جامعة القدس المفتوحة

فهرس المحتويات

نشر بتاريخ: 12-09-2012

 فهرس المحتويات

كلمة رئيس الجامعة أ.د  يونس عمرو ........................................................ ?

كلمة الاتحادأ. وليد أبو بكر ........................................................................ ?

في منزل الشهداء (عبد الفتاح جلال حجازي)  ......................................... ?

أجزاء قلبي تحت المطر (رجاء صلاح أبو صلاح) ..................................... ??

رحلة مستقبلية إلى الماضي (جيهان محمد الزير) ................................... ??

عجوز في العشرينيات (إسلام ثابت مبسلط) .................................................... ??

على الطريق (سماح خالد دراغمة) ............................................................... ??

الجوهرة المسلوبة (آيات مروان غنام) ....................................................... ??

حق أم حلم (منى جميل الحايك) ................................................................. ??

عيون الوطن (ياسر عمر عمارة) ................................................................. ??

حلم بلا وطن (وسام نبيل المدني).................................................................... ??

من عطر النار إلى رحيل (تهاني فتحي سوالمه) ................................................ ??

حنين طفلة الصمود (إسلام خالد حريزات) ...................................................... ??

مذكرات ذكرى (عايدة عطا الله سويدات) .......................................................... ??

عاشقة خلف الكواليس (وفاء إبراهيم ابريوش) ............................................... ???

كف عدس (خلود موسى الدرابيع) .................................................................... ???

 


 

كلمة رئيس الجامعة

 أ.د  يونس عمرو

 

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يستطيع المرء أن يخفي سعادته، أو يكتم مشاعر إعجابه بصدور هذه المجموعة المتميزة، التي تفيأت ظلالها أقلام شابة واعدة من طلبة جامعة القدس المفتوحة، الذين فازوا في مسابقة القصة القصيرة، التي نظمتها عمادة شؤون الطلبة و دائرة العلاقات العامة ضمن أنشطتهما في خدمة القطاع الطلابي في الجامعة بالتعاون مع الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، وأطلوا من نوافذ هذه المجموعة المشرعة على عالم من الثقافة والإبداع، وسطروا على صفحاتها البيضاء ماجادت به  قرائحهم من نتاج قصصي يبشر بميلاد ثلة من القاصين المبدعين الذين سيكون لهم ? مستقبلاً- بصمات مميزة في مسيرة القصة الفلسطينية القصيرة ، التي شاب مسيرتها في الآونة الأخيرة قسط غير ضئيل من التعثر والركود ، وسيكون  لهم ?بعون الله- دور ملموس في ارتقائها وتطورها، إذا ما توافرت لهم سبل الدعم والرعاية والتشجيع، كي يتجاوزوا نقطة الانطلاقة الأولى، ليلجوا عتبة الإبداع، ويبني كل منهم عالمه الفني، ويشكل مفردات أسلوبه الذي يميزه عن الآخرين.

لعل أهم ما يشي به هذا الإصدار القصصي الإبداعي أن جامعة القدس المفتوحة تضيف إلى نجاحاتها المتألقة التي أنجزتها في المجالات: الأكاديمية والبحثية والتقنية إنجازاً لا يقل أهمية عن هذه المجلات، لاتصاله مباشرة بالطلبة الدارسين، ولا سيما مَنْ تنطوي دواخلهم على إمارات التميز والإبداع، ونزعة الانطلاق في آفاق الحرية المنشودة، والابتكار الخلاق، حيث أتاحت لهم فرص الولوج إلى عالم المبدعين دون حدود أو قيود، وفسحت لهم المجال  عبر منافذ الإبداع ومنابره في الجامعة للتعبير عما يجول في أنفسهم من إيقاع الفكر النافذ، والوجدان العميق الذي يتناغم مع قيم الحرية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، التي تشكل في مجملها جوهرالرسالة التي تسعى الجامعة لتحقيقها، انطلاقاً من مسؤوليتها الاجتماعية، ودورها الرائد في خدمة المجتمع الفلسطيني خاصة، والمجتمع العربي بعامة.

إنني إذ أهنئ الفائزين بالمسابقة، وأشكرالقائمين على إصدار هذه المجموعة على ما بذلوه تنظيماً وإدارةً وتحكيماً، لأرجو أن تتواصل جهودهم لنشر المزيد من إبداعات طلبتنا في النواحي الفنية والقصصية والشعرية وغيرها، وأؤكد لهم أن جامعتهم لن تدخر جهداً إلا بذلته في تعهُّد الناشئة من أبنائها المبدعين بالرعاية والتشجيع، وستشرع لهم الأبواب كافة للانطلاق في عوالم الضوء والشهرة المستحقة.


