جامعة القدس المفتوحة

خريجة "القدس المفتوحة" توظف الدراما في تعليم "الإنجليزية".. تُثري بصيرة طلبتها بالتمثيل والموسيقى!

نشر بتاريخ: 08-10-2018

 

 
تودع طفليها صباحًا وهي تحمد الله أنهم جميعًا بصحة وعافية، وما إن تدخل مكان عملها في جمعية الكفيف الخيرية بمدينة الخليل بخطوات متحفزة للعطاء حتى تدرك أن الظلمة أشدّ حلكة من كونك كفيفًا، فمن حرم نعمة البصر ليس كمن فقد بصيرته فتاه في دهاليز يتبختر فيها من دون هدف، ولهذا فإنها تزرع الأمل في نفوس لا تحدّها إعاقة بصرية بتعليمهم اللغة الإنجليزية من خلال الدراما.
    تدخل هند التميمي (35 عامًا) صفها الذي لا يضم إلا أطفالاً مكفوفين، وهي تدرك أن مهمتها لن تكون سهلة، فهؤلاء ليسوا كأقرانهم، وهم يحتاجون إلى أساليب حديثة متشبعة بشعار ترفعه الجمعية التي تعمل فيها ضمن لوحات علقت على المدخل الرئيسي "ليس هناك شخص معوق، بل مجتمع معوق".
في جمعية الكفيف الخيرية بمدينة الخليل التي تأسست عام 1980 وباشرت نشاطها الفعلي عام 1992 ثم لمسة إنسانية لا تهدف إلى الربح، لهذا أدرجت الجمعية برنامج رعاية شاملة، بما يشمل الرعاية الصحية والاجتماعية والتأهيل بمختلف أنواعه لفئة الأطفال المكفوفين، لذلك فهمت هند أنها أمام مهمة إنسانية تهدف إلى كسر العوائق وتعليم أطفال يريدون أن يصعدوا السلم بالإرادة والتحدي.
(73) طالبًا وطالبة في الجمعية مكفوفون ملتحقون بالصفوف الدنيا من الروضة حتى السابع الأساسي، ولهذا حرصت هند على تطوير إمكانياتها لأنها تؤمن بأهمية أحلام أبناء شعبها وإنجازاتهم، وبأن فقدان البصر ليس سببًا لكي تحرم هذه الفئة من حقوقها في التعليم والتطور والنجاح.
 هند الحاملة شهادة درجة البكالوريوس في تخصص "اللغة الإنجليزية وأساليب تدريسها"، وشهادة الدبلوم في التأهيل التربوي من فرع جامعة القدس المفتوحة في الخليل، وحاملة شهادة الماجستير في تخصص أساليب وفن التدريس في اللغة الإنجليزية من جامعة القدس (أبوديس)، اختارت تدريس اللغة الإنجليزية لفئة المكفوفين بطرق إبداعية وجديدة.
 تعلمت هند لغة "بريل" لتُعين هؤلاء الطلبة على مواجهة الصعوبات التي يعيشونها يوميًا، وحرصت على ابتكار أسلوب تعليمي يتلاءم وحالتهم، إذن لمَ لا تقرن التعليم باستخدام الغناء ووسائل ملموسة بنهج درامي تخييلي له أثر كبير في تطوير قدرات هؤلاء الأطفال على التفكير النقدي واستخدام المعلومات وتطويرها في حل المشكلات؟ أجل، نمّت فيهم روح الفريق والعمل الجماعي وساعدتهم على الاعتداد بهويتهم الشخصية.
يبدأ الأطفال باستخدام لغة بريل مستمتعين بمشاهد ترسمها المعلمة في أذهانهم ويتفاعلون مع مقطوعات موسيقية وقد ارتسمت معالم الفرح على محياهم، ليحولوا مشاهد تخيلية ترسمها المعلمة إلى لغة مكتوبة باللغة الإنجليزية، ويصوروا مشاهد ابتدعتها خيالاتهم لكنها تترجم إلى مصلحات بالإنجليزية، فيدركوا حينئذ معاني لم يكونوا ليتعلموها بالأساليب التقليدية.  
هند تحب وظيفتها لأنها ترغب في دعم الطلاب للمضي في حياتهم، إلا أنّ تدريس الأطفال المكفوفين تحديدًا أغنى تجربتها بصفتها معلمة وإنسانة، وهذا في نظرها هو حجر الأساس في رحلتها التعليمية وفي كثير من الأمور في حياتها.     
تجربتها تلك، وأسلوبها في تعليمها فئة المكفوفين، جعَلاها مربية متميزة، فقد نشر اتحاد معلمي الرقص البريطاني ((NATD تجربتها في عدد مجلته الصادر في شهر تموز 2018، وأشاد بها معلمو المدرسة الصيفية للدراما في بريطانيا.
اختارت هند الدراسة في جامعة القدس المفتوحة منذ البداية، فهي تؤمّن الفرصة المناسبة للطلبة الذين يواجهون مشكلة في الانتظام، عبر نظام التعليم المفتوح، وكونها أمًا لطفلين لم يكن بإمكانها أن تكمل دراستها إلا في جامعة القدس المفتوحة الوحيدة على مستوى الوطن التي تعتمد هذا الأسلوب من التعليم، وهو نظام تعليمي عصري يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويطوّع المحددات الاجتماعية والثقافية، ويتعامل مع تعدد الأدوار، سواء للمرأة أم للرجل، كما يوفر فرص التعليم والتعلم بجودة عالية وتكلفة ملائمة، ما يسّر لها المزامنة بين دراستها الجامعية وأسرتها، فاستطاعت الاستمرار والعطاء والتفوق والإبداع.
حصلت هند على معدلات عالية طوال فترة دراستها، كما تصدرت المرتبة الأولى على التخصص، فالأساليب التعليمية المتطورة في الجامعة، التي تنوعت بين لقاءات وجاهية ولقاءات عبر الصفوف الافتراضية، ساعدها في التميز أكاديميًا ومهنيًا.
تقول هند: "من الأمور التي ساعدتني كثيرًا حرْص الجامعة على تعزيز مبدأ الاعتماد على الذات، لما يوفره النظام من وسائل التعليم المفتوح؛ كالبوابة الأكاديمية، والصفوف الافتراضية، والتعليم المدمج، وقد انعكس هذا على أدائي من خلال دراستي الماجستير، حيث يكون الطالب محور العملية التعليمية، وهو الذي يسعى إلى البحث والتطوير والحصول على المعلومة".
تنهي هند عملها اليومي، وهي أكثر ايمانًا بأن ثمة رابط مشترك بين مؤسسة تعمل فيها لإعداد تلامذة كفيفين كي يكونوا قادرين على إعداد أنفسهم قبل انتقالهم إلى مدارس المبصرين ابتداء من الصف السابع، وبين جامعة درست فيها تولي الكفيفين رعاية خاصة بإنشائها أربعة مختبرات حاسوب للمكفوفين في فروعها التعليمية. 
ثمة رابط آخر بين مؤسسة تعتمد على التبرعات لتوفير مقوماتها المالية كي تؤدي وظيفتها تجاه فئة حرمت البصر، وبين جامعة تعفي طلبتها المكفوفين من الرسوم الجامعية لتجعل هؤلاء قادرين على خدمة أنفسهم ومجتمعهم، وتبث فيهم طاقة منتجة وفاعلة في المجتمع. ووفقًا لذلك تواصل هند أداء رسالتها، فالمكفوفون قد حرموا من نعمة البصر، لكنّهم يستحقون أن ينالوا فرصة التعليم ولو بأدوات تفاعلية جديدة.