جامعة القدس المفتوحة

"القدس المفتوحة" تنظم ندوة لمناسبة الذكرى المئوية لميلاد الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود

نشر بتاريخ: 23-11-2013

نظمت جامعة القدس المفتوحة، يوم الاثنين الموافق ‏25‏/03‏/2013م، ندوة لمناسبة الذكرى المئوية لميلاد الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود، وذلك تحت رعاية أ. د. يونس عمرو رئيس الجامعة، بالتعاون مع اتحاد الكتاب الفلسطينيين، في قاعة فندق الزهراء بمدينة البيرة.
وافتتح الندوة عريفها د. عبد الرؤوف خريويش الذي أكد حرص جامعة القدس المفتوحة على المشاركة في المناسبات الوطنية والثقافية المختلفة، ومنها ذكرى ميلاد الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود، ثم رتل القارئ عمر عبد الله يوسف آيات عطرة من الذكر الحكيم، ثم السلام الوطني، فالوقوف دقيقة صمت وقراءة الفاتحة على أرواح الشهداء.
ورحب أ. د. يونس عمرو في افتتاح الندوة، بالسادة الضيوف، وعلى رأسهم أمين عام الرئاسة الطيب عبد الرحيم، والحضور الكرام، مشيرا إلى أن الجامعة تأبى إلا أن تكون حاملة راية شعبنا في ميادين التعليم والنضال، وقال: إننا نحتفل اليوم بالتعاون مع اتحاد الكتاب بالذكرى المئوية لرمز من رموز نضال شعبنا الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود، الذي عز نظيره في أيامنا الحاضرة، فهو شاعر قال قولا وصدقه، وكل كلمة قالها في شعره كانت حقيقة صدرت عن قلب سليم وعن إرادة فاعلة فطبقها حتى استشهد فكان مثلا لفارس الكلمة والسيف معا.
وأضاف أن الشهيد عبد الرحيم محمود سبق وقته، فله من القول ما توقعه حينا وتكرر في أحيان، وأكبر دليل في ذلك حينما خاطب الأمير سعود بن عبد العزيز زائرا متسائلا هل جئت تزور الأقصى أم جئت تودعه قبل الضياع، وكان ذلك عام 1935، وبالفعل، ضاع الأقصى بعد بضعة أعوام، في عام 1948، وما زال يضيع يوميّا.
وأوضح عمرو أن الشاعر عبد الرحيم محمود انتبه إلى أهمية الأقصى والمخاطر المحدقة به مبكرا، والعرب لا يلتفتون إلى الأقصى، وهذا الشهيد الشاعر درس اللغة والأدب وتلقى علومه في كلية النجاح الوطنية في نابلس عندما خرج من قريته عنبتا على أيدي أدباء وعلماء على رأسهم محمد فروخ والشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان وقدري طوقان، فضلا عن أنه خرج من بيت علم، وأبوه كان عالما في الدين ثم قام بالتدريس، وقد قرض الشعر صغيرا وكان يبث روح الوطنية وفلسطين والجهاد في أرواح تلاميذه حتى عين أستاذا في هذا المعهد.
وبعد اندلاع الثورة، ترك التدريس والعمل وانخرط في سلكها، وبعد ذلك هاجر إلى بلدان عديدة ثم عاد ووجد نفسه أنه لا بد أن ينفذ ما كان يتغنى به من شعر ومن حكم، فرمى نفسه وروحه التي حملها على كفه وخاض معارك كبيرة، مثل معركة بلعا ورأس العين، ثم صار قائد فصيل في جيش الإنقاذ وخاض المعركة مع زملائه وضحى بنفسه لفك الحصار عن المجاهدين في معركة الشجرة عام 1948، وهي القرية التي تكالبت عليها قوى الصهاينة، لأن طبريا وحطين تسقطان بسقوطها، وبعد أن تغلبت وحدات الصهاينة على وحدة عبد الرحيم محمود، استشهد ليدفن في الناصرة التي كان له فضل في الدفاع عنها وإبقائها تحت الحكم العربي في تلك الفترة.
وأضاف أن عبد الرحيم محمود ما زال يعيش في نفس كل فلسطيني ويردد شعره جيلا بعد جيل، فروحه ما زالت في قلوبنا وعقولنا نستلهم منها النضال والتضحية، وعلى رأس ذلك صدق الكلمة التي قالها عبد الرحيم محمود ونفذها على أرض الواقع خلافا لما يقال عن الشعراء أنهم يقولون ما لا يفعلون وفي كل وادٍ يهيمون.