 

كلمة الاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين

أ. وليد أبو بكر

تنويهات على هامش النص

مسابقة القصة القصيرة بين الطلبة في الفروع التعليمية لجامعة القدس المفتوحة، التي دعت إليها الجامعة بالتعاون مع الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين (كجزء من بروتوكول التعاون الثقافيّ الموقع بينهما)، لم تحظ بالإقبال الذي كان متوقعا، فقد اقتصرت المشاركة على ?? مشاركة، مع تفاوت واضح في الإقبال، بين مختلف الفروع، وتفاوت في القدرة أيضا.

وقد يكون ربط المسابقة بحدث سياسيّ، رغم التوضيح الذي يخصّ حرية الاختيار، الذي ورد في الدعوة إلى المشاركة، سببا في قلة الإقبال، كما كان سببا في خروج نسبة كبيرة من القصص عن طبيعة هذا الفن، وتحوّلها إلى ما يشبه المقال السياسيّ، لأن من غير المقبول وجود شرط مسبق لأي إبداع. .

ولعلّ ما يلفت النظر في المشاركة، زيادة نسبة الطالبات عن الطلاب، ما يشير إلى اهتمام نسويّ متنام بالتعبير الأدبيّ عن واقع المجتمع. وقد بدا التعبير في المشاركات حادّا تماما، وبخاصة في تعامله مع المعوقات التي يضعها الاحتلال في وجه التطلعات الفلسطينية نحو الحرية، فامتلأت المشاركات بالشهداء، فلم تكد تخلو إلا نسبة قليلة من الموت اليومي؛ كما امتلأت بالمعاناة على الحواجز العسكرية، ومن مجمل ممارسات الاحتلال. وكان الشوق إلى القدس، ومحاولات الوصول إليها، جزءا لا يتجزأ من طموح الفلسطينيّ إلى دولة كاملة الاستقلال.

ما يلفت النظر في هذه المشاركات أمران على المهتمين بالرعاية الأدبية للشباب أن يولياهما عناية ضرورية، وبخاصة في الجامعات: الأول هو أن اللغة أداة الكتابة، ولذلك فإن على من يمارس الكتابة أن يتقنها، وهو ما كانت تفتقر إليه غالبية المحاولات، بما فيها الفائزة، أو المرشّحة للنشر، قبل أن يعاد التدقيق في لغتها لإصلاحها؛ والثاني هو أن كتابة القصة شيء، والحماسة للحديث عن قضية مهمة شيء آخر، لأن للقصة شروطها الفنية التي لا تنتظم إلا من خلال مزيد من المعرفة عن طريق القراءة.

مع ذلك، يمكن القول إن بعض المشاركات ينمّ عن موهبة غير خافية، لكنّ على أصحابها أن يدركوا أنها في مراحلها الأولى، وأنها تحتاج إلى كثير من الممارسة والتجريب، حتى تؤتي أكلها المنشودة. كما أن عليهم أن يدركوا أن تزكية مشاركاتهم لا تعني أكثر من تحميلهم مسؤولية كبيرة في تثقيف أنفسهم، وبخاصة في هذا الفنّ الصعب، من أجل أن يخدموا ثقافتهم الوطنية من خلاله.

نبارك للفائزين فوزهم، ونتمنى أن تكون هذه المسابقة فاتحة لسنة حميدة تستمرّ في الجامعات الفلسطينية، وفي المؤسسات الثقافية عموما، كي تساهم في تجديد الدماء داخل الإبداع الفلسطينيّ خصوصا، حتى يظلّ جزءا فاعلا في الإبداع العربيّ، وفي الثقافة العربية.


 

في منزل الشهداء

عبد الفتاح جلال حجازي

                                                                       فرع القدس 

 

 

ما تزال طفلة، رغم جرح قديم غائر تركته على خدها الأيمن سَقطةٌ على حجارة، تسبب فيها جنديّ لصّ قبل ثلاثين عاماً وهو يكسر باب بستان بيتهم الخشبي العتيق، وبالرغم من شيء من تجاعيد صنعتها مخالب حياة شرسة. هي ما تزال طفلة، وما أزال أحبّ وجهها الذي نادراً ما أتمكّن من ملاحقة أسراره.

ألمحها في توقيت واحد يتكرّر كلّ يوم، تسير مارّة من بلدتنا الصغيرة بزيّ مختلف، ألمس فيه أسلوبا قديماً استثنائيّا في جماله.

كنت أرغب في أوقات كثيرة في أن أحدثها. إنّ غموض إنسان فيه جاذبية ما، كثيراً ما يقصي الناس عنه إجلالا أو رهبة، ومع ذلك، فحلمهم في الرغبة في الاقتراب لا يذبل، بل على العكس.

