جامعة القدس المفتوحة

الإبداع.. في البدء يولد فكرة / د. خالد عبد الجليل دويكات*

نشر بتاريخ: 10-08-2014

كثيرًا ما نقرأ في كتب الإدارة والتنمية البشرية وبعض المجلات والصحف العربية عن عشرات قصص النجاح والتميز التي تتحدث عن نفسها وعن أصحابها، بل وتحدث أخبارها بالحجة والبرهان الصادق بأن كل مشروع ناجح لا شك يبدأ بفكرة خلاقة مبدعة، يأتي بها عقل بشري منفتح نيّر، أوتي من الحكمة والتميز والإبداع والرغبة والإرادة القوية الصادقة، ما يميزه عن غيره من سائر المخلوقات، ويؤهله لولوج أبواب التميز والإبداع، فتفتق ذهنه عن فكرة جديدة تحمل في أحشائها التجدد والتطوير بما ينفع الناس ويسهم في تقدم البشرية جمعاء، ولهذا، وجد المخترعون والمكتشفون الذين فكروا وتفكروا، وابتدعوا فأبدعوا وتميزوا وخلفوا من بعدهم منارات شامخة من الاختراعات والاكتشافات العلمية ما غير مجرى حياة البشر، والأمثلة على ذلك كثيرة كثيرة، لا تعد ولا تحصى بين العرب والعجم، في الشرق والغرب وفي غابر الأزمان وحاضرها بما نعلم ولا نعلم.
ولقناعتي الشخصية بأهمية الإبداع في إثراء حياة الفرد والمجتمع، وتحديد مصير الشعوب والأمم، كنت قد نشرت من خلال صحيفة القدس الغراء "مقالة بتاريخ 5/5/2004 حملت عنوان "الإبداع: ضرورة أم  ترف؟" خلصت منها إلى ما مفاده أن الإبداع تجديد وتغيير وابتكار يحمل في أحشائه التجدد والتميز والرفض القاطع للتقليد الأعمى، وعدم الرضى والقبول بما هو قائم، يوازيه انطلاق لا حدود له وإطلاق حر لطاقات البشر المعطاءة. كما خلصت في مقالتي آنفة الذكر إلى نتيجة منطقية مفادها أننا بحاجة ماسة إلى تنمية السلوك الإبداعي في إنساننا الفلسطيني على وجه الخصوص، وفي مجتمعنا الفلسطيني على وجه العموم، بكل ما فيه من خصوصية سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية. وآمنت أيضًا بما لا يدع مجالاً للشك أو الجدل أننا أحوج شعوب الأرض إلى الإبداع والتميز، وذلك بسبب ما عانيناه في الماضي من ويلات وكوارث وظلم على أيدي قتلة فجرة كفرة، احتلوا أرضنا وصادروا حرياتنا وسلبونا كل مصادرنا ومواردنا الطبيعية منذ ما يزيد على ستين سنة. كما تأتي حاجتنا للإبداع من حاجتنا الأكيدة والملحة لبناء دولتنا المستقلة فوق أرضنا الفلسطينية وفق أوضاع اقتصادية وسياسية محلية وإقليمية وعالمية يعرفها القاصي والداني، أقل ما فيها ضعف إمكانياتنا ومواردنا الطبيعية والاقتصادية، حيث لا نملك نفطًا ولا ذهبًا ولا فضة، وجل ما نملكه إنساننا الفلسطيني الذي شق الصخر وجاب الفيافي والقفار بحثًا عن موطئ قدم وفرصة عيش كريم، فتعلم واجتهد وتفنن وأفاد واستفاد رغم أنف كل الظروف. ولا أنكر هنا أننا رغم كل ما أنجزنا وما حققنا، ما زلنا نعتمد في الكثير من شؤون حياتنا ودولتنا الناشئة على ما يجود به أشقاؤنا العرب والمسلمين من منح وعطايا وهبات ودعم ومؤازرة، يضاف إلى ذلك ما تتصدق به الدول المانحة المانعة في كثير من الأحيان –طوعًا أو كرهًا- من ملايين الدولارات الأميركية أو "اليوروهات" الأوروبية الأفضل حظًّا ماليًّا.
