جامعة القدس المفتوحة

"القدس المفتوحة" و"اتحاد الكتاب" ينظمان ندوة أدبية إحياء لذكرى الأديبين الراحلين عبد الرحيم محمود وغسان كنفاني

نشر بتاريخ: 30-07-2017

 

رام الله-دائرة الإعلام
       نظمت جامعة القدس المفتوحة والاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، يوم الأحد الموافق‏30‏/07‏/2017م، ندوة أدبية إحياءً لذكرى رحيل الأديبين الشهيدين: الشاعر عبر الرحيم محمود والروائي غسان كنفاني، وذلك في مقر الجامعة بحي البالوع بمدينة رام الله، وتحت رعاية رئيس القدس المفتوحة أ. د. يونس عمرو.
      وقال أمين عام الرئاسة الطيب عبد الرحيم، ابن الشاعر الراحل عبد الرحيم محمود، في كلمته بالندوة، عندما أتكلم عن الوالد وعن أدباء الشعب الفلسطيني لا بد من أن يتعب الإنسان نفسه بأن يختط بعض الكلمات التي لم توفيهم حقهم أيضاً.
    وأضاف أن مبادرة القدس المفتوحة في عقد هذه الندوة لهي تكريم لكل شهداء فلسطين وشعرائها وكتابها ولحماة القدس والأقصى، فلكم من صميم القلب خالص التحية والتقدير على هذه الالتفاتة الكريمة والنبيلة والأصيلة التي تعبر عن معدن شعبنا الخلاق والمبدع.
     وقال إننا موجودون هنا لنحيي ذكرى عبد الرحيم محمود الذي كان شاعراً ومقاتلاً من أجل الحرية، وستظل أجيالنا الفلسطينية من بعدنا تحمل الراية وتدافع عن إرثنا الحضاري والثقافي وهويتنا ومقدساتنا وتراثنا الوطني لنجعل أحلام الشعراء وكل من كتب لفلسطين بالدم حقائق ناجزة على الأرض بقيام دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
بين أن عبد الرحيم محمود كان ثالث اثنين في المسيرة الشعرية الفلسطينية في النصف الأول من القرن العشرين إلى جانب الشاعرين عبد الكريم الكرمي وإبراهيم طوقان، فقد اجترح هذه الجدلية الخلاقة الملتزمة حينما أتبع القول فعلاً دفاعاً عن هويته ووطنه لتظل فلسطين شامخة أنفة وكبرياء بتلالها وكبريائها ويانعة خضراء بزيتونها وبرتقالها.
وأوضح أن شهادة ولادة على أرض قرية الشجرة جاءت لتقول إن الشعر كله نضال، فقد جمع بين روحين خالدين هما أبو الطيب المتنبي وأبو فراس الحمداني، فكان ذاك الفتى الكنعاني الذي توسمت به عائلته فتعهدته بالتعليم والتدريب، فنشأ الفتى مفعماً بحب وطنه ودينه ولغته العربية، ليتفتق فيما بعد ينبوعاً شعرياً فلسطينياً يرفد نهر الشعب الفلسطيني، وحل روحه على كفيه وقاتل حتى ارتقى في الجليل في العام 1948م شهيداً على تراب الشجرة لتحضنه الناصرة ابنا باراً كما احتضنت توفيق زياد.
       وأشار إلى أن والده أصبح ملهماً للأجيال القادمة الذين لا يزالون يحفظون الأمل ويحفظون للشعراء، لتظل فلسطين عرساً ونشيداً لا ينضب في عشق الحرية والانعتاق.
وقدم شكره لجامعة القدس المفتوحة على هذه المبادرة الخلاقة المبدعة الكريمة التي تعمق جذورنا وتربطنا برموزنا لنظل على عهد الوفاء والنضال لنيل حريتنا، يقول: "شكراً للقدس المفتوحة على احتفالها بذكرى رحيل الشاعر عبد الرحيم محمود والكاتب غسان كنفاني، معاهدين كل الشعراء وكل أبناء شعبنا بأننا سنظل الوفيين لدمائهم وسندافع عن أحلامهم لتبقى فلسطين والقدس هي البوصلة والقبلة السياسية للأبد ولينعم أبناؤنا وأحفادنا بالحياة الحرة الكريمة وبالصلاة في المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، في القدس قبلتنا السياسية.