أخبارها لم تكن بعيدة، فقد كنت أحبّ الحديث مع أمّها، معلّمة الرسم في مدرستنا الإعدادية، التي لم تتوقّف عن العطاء، بالرغم من أمراض كثيرة، والتي لم تقطع صلتها بمن تقول إنهم أولادها. أمّها كانت تعتبرها موضوع حديث ممتع. إنّها موضوعها، تفخر بابنتها ولو بدا أيضاً بعض القلق في حديثها أحياناً عن وحدتها بعد أن تركها خطيبها قبل الزفاف بأيام. مما كانت تذكره لي عن ابنتها: تودّعني في الرابعة من كل يوم، قائلة: ?أريد أن أتنفس بعض الحرية?،  ثم تغادر، تعود وتخبرني قصتها: ?قطفت في طريقي زنبقةً كانت مختنقة بين جذور ناتئة لشجرة، وأعدت زراعتها في حديقتي البعيدة?. وفي مشوار آخر: ?لمست ضوء القمر، غنّيت في غابتي القرمزية، ورقصت مع بشر أخذوا على عاتقهم صناعة البشر?. تحدثني أيضا مع عودتها: ?الفضاء هو مكان الحياة.? وتغيب عني لتسافر من نافذتها عبر أشجار حديقة المنزل أو ربّما إلى حيث القمر. في كلّ يوم لها قصة، أقرب إلى أن تكون لغزا منها لأن تكون قصة.

لم يعد هناك مكان لحبس فضولي، وعشقي لـروح ترقص على أوتار سحرية لا حدود لصداها. قرّرت أن أطاردها لأكسر المجهول؛ لأكتشف حديقتها، مسرحها وبيتها.

في وقت مرورها المعتاد تبعتها. كنت أطارد خطواتها من بعيد. دخلتْ إلى أسوار حديقتها، ثم توجَهَت إلى غرسة صغيرة، فتحَتْ زجاجة الماء التي تحملها وسقتها. بعدها ذَهَبت إلى شجرة كان جذع منها قد قطع، تحسسته بأصابعها، تحوّلت الشجرة إلى صديق يشعر بيد صديق تمتد إلى جرحه، وبكيا معا، عانقت الشجرة لدقائق، وتركتها لتجلس على حافة صخرة. حينها قررت أن أقترب أكثر لأشاركها. أحببتها أكثر وشعرت بأنّها مصدر ملهم يمكنه أن يروي ظمئي، أن يحلّ لي لغزاً. أحببت أن أكتشف أسرارها، وربما أخطأت عندما بدأت كلماتي الأولى معها: ?حديقتك هذه.. مقابر..?!

قاطعتني: ?هنا مصنع الحياة، ولكنك أعمى وأصم?.

كان ردّاً قاسيا، ولكن ملامحها لم تتغير في ردّها، ولم تخرج عن هدوئها المعتاد.

إنكِ تتحدثين عن الماضي، هنا يرقد أبطال نذكُرُهم ونحبّهم ونقدّر لهم دوراً عظيماً قدّموه، ولكنّهم انتهوا ورحلوا.

انتبه. أنت تتحدّث عن شهيد الحرية، حبيبي. صنع الحياة في الماضي بهدوء، واليوم يصنعها بصخب. اسمع! هل تسمع؟

بدأت مشاعر خيبة أمل تخدش قلبي: هذه التي تبعتها، تعيش في جنون هروب وخيالات. وقبل أن أقرّر العودة فاجأتني قدرتها على قراءة الأحرف التي خطت في عينيّ، بل أجابتني:

 لا. لا يجتاحني الجنون، وإنّما الحياة، لذا أبتعد كل يوم عن الموتى وآتي إلى حديقة الحياة، أعيش مع أحياء، أتحدّث مع كلّ ما هو حيّ بحنجرة أقوى، بلسان لا يتلعثم، وهو يصوغ عباراته لأشباه الأحياء. هؤلاء هم غرس الحرية، هم أمل الغد، وهم جسر الحياة الذي سوف تقطعه وأقطعه ربّما بتذكرتهم هم، وقد نتشرف يوما بأن نكون جزءاً من حجارة هذا الجسر العظيم. حديثي معهم مبعث حياتي، ولكن حياتي حديثا لها ألوان أخرى، فقد أخبروني أن الدنيا منهم حبلى بفيضان من الحرية، وفي شهرها التاسع تلد غدا. أنا سعيدة. أفكارك لا تعكر غبطتي.

نظرت إلى عينيها، ولا أذكر أنني رأيت شيئا غير فوضى لم أفهمها. سألتها وأنا حزين لحالها:

يتحدثون معك؟

حديثي مع حبيبي يتجاوز الكلمات إلى قصائد يخطّها بيديه نقوشاً يتركها على حجارة الحقل منحوتات. 

