جامعة القدس المفتوحة

حديث القرآن عن النفس

نشر بتاريخ: 10-08-2014

د. محمد محمد الشلش*

القرآن الكريم، هذا الكتاب الخالد، الكتاب الذي تحدث عن الكون والحياة والإنسان، تحدث عن الكون وما فيه من مخلوقات مشاهدة وغير مشاهدة، وما فيه من نعم ظاهرة وباطنة. وتحدث عن الحياة، بدايتها ونهايتها، وما بين البداية والنهاية. كما تحدث عن الإنسان وهو أفضل المخلوقات والكائنات، تحدث عن روحه ونفسه وجسده، وهدايته وغوايته، وما يضره وما ينفعه، وما يشقيه وما يسعده، وما يفنيه وما يبقيه.

وحديث القرآن عن النفس البشرية حافل بالآيات التي تصفها في مختلف أطوارها وحالاتها، كما تحدث عن خباياها وخفاياها، وظواهرها وبواطنها، تحدث عنها فرحة وترحة، صاعدة وهابطة، مرفوعة وموضوعة، مؤمنة وكافرة، تقية وفاجرة، مطمئنة وقانطة، خيرة وشريرة، مقبلة ومدبرة، وغير ذلك من الصفات والسمات.

وقد تحدث العلماء قديماً وحديثاً عن صفات النفس الإنسانية، كما تحدثوا عن الإعجاز النفسي في القرآن الكريم، ونظروا إليه من زاويتين:

الأولى: حديث القرآن عن النفس وأنواعها.

الثانية: تأثير القرآن في النفس.

الزاوية الأولى: حديث القرآن عن النفس وأنواعها

أما حديث القرآن عن النفس، فثمة سيل من الآيات يدل عليه، علماً بأن القرآن الكريم كتاب هداية، وليس كتاب نظريات نفسية وإن كان للحديث عن النفس رصيد فيه كبير، لكن فيه ما يدل على إعجازه النفسي وأنه من عند الله، ومن ذلك ما يلي:

1.الازدواجية في الخلق الإنساني: فقد ذكر القرآن الكريم أن الإنسان مخلوق مزدوج التكوين، فهو من أصل مادي وأصل روحي، قال تعالى: "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ" الحجر29. فالطين هو الجانب المادي، والروح هي الجانب المعنوي المشرق فيه، وحياة الأول بالأشربة والمطعومات والرياضات، وحياة الثاني بالطاعات والعبادات، قال تعالى: "وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى" البقرة 197. ولا تستقيم النفس بغير توازن بين الجانبين: "وابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا" القصص77.

 2.الازدواجية في الاستعداد الإنساني: حيث تحدث القرآن عن قابلية الإنسان واستعداده لقبول التقوى والفجور، والهداية والغواية، والخير والشر، وهذه الازدواجية في الاستعداد ناشئة عن الأولى وهي الازدواجية في الخلق، وينشأ عنها جنوح بعض النفوس الضعيفة إلى المادة والطين، فتغرق في وحل الشهوات والملذات، كما ينشأ عنها سمو بعض النفوس المؤمنة روحياً، فتشرق النفس، وينشرح الصدر وينفسح، ويرتقي صاحبها إلى معارج الفضيلة والكرامة. قال تعالى: "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاها، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" الشمس7-10. فالنفس تحمل كامل خلقة الإنسان بجسمه وروحه وقواه الإنسانية من تفكير وسلوك وغير ذلك، على أن المراد من قوله: "فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا" توفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها بالفجور.

فالإنسان كما يتبين من الآية الكريمة السابقة فيه استعدادان، استعداد يدفعه إلى الشر والفجور، سببه ضعف الإنسان أمام الشيطان، وعجزه عن صد هجماته وإغراءاته، فيقع في حبائله ومصائده، كما ضعف آدم: "وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى" طه121. واستعداد يدفعه إلى الخير والتقوى والصلاح، فيه يقوى الإنسان على الشيطان، ويضعف كيده، ويقاوم إيحاءاته السيئة، كما قاوم آدم: "ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى" طه122. فغوى آدم حين ضعف أمام الشيطان، لكنه اهتدى حين قاومه وصدّه وتاب إلى خالقه، والنفس واحدة وهي نفس آدم، لكن استعدادها اختلف في الحالتين، فكان المسبَب تبعاً للسبب، الغواية بسبب العصيان، والهداية بسبب الإيمان.

أما أنواع النفس فقد تحدّث القرآن عن كنهها بما لم يتحدث عنها عالم نفس أو تربية في زماننا، بل إن بعضهم لوّث هذه النفس، وأساء إليها بنظرياته الخاطئة، فخرج لنا "فرويد" بنظريات نفسية وجنسية لا يتصورها عقل، ولا يقرها عاقل.