إلى ذلك، توجه أ. د. عمرو، في كلمته بافتتاح الندوة، بتحية إكبار لشعبنا الفلسطيني وللقيادة الفلسطينية وعلى رأسها المناضل الأكبر الأخ الرئيس محمود عباس، على ما بذلوه من جهد والتحموا جميعاً للدفاع عن القدس، حيث نجح شعبنا في إجبار الاحتلال عن مساعيه لفرض إرادته على مقدساتنا المسيحية والإسلامية.
ودعا أ. د. عمرو إخواننا في حركة حماس للانخراط في السلك الوطني، وأن يتركوا المصالح الفئوية الضيقة من أجل حماية القدس وحماية المقدسات من الاحتلال الإسرائيلي.
وبين أن الندوة تأتي ضمن رسالة الجامعة الثقافية والوطنية والعلمية، وضمن نهج الجامعة لتعريف الأجيال الجديدة بفارس الكلمة الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود والقاص الكاتب والروائي غسان كنفاني وكلاهما فارس في مجاله.
وأوضح أ. د. عمرو أن الشاعر محمود كان يستشرف المستقبل ويظهر ذلك في شعره، وما زال شعبنا جيلاً بعد جيل يتغذى على روح شعره الملهب الملهم لشعبنا الفلسطيني، فهو من قال "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدا".
وأضاف إنه ناضل حتى استشهد في معركة الشجرة عندما كان يناضل ضد الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية وسنه لا تزيد عن (35) عاماً، وترجمت غالبية مؤلفاته للغات عالمية واطلع عليها كتاب كثر.
وفي استذكار غسان كنفاني، قال إن العدو الصهيوني استشعر خطورة هذا الكاتب وخطورة قوله، ولذلك خطط لقتله، وكان ضحية هو وكثير من الكتاب الفلسطينيين.
من جانبه، قال الشاعر مراد السوداني رئيس اتحاد الكتاب الفلسطينيين، أمين عام اللجنة الوطنية للثقافة والتربية والعلوم، إن الندوة تأكيد على أن شعبنا على قدر الفعل وعلى قدر التضحية والحضور، فنحن في ندوة بين شهيدين عليين بهيين نقيين: الشاعر الفارس عبد الرحيم محمود الذي طوبى له مرتين؛ مرة  لأنه قال وأخرى لأنه فعل، أما الشهيد الآخر فقد أرسى فعلاً باقياً بقاء الليل والنهار.
وقال إن عبد الرحيم محمود كان رأس جيل يجلي عن الأرض العدا، ولم يكن رأس جيل منكسر، بل اتخذ من جده المتنبي كل هذا الإرث الوهاج وهذا الميراث العاتي في الوعي الإنساني، واتكأ على هذه المقولة التي عارضها في كثير من قصائده الغزلية الثورية.
وأضاف السوداني إن الفتى لم يحمل راحه على راحته بل حمل روحه على راحته، وكان ثالث اثنين، بل كان رأس المثلث لأنه صدق وثبت القول بالفعل الناجح، فارتقى الشهيد الشجري، واستطاع أن يؤصل مبكراً للثقافة الفلسطينية وثقافة السلاح.
وقال: "عندما نستذكر هذا المؤسس الأول فإننا نقول إن شعرنا ما زال على طريق الأدب المقاوم على الرغم من التجريب، وما زالت الكتابة الفلسطينية تؤكد الحضور المقاوم ومقولة الحرية المشتهاة لواحدة من منبئي الشعرية الفلسطينية".
إلى ذلك، سلطت أ. نهى عفونة أستاذة الأدب العربي في جامعة القدس المفتوحة بفرع رام الله والبيرة، الضوء على جانب غسان كنفاني الكاتب العاشق، الذي ولد في عكا 1936م حتى استشهاده في العام 1972م، فهو يمثل حتى اليوم نموذجاً للكاتب النقاد.