قاطعتها هذه المرة أنا: يخطّها؟!

 أخرجت من حقيبتها مجموعة من الأوراق البيضاء، وأعطتني إياها، قالت: اقرأ.

 أوراق فارغة من كلّ شيء. أعدتها إلى يديها وغيّر وجهي قبلته لتكون هناك دموع في عينيّ محبوسة بحكم العادة. انفطر لحالها قلبي، وفكّرت بألا أعود، وبأن أتراجع عن معرفتي بهذه الإنسانة.

ومرت سنين.

في بداية خريف، وأثناء عودة ابن الجيران، وهو في الرابعة عشرة من عمره، من المدرسة، استهدفته رصاصة أطلقت من خلف جدار مستوطنة قريبة مغروسة في البلدة التي أعيش فيها. حمل الجميع كفنه، وبعد أن تركه الأهل في مسكن الشهداء، وقبل أن أتبعهم إلى الخارج، لمحتها. إنها تسير بين القبور وكأنها ترقص، تضجّ الحجارة تحت وطأة حذائها، وتتناثر الأوراق الصفراء. وجهها لم يعد يخفي الابتسامة ويخفي الكشرة. أجد سعادة بادية على وجنتيها هذه المرة، وأسمع خفق قلبها الذي كان فوق ضجيج اهتزاز جسدها الهادر. يا لجمال الموسيقى التي تهتف بها، ولكن لغة الأغنية لا أفهمها. ذهبت أسألها بغير تلك الأنفاس السلبية التي طغت على حواري آخر مرة، رغم أن دقائق هي ما كان يفصلني عن وداع طفل إلى الأبد.

هل تثير حماستك زقزقات الطيور المهاجرة؟

لا، ولكن تأمّل: إنها تنشد أناشيد البقاء، فلم تعد هناك أيام تغادر فيها طيورنا.

أهو حفيف الأشجار إذن، وصوت ما تبقّى من الأوراق؟

كلا، فقد نامت الشجرات التي تقصدها. وهذه المرة نامت وهي تشعر بسلام لأوّل مرة.

ماذا إذن؟

أجابت باتزانها المعقد في بساطته:

تحسس الأرض. إنها تهتزّ وتهزّني معها. شهداء الحرية يهزّون الأرض بدبكتهم. إنهم بعناقهم ورقصهم ينثرون عطراً يشبه ذلك المنبعث من تلاقى عيدان الزعتر الغضة بالنسيم العليل. إنني أسمعها، أغنية لها مذاق خمرة الجنة، ولها جسد مثل جسد حبيبي، ولون أشبه بلون سماء هذا البلد. تحسس هذه الأغنية التي تغتسل من تحت جرس يقرع، رنينه يسمع في آذان العالم كلّه، الميت والحي. دقات الجرس الذي يسمعه العالم سمعته أنت. إنه: ?فلسطين فلسطين فلسطين فلسطين فلسطين فلسطين!? ويعلو الصوت أكثر.

يبدو أنني لا أشاركك هذه الرومانسية، ولكنني أحبّ أحلامك. حدثيني.

صمتت، ونظرت إليّ. لمست كيف عكّر كلامي شيئا من ملامحها. لمست صفعة من يدها، وعندما عرفت أن هذه الصفعة خيال ليس واقعاً حقاً، توجّعت أكثر، فقد رأيت أنها جعلت من وجهي أرضا بوراً لا تستحقّ بذاراً، ولو كان على شكل صفعة تحرّك فيه شيئا تريده هي أن يتحرّك.

بعد دقائق من صمت إنسانة تأبى أن يعكّر وقتها وقت دخيل، قالت: هل أنت مؤمن بالشهداء؟

قلت من قلبي: نعم.

