جامعة القدس المفتوحة

البساطة / أ. حسام عبد المعطي الطباخي

نشر بتاريخ: 10-08-2014

البساطة في الحياة من أكبر الفنون التي يجب تعلمها، لذا نشاهد أن الرسول (عليه الصلاة والسلام) على عظمته، كان يعيش في غرفة ليس كلُّ مِن عرضها وطولها إلاّ ذراعين أو ثلاثة، كما يشهد بذلك التاريخ، وذلك عندما أرادوا الصلاة على جسده الطاهر، لم تستوعب من أصحابه إلاّ عشْرة عشْرة واقفين. والبساطة وسط بين التكلف واللامبالاة، فالتكلف إرهاق مادي ومعنوي، واللامبالاة سوء تصرف، وحرمان حكمة، والبساطة ببساطة، تعني الوضوح والسهولة والواقعية، وهي ضد التشبّع والتنطع والمبالغة، وأكبر وأصرح وأنبل، من التواضع الكاذب، والزهد المزيف .ونحن في زمن سيطرت فيه المظاهر، وأصبح التكلف سمة من سماته، وغدا التنافس على الظهور بأحسن المظاهر شرطاً عرفياً، ولو كلف ذلك ما كلف، فلم تقتصر ولائم الأفراح مثلاً على التكلف، حتى تعدى هذا الداء إلى ولائم الأحزان. ومن المعلوم والمقرر، أن قواعد البساطة المنافية للتكلف، والبعيدة عن اللامبالاة، سر سعادتنا، والبساطة بدقة، لا تعني أن أتنازل عن مبادئي، أو قيمي، أو أعيش دون هدف ورسالة، ولا تعني بحال، أن أدع الآخرين يتحكمون في مشاعري، أو أن أكون إمعة، أنقاد خلف الآخرين دون إدراك ووعي، ولا تعني أبداً، ألا أكون ذا شخصية متميزة، لها صفاتها الخاصة بها، ولا تعني إطلاقاً، أن أفقد شخصيتي وهويتي؛ فلا أملك رأياً أو قراراً. وليس هناك تلازم بين البساطة والسطحية، سواء في التفكير أو السلوك، فالبساطة تبتعد عن التعقيد، وتقترب من المرونة والقابلية والتأقلم والتكيف، مع الأوضاع التي تمر. 
البساطة أن ترى أمامك أبواباً متعددة تستطيع أن تلج منها دون معاناة، والتعقيد أنك لا ترى إلا باباً واحداً وخياراً محدداً؛ فيعيش المرء بمرونته حياته بعيداً عن القلق والخوف والوهم، يعيشها بإدراك أنه خُلق لغاية، ويحاول أن يحقق هذه الغاية عملياً في حياته. الحياة البسيطة أن تطرد عنك الشعور بالوحدة، وأنك جزء من هذه الحياة، لك كينونتك وشخصيتك ومشاعرك وأحلامك وطموحاتك. الحياة البسيطة أن تعطي كل جزء من ذاتك حقه من الحياة، فأنت كتلة من روح وعقل وجسد، فالروح تملأها بحب الله تعالى والإيمان به، وتجعلها متعلقة بالملأ الأعلى؛ لتسمو بها عن درن التراب ومتعلقاته؛ فالروح لن تجد غذاءها وسعادتها وكمالها، إلا من الوحي المطهر، وحث العقل على التأمل والتفكر والتدبر في آيات الله ومخلوقاته، وفي إدراك المعارف والعلوم، وفي الاستنباط والاستنتاج تكون حياة العقل، وعندما يُعطى الجسد رغباته، وتحقق شهواته، دون إفراط أو خروج عن الإطار المتوسط، يعيش المرء في توازن واستقرار دون معاناة وألم؛ وبهذا العطاء والتجانس، تكون الحياة ممتعة متزنة هادئة، وهو المعنى الحقيقي للبساطة.