وأضافت عفونة إنه استشعر قرب أجله فلم يبدد وقته فأثرى الأدب الفلسطيني بروائع مهمة لا تزال ترسم التاريخ الفلسطيني وتخطه حتى اليوم، ذاكرة عدداً من أعماله الروائية التي تنبئ عن وعي لا مثيل له، كذلك لا بد من التعريج على مجموعته القصصية الأخرى وكذلك فن المسرح، فقد كتب الرسائل أيضاً إضافة إلى الشعر والمسرح.
وتولى عرافة الحفل د. رسلان محمد، وحضر الاحتفال ممثلو الفصائل، ونواب رئيس الجامعة ومساعدوه، ومديرو الفروع والعمداء، ومديرو الدوائر والمراكز. 
وفيما يلي نص كلمة الطيب عبد الرحيم:

أخي وصديقي الدكتور يونس عمرو رئيس جامعة القدس المفتوحة
الأخ مراد السوداني الأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين
الأخوات والإخوة الأعزاء الأوفياء كل باسمه ولقبه،
أشكركم بداية جزيل الشكر على وقفة الوفاء هذه، التي تقفونها في ذكرى رحيل الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود والروائي غسان كنفاني، وإن هذه المبادرة من قبلكم، أيها الإخوة الكرام، لهي تكريم أيضاً لكل شهداء وشعراء وكتاب فلسطين ولحماة القدس والأقصى، فلكم من صميم قلبي خالص التحية والتقدير على هذه الالتفاتة، التي تقول فيما تقول بأننا على الدرب ماضون، ولإرث وعهود العمل والعطاء والتضحية، أيها الآباء الرواد لحافظون؛ نعم سنظل على الدوام نتعهد رياضكم ووصاياكم وعبير دمائكم الزكية، التي ستظل في رحم هذه الأرض، لتتجدد مروجاً موشاةً بالحَنّون والنرجسِ تغمرُ ربوعَ فلسطين.
كم هو جميل وبهيٌ وفاؤكم، أيها الإخوة، وأنتم تأتون هنا اليوم، لتحيوا ذكرى رحيل الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود، وتقاربوا بذلك أفعال شاعر سطر كلمته بالدم ومضى شهيداً، وأبقى لنا من بعده الذكريات، ولواعج الشوق والحنين، والطفولة المخضبة بمواجع اليتم وألم الفراق، الذي امتزج عندما كبرنا بالفخار والعزة وبالمزيد من العشق والانتماء لفلسطين.
وهكذا ستظل أجيالنا الفلسطينية من بعدنا، تحمل الراية، وتدافع عن إرثنا الحضاري والثقافي، وعن هويتنا ومقدساتنا وترابنا الوطني، لنجعل أحلام الشهداء والشعراء وكل من كتب لفلسطين بالدم حقائق ناجزة على الأرض، بقيام دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
تعلمون، أيها الإخوة، أن عبد الرحيم محمود كان ثالث اثنين في المسيرة الشعرية الفلسطينية في النصف الأول من القرن العشرين، وهما الشاعران عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) وإبراهيم طوقان، الذي نهل من نبعه، وتتلمذ على يديه، فقد اجترح هذه الجدلية الخلاقة الملتزمة حينما أَتبع القول فعلا، دفاعاً عن وطنه وهويته، لتظل فلسطين شامخةً أَنفةً وكبرياء بتلالها وجبالها ويانعةً خضراء بزيتونها وبرتقالها.
لقد قبض الشاعر الشهيد وغسان كنفاني مبكرا على جمرة النضال، وسخّر مقولته الشعرية كما سخر غسان كنفاني قصصه لتكون قنطرة العبور إلى أول الحلم وآخر النشيد الذي هو فلسطين، التي ما فارقت قلبها الذين عرفا طعم المنفى والاغتراب، فعاد عبد الرحيم محمود لوطنه فلسطين:
حملت على يدي روحي وقلبي وما حملتها إلا عتادي
جاءت شهادة الشاعر على تراب الشجرة، لتقول بأن الشعر فِعْلٌ كلَه، وهكذا جمع الشاعر الشهيد بين روحين مقمرتين في التراث العربي مستلهماً أبا الطيب المتنبي، وأبا فراسٍ الحمداني، فكان بحق ذلك الفتى الكنعاني، الذي توسم فيه والده الشيخ محمود عبد الحليم وأخوته وأساتذته ما توسم من ملامح النجابة والموهبة الشعرية، فتعهده في طفولته المبكرة بالتعليم والتهذيب، ونهل من معين النص القرآني، فنشأ الفتى مفعماً بحب لغته العربية ووطنه ودينه، وأخذ يقرأ لفحول الشعراء، صاقلاً تلك الموهبة التي منحه الله إياها بالتجربة الغنية، لتتفتق فيما بعد، ينبوعاً شعرياً فلسطينياً يرفد هذا النهر العظيم من الشاعرية الفلسطينية.