ابتسمت مجدّداً ولمست يدي، فتغيرت الأشياء. يد من تلك التي لمستني؟ لم أعرف. أهي يد طفلة في الرابعة؟ أم هي أمّ لا متناهية الحنان؟ أم يد شهيد رطبة بدمائه؟ أم يد فلاح صلبة من حرث وزرع استمرّ ألف ألف عام؟ أم هي يد محارب فلسطينيّ قديم؟ أم يد إلهة من آلهة الأرض؟ إنها يد تنبض فتهزّني. هبّت معها نسائم عليلة حرّكت الأشجار، ونزل من السماء شيء أشبه بحبّات المطر الأولى. رفعت رأسي، بحثت عن الغيوم فلم أجد السماء زرقاء. عدت بنظري إلى الحديقة، حيث يسكن الشهداء،. تحطمت طبيعة المكان الباردة. عرفت أنني كنت أعمى بعد أن فتحت عينيّ لأول مرة، وبعد أن أبصرت لأوّل مرة: المكان يفيض حياة. شهداء يرتدون ثياب واجبهم الأخير الذي لم ينقطع. دماؤهم ما زالت تروي تراباً ندياً رغم الخريف. بعضهم في حلقة تدبك فرحاً وطرباً. شاب يتحسس أحافير جذع زيتونة قديمة بابتسامة أمل، وأحدهم يخرج طيناً من ألوان شتّى، ويرسم لوحة عنوانها طويل: ?ترابنا هو حقيقتنا وأزليتنا، وترابنا اليوم أطهر، ترابنا يبصر الحرية?. وهناك شهيد يفتح كتاباً كُتب عليه ?المستقبل?، وهناك طفل شهيد يكتب على جدار: ?مرحباً موسم الحصاد?.


 

أجزاء قلبي تحت المطر

رجاء صلاح أبو صلاح

                                                                              فرع طوباس

 

حينما طرقت الشمس الدافئة عينيه لتفتح لهما نافذة على يوم جديد، قطّب جبينه لحظة، ثم عاد ليفرده كصفحة ماء، انتظر هنيهة، ثم نهض من سريره متجهاً نحو صنبور الماء المتدلّي على الجدار الخلفيّ لبيته المتهرئ. فتح الصنبور ليغسل وجهه إيذاناً ببدء النهار الطويل، قطرة قطرة، ثم زمجر الصنبور ألا ماء فيَّ فاتركني وشأني. قطّب جبينه من جديد. أغلق الصنبور الفقير. ابتسم ومضى ليجعل مهمة غسل وجهه واجباً مفروضا على خيوط الشمس ذاتها التي أيقظته.

الساعة الآن السابعة وعشر دقائق. لم ينتبه إلى أن عقارب الساعة تلتهم الوقت. استلّ نفسه من المنزل بعدما ألقى نظرة على إخوته وأولاده: كانوا -كعادتهم- ملتصقين ببعضهم على الفراش الملقى في الجانب الآخر من الغرفة الواسعة الضيّقة، ليس من الحداثة في شيء أن تختلط أحاسيسه حين يراهم بين نظرات الوداع الأخيرة وتحية الصباح.

في الجهة اليمنى من المسمّى مجازاً ?منزلاً? سيارة مركونة، لونها أحمر معفر. قفز إليها منتشيا. ربّت عليها وقال: ?أوه صديقتي، تبدين وقد أخذت قسطاً جيّداً من الراحة، أنت دائماً والوجهة مختلفة، هيا بنا?.

اقتاد سيارته نحو مكتب الارتباط في المدينة المجاورة. أوقفها وترجّل داخلاً. وضع أوراقه على الطاولة ثم قال: صباح الخير.

الخير! من أين يأتي الخير؟

تفاءلوا به تجدوه.

(باستهزاء) إن شاء الله

أود أن استصدر تصريحا للعمل في إسرائيل.

صعب. الأوضاع هذه الأيام صعبة. كثيرون يريدون ذلك، وهم لا يسمحون إلا بالقليل.

لكنّ أوراقي جاهزة ومعي فاتورة ضريبية، وعمري فوق الخامسة والأربعين، ومتزوج ولديّ أطفال!

على أية حال، راجعنا بعد أسبوع،  لكن لا تأمل الكثير.

حسنا، إلى اللقاء.

مضى بسيارته ذات الشخير المزعج المتواصل عائداً إلى بلدته لا إلى بيته، واستقرت به في  نهاية البلدة. أوقفها مجددا ونظر إلى السماء: ثمة غيمة كبيرة في كبدها، أمعن النظر فيها علها تسقط عملا يدرّ أجراً ولو بسيطاً يعينه على نوائب دهره.

ها هو يراها تسقط أكواماً من التراب الأبيض الناعم والحجارة البيضاء الصغيرة والطوب الرماديّ المتوسط. هناك عمارة على وشك البدء في بنائها، لكن في مخيلته هو. أيام وأيام من العمل والعمل والعمل، ولا مجال ليستبد القلق من المجهول بساعات النهار الطويلة، أو حتى أحلام الليل الوردية. غرق في أكوام الإسمنت، لتنتشله قفزة قطّ على الحاوية المجاورة. قفز هو الآخر من خيالاته و صاح: ?ها... الخردة?!

لكن من أين يأتي بالخردة؟ من الممكن أن يقدّم له ?أبو محمد?، جاره البعيد، بعض المعونة في هذا. لقد سمعه مرة يتكلم عن ذلك مع أخيه.