في السياق ذاته، أكد أمين عام اتحاد الكتاب الفلسطينيين الشاعر مراد السوداني، في ورقة له حول المقاومة في شعر عبد الرحيم محمود "المقولة والتنفيذ"، أن الشعر لا يستقيم مع العبودية، وما قال عبد شعرا إلا صار حرا، والشعر صنو الفروسية، وهذا ما جسدته قلة في التراث العربي والإنساني، وأراني روح عبد الرحيم محمود وقد توزعت بين روحي أبي الطيب المتنبي وأبي فراس الحمداني، فحق لأبي الطيب الفلسطيني أن يكون زين الشباب.
 
وتابع السوداني أن محمود فتى الجبل شكل الضلع الثالث في الكتيبة المؤسسة للشعرية الفلسطينية المقاومة: إبراهيم طوقان، وعبد الكريم الكرمي أبو سلمى، وعبد الرحيم محمود، وأن الشاعر الراحل مثل علاقة الفلسطيني بالأرض. وقد قال الشاعر الفارس قولته لتلاميذه الذين علمهم حب الأرض حد الاشتهاء.
وقدم السوداني شعرا للشاعر محمود يحض فيه على الدفاع عن فلسطين، وقال مخاطبا الشهيد بعد مئة عام من جرح البلاد إن هذه فلسطين ما زالت على ذات النداء الذي وجهته لهذه الأمة التي تنتبه إلى الفلسطينيين يدافعون عن أرضهم، وأن أرضهم هي جوهر الحق والحقيقة.
وأكد السوداني أن الثقافة الفلسطينية ما زالت على جذر الشعر المقاوم سيرا على خطى الأوائل الذين منحونا القدرة على الفعل والمقاومة.
من جهته، قدم أ. د. فاروق مواسي ورقة بعنوان: "شعر عبد الرحيم محمود في ميزان النقد"، وقدم فيها قراءة نقدية تفصيلية تحليلية لشعر الشاعر الفارس عبد الرحيم محمود، وتناول بالشرح والتحليل نصوصًا من شعر الشاعر الشهيد.
وقدم أ. أديب رفيق محمود شهادة حية عن حياة الشاعر عبد الرحيم محمود، مؤكدا أن عبد الرحيم محمود كان ضابطا برتبة ملازم أول مع جيش الإنقاذ العربي، وبين أن عبد الرحيم محمود "أبو الطيب" كان رجلا يؤمن باختلاف الأفكار.
وأوضح أن عبد الرحيم محمود ناضل في الشجرة لوقت طويل وأبلى بلاءً حسنا ثم أصابته إصابة بليغة ولكن ليست قاتلة، وأراد الجنود أن يأخذوه من دائرة المعركة إلى الناصرة، لكن قذيفة عاجلته، فنفذ قضاء الله واستشهد الرجل، ليكون مكرما في الحياة والأخرى.
وأوضح أنه بالنسبة لعنبتا بلد الشاعر عم جو من الحزن الشديد بعد تأكيد خبر استشهاد عبد الرحيم محمود، وبعدها أقيمت صلاة الغائب على روحه وخرج الأهالي من الجامع بنعش مكلل في جنازة رمزية للشاعر المقاتل.
بعد ذلك عرض فيلم عن حياة الشهيد عبد الرحيم محمود، من إعداد وتعليق أ. عرفات الديك. وقدمت الشاعرة هلا الشروف قراءات شعرية من شعر الشهيد عبد الرحيم محمود. وقدم د. زهير إبراهيم أحد شعراء جامعة القدس المفتوحة قصيدة رثاء للشاعر عبد الرحيم محمود.
من جهته، ألقى الطيب عبد الرحيم كلمة رحب فيها بالحضور وشكر جامعة القدس المفتوحة على تنظيم هذه الندوة، معرباً لكم عن شكره على النهوض بهذا العمل النبيل الذي يعبر عن مدى وفاء هذا الشعب لأبنائه المخلصين، وقادتِه وأعلامِه ومبدعيه، الذين لن تُمحى صورُهم من الذاكرة بل ستبقى خالدة في وجدان الشعب والأمة أبد الدهر، اعترافاً وتقديراً لعطاءاتهم وتضحياتهم في سبيل وطنهم وشعبهم وأمتهم والإنسانية.