من هنا، لا نستغرب حين نسمع أو نقرأ أن جامعة فلسطينية المنشأ والهوية والتوجه والانتماء، قد ولجت غمار التميز والإبداع بفكرة جديدة وقرار جريء مسؤول غير مسبوق، جعلها تستحدث وتنشئ مسمى وظيفيًّا يحمل اسم "التميز والإبداع"، إيمانًا من القائمين على هذه الجامعة الوطنية التي استحقت بجدارة لقب جامعة منظمة التحرير الفلسطينية بأهمية الإبداع والتميز، سواء من جانب الطلاب أو العاملين جميعًا، بغض النظر عن رتبهم ومراكزهم وجنسهم وعمرهم أو خلافه. والمتتبع للصفحة الإلكترونية لهذه الجامعة المبدعة المتميزة، يجد فيها عناوين مضيئة وأمثلة حية وقصص إبداع متميزة خلاّقة تحت زوايا ومسميات مختلفة مثل زاوية "الإبداعات الطلابية" وزاوية "القصص والتقارير الصحفية" وزاوية "نساء في الجامعة" و"دليل المسؤولية المجتمعية للجامعات العربية" وزاوية "حصاد الجامعة" التي تمتلئ بالعشرات، بل المئات من إسهامات وأنشطة العاملين والعاملات الإبداعية في كل فروع ومراكز الجامعة في فلسطين.
وأحد الأمثلة على إبداع هذه الجامعة على المستوى العالمي ما انفرد به ابن هذه الجامعة وأحد خريجيها المبدع المتميز ابن خليل الرحمن "خليل شريتح" الذي اكتشف ثغرة في برمجية موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وذاع صيته بين الأمصار ورفع بذلك عاليًا اسم جامعته ووطنه وشعبه وأمته، فهنيئًا لنا ولجامعتنا بك أيها الفلسطيني المبدع.
وليس هذا التميز والإبداع بالأمر الغريب على جامعة فلسطينية تميزت بأنظمتها وفلسفتها وإدارتها ومناهجها وكتبها وعطائها وحجم انتشارها، بل وتميزت بصدق انتمائها لأرضها وقدسها وفلسطينها، حين بدأت بفكرة ثاقبة متميزة، أنتجتها عقول فلسطينية خبيرة محنكة حلمت وخططت فسهرت ورسمت ونفذت وتحدت كل الظروف والمعيقات، لتحلق عاليًا في سماء المجد والعلم والعطاء، فتغدو بعد عقدين من الزمن جامعة عملاقة تنشر أجنحتها فوق الكل الفلسطيني من رفح جنوبًا إلى جنين شمالاً، فاحتضنت بين أروقتها ما يزيد على خمسة وستين ألف طالب وطالبة،  فكل الاحترام والتقدير لمثل هذه الجامعة ولكل أخواتها الفلسطينيات اللواتي استحدثن مراكز للتميز والإبداع على الثرى الفلسطيني المقدس رغبة منها بنشر فلسفة ونهج التميز والإبداع في كل فلسطين. 
وفي الجانب الآخر، نجد بين ظهرانينا ومن أبناء وطننا وجلدتنا من يحارب الإبداع في مؤسساتنا، إما بدافع الغيرة أو الحسد أو الخوف على جاه أو منصب أو مصلحة شخصية يخشى ضياعها، فتراه يضع العراقيل والعقبات أمام كل من تظهر لديه أمارات إبداع أو تميز -ولو كان قليلاً-، ليدفعه بهذا السلوك الشائن إلى الانطواء والانزواء بل وربما ترك مؤسسته أو هجرة وطنه بحثًا عن ملاذ آمن لإبداعاته وطاقاته، فتصيبنا حينئذٍ مصيبة ولعنة "هجرة العقول والأدمغة" ونكتوي بنارها ومخرجاتها المقيتة، ونجلس نندب حظنا وواقعنا المرير، ونبكي ونتباكى على أمجادنا وإبداعاتنا الماضية حين خرج من أصلابنا ابن سينا والرازي والبيروني والخوارزمي والكندي والحموي واليعقوبي والإدريسي، وابن ماجه وابن الهيثم وابن جبير وابن خلدون وابن حيان وابن النفيس وغيرهم الكثير الكثير ممن لا تحضرني أسماؤهم واختراعاتهم وإبداعاتهم. ولمثل هؤلاء نقول كفاكم غيًّا واستهتارًا بإبداعات بني وطنكم، ولا تظلمن مبدعًا متميزًا اختار طريق الهمة والإبداع والتميز في وطن يحتاج أبناءه الصادقين المبدعين.
وأخيرًا، لا أملك إلا أن أعبر عن فخري واعتزازي بكل فلسطيني مبدع أينما كان موقعه ومسؤوليته، وأشد على كل يد عاملة وعقل مبدع نلوذ به حين تهاجمنا الخطوب، ويهددنا الانقسام والتشرذم، ولجامعاتنا الفلسطينية جمعاء، وبخاصة جامعة الأحرار والفقراء جامعة منظمة التحرير الفلسطينية "القدس المفتوحة"، عنواننا حين يهددنا الانقسام والتشرذم؛ كل التحية، وهنيئًا لفلسطين بكل مفكر مبدع. 

عضو هيئة تدريس- قسم اللغة الإنجليزية- فرع نابلس