزارات الأخرى أن تسهم في رعاية التفوق بمظاهره المختلفة مثل وزارة الثقافة أو الشباب أو الشؤون الاجتماعية.
ونظرًا لأن المبدعين يتميزون بخصائص عقلية وشخصية مختلفة عن الأشخاص العاديين، وهذا التميز يجعلهم يواجهون صعوبات سواء مع أسرهم أو أقرانهم أو مدرسيهم، ونتيجة لهذا، حاول العلماء إيجاد السبل والأساليب في مساعدة هذه الفئة على التكيف السليم مع الآخرين، حتى يستطيع المجتمع قطف ثمار إبداعاتهم.
مثلاً، يرى كارل روجرز أن تنمية الإبداع منوطة بتوفير شرطين أساسيين هما: 
أ‌- السلامة النفسية: وتتحقق من خلال تقبل المبدع واحترام أدائه وشخصيته.
ب‌- الحرية النفسية: وتتحقق من خلال إتاحة الفرص المختلفة والغنية للفرد في الوصول للخبرات والمعرفة واكتسابها وإتاحة فرص الاستطلاع والاكتشاف.
ويرى ماسلو أن لدى كل فرد من الأفراد طاقة معينة من مستوى معين من الابتكارية، ومن هنا، فمهمة التربية  تحرير هذه الطاقة الموجودة وتشجيعها. ومن هذه الأساليب: 
1- تنمية حب الاستطلاع والثقة بالنفس.
2- تحرير الطفل من الخوف في الوقوع في الخطأ.
3- تشجيع الاختلاط مع الأشخاص المبدعين.
4- تشجيع الطلاب على إثارة الأسئلة المتشعبة.
5- على المعلم أن ينوع من أساليبه وأنشطته، وعليه أن يعدل الواجبات المدرسية عندما تظهر له بعض مظاهر السأم عند الطلاب.
ومما لا شك فيه أن المديح له أهميته في تدعيم سلوك الطفل، إلا أن الإفراط في ذلك المديح من جانب الوالدين يجعل الطفل يستدخله على أنه توقع، وبالتالي يمثل ضغطًا عليه، ما قد يعيق موهبته ويحول دون تنميتها. لذلك، على الوالدين والآخرين ذوي الأهمية في حياة الطفل أن يكونوا معتدلين في ثنائهم على الطفل.