طرق الباب فردت زوجته بنبرة حادّة: من هناك؟

أبو سعيد يا أختي، أبو محمد موجود؟

لا، ولن يكون موجوداً حتى أذان العشاء.

أخبريه أنني أودّ رؤيته في أسرع وقت.

حسنا، سأخبره.

كانت حادّة جدّا في كلامها، ولكنها أغلقت الباب بهدوء شدّ انتباهه.

المهم أن لا عمل الآن، ماذا سيفعل؟ يذهب إلى النوم طبعا!

ذهب إلى بيته ذي الباب الوهمي الشاخص للطارقين والمرحّب بالمارّين على اختلافهم، تركله الريح إن عصفت، وترعشه قبلات المطر الساخرة، لتترك الحالتان عليه بصمة مميزة تشبه اصفرار أوراق الخريف الساقطة، تحت تأثير نفَس الحياة الخفيف.

ما زال سعيد مستلقياً على فراشه. هو ليس نائماً الآن، لكنه كعادته شارد الذهن، يحدّق في السقف. نظر أبو سعيد إلى السقف أيضا فلم يجد شيئاً مثيراً للانتباه. قال له: ?إلى أين وصلت اليوم يا بني؟?

لم يجب، إنما اغرورقت عيناه بالدمع وأدار وجهه يمنة قليلاً، فأدرك أبوه أنه على حاله لا يزال. استلقى إلى جانبه. أدخل يده تحت رقبته وضمّه إليه. كانت شهقة سعيد سكّيناً مضى إلى قلبه، وطعنه بقوة. لم يستطع حبس حزنه الذي ظهر في نبرة صوته:

ألم تجد عملا اليوم؟!

بحثت في المزارع المجاورة، حتى في المحجر البعيد عن قريتنا، ولم أجد.

أعلم ألا أحد يستحقّ أن يكون طبيباً أكثر منك. لا تيأس. صحيح أنني بالكاد أستطيع تأمين بعض حاجاتنا الأساسية، لكن قد تتحلحل أمورنا في المستقبل القريب.

كل منهما الآن غارق في صمته وأحلامه حتى استرق النوم أبا سعيد وهرب به.

 حتى المساء القادم، بخطوات اللهفة والترقب، انتظر أبو سعيد قدوم جاره. الليلة اليوم حالكة على غير عادتها. ظلمة رهيبة في وسطها قمر محمرّ يزداد احمراره مع ازدياد منسوب التأوّه والترقب في مخيلة أبي سعيد. شعر بأنه ينظر إلى قلبه تحرقه عقارب الساعة التي بالكاد تنتشل أقدامها مع حاشية من القيود التي تكبّل حركتها حتى يختبئ القلب خوفا وراء الجبل، أو ينتثر رمادا في الوادي.

برغم حلكة الليل الشديد، تمكن أبو سعيد الذي تسمَر خلف نافذته من رؤية ?أبي محمد?، فاستوقفه مناديا، وخرج إليه تدفعه لهفته بخطوات متلعثمة لا واعية. صافحه وسأله عن حاله وعن عمله، ثم كاشفه برغبته وحاجته الملحّة لأي عمل، وعرض عليه أن يعمل معه في جمع الخردة.

قبل أن يوافق ?أبو محمد? أوضح له أن هذا العمل غير متوافر دائما، وأوضح مخاطره وهي الأهم: قد يذهب أحدنا إلى هذا العمل من أجل مال، فلا يعود بمال، بل يعود محمولا على أكتاف زملائه.

مهما تكن ظروف العمل سيئة، فلن تكون أسوأ مما هي عليه الآن.

صافحه مودّعا بعد أن اتفقا غلى اللقاء في ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي عند آخر الشارع. وقبل أن يذهب ذكره بأن يأتي وحده.

عاد أبو سعيد إلى بيته منتشيا وكأنه وجد ضالّته التي شقي في بحثه عنها.

وبعد أيام من العمل توافر في جيبه مبلغ من المال أغراه بأن يستغرق في تفكيره أكثر، ليطلب من ابنه مرافقته في العمل، لأن أحد العمال سيتغيب لفترة من الوقت.

تسلّلا من البيت إلى الشارع المبلل بالبرد والمطر ليلتحقا بسيارة أبي محمد. ركب أبو سعيد وأركب ابنه إلى جانبه وأغلق الباب، وأغلق قلبه على قلق كبير، فهو لا يدري أحمل ابنه إلى خيره أم إلى نعشه. ظلت هذه الأفكار تساوره كلّما نظر إلى وجه سعيد أو أحسّ بكتفه تلتحم بكتفه.