وتابع عبد الرحيم أننا "حينما نقف اليوم إحياءً لذكرى فارس ترجل، فإنما نحتفل بكل فرسان هذا الشعب وشموسه، الذين قضوا نحبهم شهداء لفلسطين، من أمثال إبراهيم وفدوى طوقان وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) ومحمود درويش وغسان كنفاني وتوفيق زياد وكمال ناصر ومعين بسيسو و(أبو الصادق) صلاح الحسيني، وأطال الله في عمر حنا أبو حنا وعز الدين المناصرة والقائمة تطول. ولفلسطين أن تفاخر بمناضليها ورجالاتِها الأفذاذ وعلمائِها الأجلاء وقادتِها الميامين، ومن بينهم هذا الفتى عبد الرحيم محمود، المناضل الميداني الذي ساهم في الحفاظ على الهوية وعلى الشخصية الوطنية الفلسطينية والقومية من خلال نضالاته ومقاومته ومن خلال كتاباته وأشعاره وقصائده، التي مثلت علامة بارزة في كفاح أبناء شعبنا وأمثولةً في تراث الحركة الوطنية التحررية الفلسطينية وخاصة قصيدة الشهيد التي يرددها حتى أشبالُ شعبنا وزهراتُه على مر الأيام (سأحمل روحي على راحتي)".
وأضاف عبد الرحيم أن العلاقة بين حياة الشاعر الشهيد وحياة شعبه ووطنه، علاقة جدلية، عايش المرحلة الخطيرة والدقيقة من تاريخ شعبه، وما ألمَّ به وبوطنه أمام ناظريه، الأمر الذي جعله ينخرط في خضم المقاومة مجاهداً في فترة مبكرة من حياته، فكان مثالاً للمناضل الوطني والقومي والإنساني الفذ، وكان قوله مصداقاً لفعله، وفعلُه مصداقاً لقوله، وعمل طيلة حياته على مقارعة المحتل والدعوة لكنس الاحتلال والاستعمار إيماناً منه بأن هذه الأرض لأصحابها الحقيقيين ومسيرتُه النضالية والتاريخية تشهد على صدق التزامه الأدبي والأخلاقي وعمقِ أصالة انتمائه لهذه الأرض وعشقهِ لها، والتي تجلى فيها إبداعه الفكري والأدبي والشعري والسياسي، ناهلاً من منابع التراث الأصيل لأمته. كما دافع الشاعر الشهيد عن قضايا الإنسان، وعن القضايا التحررية للشعوب المحتلة، ودافع عن قيم الحق والعدل والشجاعة، وعكس ذلك تشبعَه بثقافةٍ وطنية وقومية أصيلة، مستمدةٍ من سجايا وأخلاق شعبنا العظيم وأمتنا العريقة وعائلته الكريمة، وبرزت هذه القيم والسجايا في قصائده الملتزمة التي عبرت عن محطاتٍ كفاحية في مسيرة نضال شعبنا الفلسطيني والعربي ومقاومته للاستعمار والتي حفظ الناس معظمها عن ظهر قلب وتحول بعضها إلى أناشيد تساهم في التعبئة والتثقيف وفي بلورة الوجدان.
وختم الطيب عبد الرحيم كلمته بقوله: فلتسترح روحك في ملكوت بارئها، ولتهنأ وتزهُ في عليين، فها هو شعبك ملء العين والتاريخ يمضي محافظاً على بقائه ووجوده وميراثه التاريخي والحضاري، ويواصل مسيرة كفاحه مرفوع الهامة، يحث الخطى بعزيمة وإصرار في درب العزة والكرامة والسؤدد. وشكراً لك يا والدي لزياراتك لي بنفس الصورة التي رأيتك فيها آخر مرة بعد الصلاة عليك في أحد مساجد الناصرة والدم يزين ملابسك العسكرية، شكراً فقد هنأتني بالزواج، وتحققت بشراك لي قبل شهر بميلاد حفيدك البكر عبد الرحيم ووقائع أخرى كثيرة، وأرجوك يا والدي ألا تغيب عني كثيراً ولروحك مني ومن أخي ومن أحفادك ومن عائلتك ومن شعبك السلام. فنم قرير العين، فها هو شعبك، شعب الشهداء، شعب ياسر عرفات وعبد القادر الحسيني وفرحان السعدي وحسن سلامة وعبد الرحيم الحاج محمد وأبو جهاد ومنير شديد وبشير أبو تمام وباجس أبو عطوان والكرمي ثابت ثابت وغيرهم الآلاف، يعمق بذكراكم مناعته الوطنية ويسقي الجذور بأغلى الدماء وأعذب الأناشيد ويحفظ الرموز في الوجدان، وها هي بلادكم تستجيب لندائكم وتسقيكم ماءها غدقاً سلسبيلا، وشكراً لكم أخواتي وإخوتي في جامعة القدس المفتوحة وكل الحاضرين، وبوركتم وبوركت جهودكم في سبيل إحياء هذه الذكرى وفاءً وتقديراً للشهيد، فكل شهدائنا في قلوبنا جميعاً، وفي وجدان شعبنا، وسيبقون دائما جذراً حياً راسخاً وجذعاً صلباً قوياً يونع على مر الأجيال بأغصان خضراء باسقة يانعة، تعانق تراب وسماء هذه الأرض فكراً وروحاً وفداءً.