وتعرض القرآن لذكر أنواع النفس وهي ثلاثة‏:‏ النفس الأمارة بالسوء "إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ" يوسف53. والنفس اللوامة "وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ" القيامة2. والنفس المطمئنة "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ" الفجر27.‏ فالأمارة بالسوء‏ هي التي تأمر صاحبها بما تهواه من الشهوات المحرمة واتباع الباطل‏، وأما اللوامة‏ فهي التي تلوم صاحبها على ما فات من الخير وتندم عليه،‏ وأما المطمئنة‏ فهي التي سكنت إلى ربها وطاعته وأمره وذكره، ولم تسكن إلى سواه‏.‏ قال العلامة ابن قيم الجوزية‏: ‏(فكونها مطمئنة وصف مدح لها، وكونها أمارة بالسوء وصف ذم لها، وكونها لوامة ينقسم إلى المدح والذم بحسب ما تلوم عليه).‏

وطريق تزكية النفس إلزامها بطاعة الله تعالى، ومنعها من معصيته، ومنعها من شهواتها المحرمة‏.

 الزاوية الثانية: تأثير القرآن في النفس

لا ينكر عاقل ما في القرآن من بيان يسحر أولي الألباب، ويبهر أرباب الحجى، فوقع القرآن على النفوس ثقيل: "إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً" المزمل5. فكان ثقيلاً على الرسول وقومه، فمنهم حين سمعه صعق، ومنهم حين سمعه كاد قلبه يطير، ومنهم سقط مغشياً عليه، ومنهم حين سمعه صاح وصرخ: "ما هذا بكلام بشر".

ولم يقتصر تأثير القرآن على الإنس، بل تعدّاه إلى الجن على اختلاف طرائقهم، فحين سمعوه قالوا:"إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً" الجن1. وكلمة "عجباً" وصف له مدلولاته، ولفظ له تفسيراته، تتفاوت في معانيه الألسنة والعقول. ولا يقتصر تأثيره على من ذكرت، بل إن الجبال الصلبة لو نزل عليها لخشعت وتصدعت من خشية الله: "لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ" الحشر21.

أجل، إنه القرآن، كلام الله المعجز، أثر في نفوس المؤمنين فازدادوا إيماناً، وازدانوا طاعة وتقوى، فها هو رسول الأمة يقول لابن مسعود:"اقرأ علي"، فيقول ابن مسعود: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: "نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري". وإنما كان يطلب سماعه من غيره لشدة تأثّره به.

وأثّر القرآن في نفوس الكافرين بحلاوة ألفاظه وعذوبة عباراته، وجرسه العذب الجميل، فكانوا يتسلّلون لواذاً ليسمعوه دون أن يُكشف أمرهم، وقال أمثلهم طريقة حين سمعه: (والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يُعلى عليه).

وهذا عمر في الجاهلية متى أسلم؟ لقد أسلم حين سمع كلمات القرآن من أخته حين شج رأسها، وحين سمعها من رسول الله عند الكعبة، يقول عمر: (فلما سمعت القرآن، رقّ قلبي، فبكيت، ودخلني الإسلام).

وقد حدثني أحدهم أن له جاراً نصرانياً كان يسمع القرآن كل صباح، فسأله يوماً: هل أسلمت؟ فإني أسمع صوت القرآن في بيتك، قال: لا. ولكني حين أسمع القرآن يطمئن قلبي، وينشرح صدري، فلا أغادر منزلي حتى أسمع الشيخ عبد الباسط يتلو ما تيسر له منه.

وتعرّف بعضهم على شاب سويسري متطوع، كان يعمل في إحدى المؤسسات الخيرية لذوي الاحتياجات الخاصة في الوطن، فدعاه إلى منزله، وعرض عليه الإسلام، وأسمعه سورة مريم للشيخ عبد الباسط، فرقّ قلبه، وذرفت عيناه، وهداه الله إلى سواء السبيل.

وذكر سيد قطب صاحب "في ظلال القرآن" أن ستة نفر من المسلمين كانوا مع مئات المسافرين الأجانب على ظهر سفينة تمخر عباب المحيط، وكان من بينهم سيدة يوغسلافية، فحان وقت الصلاة، فصلى المسلمون، وتلا الإمام ما تيسر له من القرآن، وبعد فراغهم من الصلاة، أقبلت هذه السيدة تفيض عيناها دمعاً، وقالت لهم: إنها لا تملك نفسها من التأثر العميق بما سمعت وشاهدت من خشوع ونظام.

هذا هو القرآن العظيم، كلام الله تعالى، أنزله بلسان عربي مبين، وسيبقى مؤثّراً في النفوس إلى يوم الدين.  

 

·        فرع دورا