توقفت السيارة معلنة الوصول، آمرة بالنزول، فانتشروا يطوقون أكوام الحديد والخردة، لكن أبا سعيد أبقى ابنه إلى جانبه حيثما توجّه. كان صيد العمال ثميناً هذه المرة، فجمعوا ضعف ما يحملونه في كل مرة، واضطروا إلى نقل البضاعة على مرحلتين. توجّه باقي العمال في المرحلة الأولى ليبقى سعيد وأبوه حول ما تبقى من الخردة المجموعة. نال التعب من أبي سعيد ليسلم نفسه للراحة قليلا، أما سعيد فدفعه فضوله لاستكشاف المكان من حوله، فأخذ يتجوّل في المكان باحثا عما لا يعلم. وفي جانب هناك رأى شيئا غريبا تأمله من بعيد ثمّ اقترب منه، ولكن خطواته لم تصل. علا صوت في المكان وتطاير كلّ شيء حتى عقل أبي سعيد الذي أخذه هول الصدمة كأن القيامة قامت من حوله، ففزع يركض في المكان جيئة وذهابا، باحثا عن سعيد خلف كلّ شيء وتحت كلّ شيء، يحاول الصراخ لكنّ صوته انحبس في جوفه، وأعاد إلى نفسه أنفاسه وإلى قلبه دقاته صراخ تسلّل من حيث لا يدري: أبي... أبي!

اقترب من مكان الصوت عارياً إحساسه من أيّ شعور بالموجودات. ارتدى ثياب الخوف والصمت، حتى إنه لم يدرك كيف اختلط عرقه المتصبّب من جسده بعرق السماء المنسكب على جسد الأرض، ليتحسس وجهاً فيه فم فاغر، وجسماً فيه قلب لا يقوى على التوقف. شرارة السماء أعطته ضوءا ليرى الأحمر فقط. مع اللاشعور حمل ابنه، ومضت به خطواته ليوقفها ضوء سيارة قادمة من البعيد. رباه، أتكون سيارة الإسعاف؟ أأقدر أن أشير لها بالتوقف؟ أين أضعه؟ لو أن لديّ فأساً كبيرة الآن أشقّ بها صدري فأخبئه ليضمد قلبي جرحه، أو أنني أقوى على الاستيقاظ على فجر جديد أقبَل عتباته هانئا بسلامة سعيد.

يا إلهي، ماذا لو كانت سيارة مستوطنين، أو أنها ناقلة جنود؟ أتخبئني تلك الشجرة في أحضانها؟! شرارة السماء جاءت في وقتها لتمنحه القدرة على أن يرى عبارة ?القدس ـ بيت لحم? على زجاج السيارة المارّة. إذن فهي سيارة عمومية لعرب. صرخ. ماذا قال؟ هو لا يعي ذلك، لكنّ السيارة توقفت وأقلّته هو وابنه. حاجز عسكريّ في الطريق المقصود، فلا بدّ من المرور بطريق التفافي كي يصل إلى أي مركز صحيّ ليعالج ولده.

أرخى ظهره على الكرسيّ متنهّداً وصوت الانفجار ما زال في رأسه، ورائحة الدم تتدفق في أنفه لتفسد عليه رائحة المطر. نزل من السيارة على باب مستوصف القرية. كان سعيد قد أسلم نفسه لغيبوبة تظاهرت بالموت، وخطوات أبيه المثقلة بالندم تتسارع لتمسك بالمتبقّي من حياة ولده الهاربة، وأصوات اثنين يتصايحان من خلفه: بسرعة، بسرعة، إسعاف.

وضع ابنه المنهك على السرير. أدرك حينها أنه حينما لملم ولده المصاب نسي في الخلاء ساقه وأتى دون أن يصطحبها. برز سؤال يحيّر ذاته: هل اختصرت روحه طريقها وتسلقت حبات المطر نحو السماء؟!

الليل الموغل في هجومه، وزخّات المطر التي تتساقط على الصفيح الذي يغطي ناحية صغيرة من فناء المنزل اصطحبا معهما ريح الخوف ونذير الشؤم، لتبقى أم سعيد في منزلها مترقبة قدوم زوجها وولدها. كان شعورها مختلفا عن سائر أيام حياتها، مع أنها تعرف أن المخاوف هي ذاتها في كلّ يوم. مضى الليل حاملا ثوانيه الطويلة ليأتي الصباح  والخوف و الترقّب في ازدياد.

روح أبي سعيد التي كانت نتفاً، كلّ واحدة منها في زاوية عمياء من زوايا فكره، أصبحت كلا مجتمعاً بمجرّد أن أفاق سعيد من غيبوبته. جراحه التي فقد معها كثيراً من الدم أوقفت دفقها الآن، أما حالته فقد كانت تستدعي نقله إلى مركز صحيّ متخصّص، أو مستشفى متطوّر.