وفرق بين البساطة وفوضى الحياة، فيمارس البعض الإهمال، بحجة البساطة والبعد عن التكلف، وهذه بساطة مذمومة وهي إلى الضعف أقرب. ولا يغيب عنك أن تستمتع بما وهبك الله من قدرات وطاقات، فأنت لا ريب لديك أشياء كثيرة تعملها في حياتك اليومية، حاول بما تستطيع، أن تأخذ هذه الأشياء التي تمارسها بنوع من المتعة والبساطة. عش لحظاتك اليومية بقدر ما تستطيع في هناءة. قد يكون في هذا نوع من الصعوبة، ولكن بمزيد من التأمل لتبسيط الأشياء وعدم تعقيدها؛ ستصل بإذن الله -جل وعلا- إلى درجة رائعة من الاستمتاع والهناءة. استمتع في عمل الأشياء وأنت تعملها، واعملها بحب، وحاول أن تقبل إليها دون إكراه. البساطة تعني الواقعية والحقيقة، فالبيت الذي يقدم لضيفه ما عنده دون بخل أو إهمال، فقد أكرم بما يملك، وهل بعد الكرم بما يملك المرء إكرام، الإكرام الحقيقي من المعاني التي انحرف مسارها وتغيرت ملامحها وربما حقيقتها، وأصبح الكرم مقروناً بالإسراف -إلا ما رحم ربي- بسبب التكلف وغياب مفهوم البساطة الحقيقي .
نسي المجتمع أن الكرم الحقيقي هو ألا نبخل بالموجود ولا نتكلف بالمفقود، وهو كذلك، كرم النفس والمُحَيّا وحُسن الخلق وبشاشة الوجه وطلاقته، والابتسامة الصادقة وفرح القلب، وكرم الأخلاق وصدق المشاعر، مهما كانت الماديات قلة أو كثرة، وإلا ماذا تُغني الولائم الكبيرة والمُحملة بأصناف المأكولات، والمُحاطة بأنواع المشروبات؟ بينما وجوه أهلها عابسة مهمومة، يجلس الضيف وكأنه على جمر مما يرى من ضيق الوجوه، ويخرج وهو مستثقل نفسه عازماً ألا يعود حاملا هم تسديد الدين؛ دين هذه الضيافة التي أصبح شرط حضورها مقابلتها بالمثل، إن لم يكن بما يفوقها .
فإلى المتكلفين والمتنطعين في حياتهم، لا ترهقوا أنفسكم، فمهما فعلتم فلستم بأكرم من سيد الخلق، فما عليكم إلا الكرم بما تملكون وما تستطيعون، أما أن تكلفوا أنفسكم فوق ذلك؛ فإليها تسيئون وعليها تجنون، لا تحمل نفسك ما لا طاقة لها به، ابتعد عن إرهاق نفسك أكثر من اللازم، لا تتخذ على عاتقك أعمالاً كثيرة تستغرق كل وقتك وفكرك، فأنت بذلك ستعيش حياة صعبة ومعقدة. كن رفيقاً بذاتك، لا بد أن يكون لديك متسع من الوقت لترتاح؛ فهذا يزيدك نشاطاً وقدرة على الفهم والتعامل مع الأمور ببساطة وعفوية. ومن البساطة أن يكون تعاملك مع الوقت فيه نوع من المرونة والإدراك للأولويات، تأمل كثيراً حتى تعرف حقيقة الحياة، ثم سر فيها سير الواثق بالله تعالى أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. وتبقى الحاجة إلى نشر ثقافة البساطة قائمة، وخاصة مع إصرار بعض المجتمع على نسيانها وإهمالها، فكن قوي الإرادة، كي تغير ذاتك وغيرك. وأختم بالعبارة الحكيمة "لا تكن أصعب ما في الحياة، ولا تكن أسهل ما فيها، وكن أنت الحياة بكل معانيها".                                                                                                      
                                                                                                                 
* جامعة القدس المفتوحة/ الخليل