'حمل روحه على راحتيه' غير هيّاب ولا رجّاف:
أخوفا وعندي تهون الحياة وذلا وإني لرب الإبا
فما بين عنبتا المنشأ، وملاعب الصبا، وناصرة السيد المسيح، عبر الشاعر فضاءات فسيحة في العراق وسوريا ولبنان ومصر، لكن البوصلة ظلت نحو فلسطين:
تِلكَ أَوطاني وَهذا رَسمُها في سُوَيداءِ فُؤادي مُحتَفَرْ
مُنيَتي في غُربَتي قَبلَ الرَدى أَن أُمَلّي مِن مَجاليكَ البَصَرْ
كانت تسكنه سنبلات مرج بني عامر وموج عكا وشقائق النعمان في كل ربوع الوطن فاتجه نحو الجليل وبعد العديد من مواقع الفداء ومناقع الدم، يلقى في عام 48 ربه شهيداً على تراب الشجرة لتحضنه الناصرة ابناً باراً، كما حضنت توفيق زياد، تؤم ضريحه قوافل الصامدين هناك، تدعوا له بأصدق وأحلى الابتهالات القلبية وتستنشق من الزهور على قبره أريج التجذر والصمود والمناعة الوطنية.
فلروحك الرحمة يا أبي، وأنت ترقد هناك في الناصرة الحانية عليك، ونم هانئاً في مرقدك، فهاهم أبناء فلسطين يرددون أشعارك، وهاهم أحفادك من هذا الشعب يحملون الحلم في حقائبهم، ويحفظون أشعارك التي أصبحت وشماً في عقولهم وقلوبهم، يحيون ذكراك الباقية فيهم، حافظةً وصايا الشهداء، ومعليةً فوق الجباه والأرواح إرثهم العزيز، لتظل ذكراكم خالدة ورايات إبداعكم مناره أبداً وقَّادة شامخة.
لقد أحببتَ يا أبي، البلاد وأورثتنا حبها، وهي كما تركتها وكما تنبأت ببعد بصيرتك في كل قصائدك ما زالت تكافح، ماضية نحو فجرها الأكيد، الذي أطلق الشهداء شرارته الأولى منذ مطلع القرن الماضي، ونحن باقون على هذا التراب الوطني الفلسطيني، نزرع الأمل، ونحفظ للشهداء والشعراء وكل الرموز ذكراهم ومرابع صباهم، على أكتاف الجبال، وفي بطون الوديان، وفي السهول والمروج الفلسطينية الخضراء، وفي كل زقاقٍ وحارةٍ وشارع، وعلى جنباتِ كل بيدرٍ، لتظلَّ فلسطين عرساً ونشيداً، وجذوةً متقدةً لا تخبو، ونداءً لا يعيا في عشق الحرية والانعتاق.
فشكرا يا أبي على ما منحتنا من فضائل لا تغيب وشكرا لأنك علقت البلاد في أعناقنا قلادة حب وحياة وفداء، وشكرا لكم أيتها الأخوات والإخوة الأعزاء الأوفياء، على احتفائكم بذكرى رحيل الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود والكاتب الكبير غسان كنفاني، معا هدينهما وإخوانهما الشعراء والكتاب توفيق زياد وإميل حبيبي وحسيب القاضي وأبو الصادق ومريد البرغوثي وأحمد دحبور وعز الدين مناصرة وعبد الكريم الكرمي والقائمة تطول، وكل من ضحوا من أجل الوطن، على الوفاء لدمائهم والدفاع عن أحلامهم لتبقى فلسطين والقدس هي البوصلة والقبلة السياسية إلى الأبد ولينعم أولادنا وأحفادنا بالحياة الحرة الكريمة.