جامعة القدس المفتوحة

ما المقصود بحكم التاريخ أو (حكم عليه التاريخ)؟

نشر بتاريخ: 10-08-2014

سامي علقم*

 

حكم التاريخ هو لفظ كثير التداول على الألسنة حينما تختل الموازين والأنظمة ويكثر الجدل والنقاش حول تقييم شخصية تاريخية، فإن لم ينل شخص عظيم الشأن قدره بين الناس، أي أنهم انقلبوا عليه وطاردوه حتى مات شريدًا طريدًا وربما قتيلاً أو شهيداً، كان عزاء الناس له بعد موته حين تتبين حكمته وسديد رأيه، أن التاريخ قد حكم له وليس حكم عليه.

وإن أحاطت بشخص بطولة زائفة وكاذبة اصطنعها لنفسه وروجتها له حاشية أو طائفة من الأتباع والغوغاء، حتى تأسف القلة الراشدة من اضطراب الأحكام وانقلاب الموازين فإن العزاء أيضا يكون في حكم التاريخ الذي سيحكم عليه أو سيحكم له.

وحكم التاريخ في التصور وكما يرسمه الفنانون، شيخ مهيب الطلعة يعلوه الوقار، يمسك بيمينه ريشة الكتابة ليسطر على صفحات الزمن حكمه الذي لا يخطئ وتقييمه الذي لا يزول ولا ينحاز.

ولا يكاد يخلو القول بحكم التاريخ من تناقض، ذلك أن لمفهوم التاريخ دلالة إلى الماضي، بينما ينطوي القول بحكم التاريخ على المستقبل فحكم التاريخ فينا هو حكم الأجيال القادمة علينا فكيف يتعلق بالماضي بينما أحكامه تتعلق بالمستقبل، ولكن التاريخ لا يحكم علينا إلا بعد أن نصبح جزءًا من الماضي ومن ثم ندخل في مجال موضوعه ولكن هل يصدر التاريخ أحكاما على من اصطلح على تسميتهم: "أنهم دخلوا التاريخ". هنا ينقسم الرأي إلى اثنين:

-         مؤرخون يعلقون على سلوك شخصيات تاريخية نتيجة استثارة هذا السلوك للنزعة التعقيمية في الإنسان بوجه عام مثل إدانة تونبي لأخلاق موسوليني في حرب الحبشة 1935م.

-         آخرون يتزعمهم كروشيه حيث يقول: إن إدانة المؤرخين للشخصيات التاريخية فيها تجاهل لأصول القضاء لأننا في محاكمنا العادية نحاكم متهمين أحياء فلا يصح أن نستدعي من أصبحوا في ذمة التاريخ للمحاكمة لأنهم أصبحوا ينتمون للماضي الذي يرقد في هدوء، ويكفي أن يصبحوا موضع دراسة التاريخ في محاولة تفهم دوافع أفعالهم دون إدانة أو تبرئة أحدهم، والمؤرخ الذي ينصب نفسه قاضيا يدين هذا ويبرئ ذاك معتقدا أن هذه هي مهمة التاريخ ووظيفته فهو يفتقد حاسة التاريخ، فلا ينبغي للمؤرخ أن يصدر أحكاما أخلاقية على الشخصيات التاريخية لأن التقييم الأخلاقي خروج عن الموضوعية.  

فمهمة المؤرخ في تصوير الواقع كما كان، صورة مطابقة بقدر الإمكان عن طريق إعادة بناء حوادثه، ويشبه البعض كتابة التاريخ بأنه صورة لشخص ما (بورتريه) تمزقت وتناثرت أجزاؤها هنا وهناك وعلى الباحث أن يعيد الصورة إلى أصلها عن طريق البحث عن الأجزاء المتناثرة. وتصوير الواقع على هذا النحو يجعل من لغة التاريخ لغة تقريرية، على حين أن الأحكام التاريخية تقديرية. فإذا كان التاريخ علمًا، فإن من خصائص العلم التجرد عن الأهواء الذاتية.

وللخروج من هذا المأزق على الباحث في التاريخ الاكتفاء بالبحث عن الدوافع ومدى تناسقها مع الظروف الموضوعية التي يمر بها المجتمع، وبمعنى آخر يتساءل هل كانت الشخصية التاريخية استجابة حقيقية لتلك الظروف أم كانت غير ذلك وهذا التساؤل والإجابة عليه من شأنهما أن يضعا دور الفرد أو البطل في التاريخ موضعه الصحيح.

 

* فرع دورا