من وسط ركام الأوهام التي عاشتها أم سعيد في يوم كان أطول من عمرها كلّه، انفجرت الحقيقة المدويّة كانفجار اللغم في جسد سعيد. أثر الصدمة الواضح في تعابير وجهها أسكت كلماتها، وباتت مستعدة لأي عمل يساعد في الإبقاء على حياة ولدها.

انتظر أبو سعيد ثلاثة أيام كي يحصل على تصريح يسمح له بالدخول إلى مدينة القدس لعلاج ابنه. فجاءته أخبار لا تسرّه أبدا: حصل على تصريح لدخول ابنه، بينما هو ?مرفوض أمنيا?. ساعات وساعات وهذه العبارة تجول في فكره وتنبثق من لسانه. دخل على زوجته التي كانت تسقي ابنها إناء ساخناً من المرق. لم تستطع أن تستنطق ملامحه كعادتها.

أم سعيد، اتبعيني.

دخلا الغرفة الأخرى، نظرت إليه وقالت: التصريح؟!

حصّلنا تصريحا لسعيد، أما أنا....

ماذا؟

ردّ بصوت خفيض:

ممنوع أمنياً!

والآن؟؟

لا أدري، أمامنا يومان، يومان فقط.

أقبل الليل مسرعا، وظلّ النوم مجافيا، وكلٌّ جنَح إلى فراشه هرباً من البرد القارس، وأيضا من النظرات والأسئلة المسمومتين بالحيرة و الخوف. فجأة قالت أم سعيد بصوت عال: أنا!

ماذا أنتِ؟

أنا أذهب معه.

وأنا؟!

لن يسمح لكَ بالدخول.

أنا أخاف.

منذ عشرين عاماً وأنا زوجك، فلتثق بي.

لا ثقة تضاهي ثقتي بكِ، لكنني أخشى أن تصابا بمكروه.

لن يحصل أسوأ من هذا!

بعد مضي يومين، دقت الساعة الخامسة صباحا، وأزفت الدقائق المرتقبة. حزمت أم سعيد ما يلزمها واستعدت للذهاب.

الشمس التي لم تطلّ على ذلك المنزل بعد، لم تكن قد غادرت أفق أبي سعيد منذ ثلاثة أيام. شعر بأن سيارة الإسعاف أقلت أشلاء قلبه. حزنه لذهابهما كان مساوياً لسعادته بميلاد أمل جديد في حياة، ربما تكون أفضل لولده، وهو مكافئ لخوفه من دويَ جديد، فهو متيقن من أنه لن يستوعب المزيد من الصدمات.

أراد أن يودعهما، لكن كفيه العريضتين أخذتا في الاضمحلال خجلاً، ونَفَسه المتسارع أنهك دقات قلبه، والسيارة الآخذة في المضيّ ابتلعها خط الأفق.

جلست إلى جانبه على السرير البالي، أحست وجهه بحنو الزوجة الدافئ، ملابسها البيضاء الناصعة أثارت إعجابه، أخذت منديلها من رف خزانتها وذهبت من بياضها إلى بياض النور القادم من شقّ الباب. لم تكترث لنداءاته. نظرت إليه مبتسمة. مدّت يدها برفق، وسحبتها برفق ثم ذابت في النور.  فزع من نومه، تفقد منديلها فوجده  في مكانه: ?آوه، لقد كان ذلك حلما?!

كان الليل على وشك الانتهاء. لفَّ سيجارته وأخذ يدخن، كان بوده لو يشكّل الدخان صورتها فيحيطها بالحب. أنهى سيجارته، لكن الدخان يأبى عليه ذلك، أشعل الثانية والثالثة، وحاله على حاله. أخذ علبة السجائر وسحقها بغضب، ثم عاد ليستلقي مجددا.

حينما طرقت الباب جارته أم أكرم ـ التي تكفلت بإعداد الطعام لأبناء أم سعيد حال ذهابها إلى القدس ـ نهض أبو سعيد من نومه. حيا جارته وشكرها على جهدها. أخذ منها وعاء الطعام ووضعه على الطاولة الصغيرة أمامه. كان جائعا جدا، لكنه لم يستطع تناول الطعام، فانتظر قدوم إخوته وأبنائه.

بعد تناول الطعام، جلست ابنته تقرأ قصة ?رجال في الشمس?. كانت الشمس تحاول النظر إليهم فمنعتها من ذلك سحب السماء السوداء المتراكبة. نسجت أفكار أبي سعيد خيوطها لتكون قصة عن ابنه وزوجه، ظنّ أن باستطاعته أن يسميها ?أجزاء قلبي تحت المطر?. حكايته اتسعت حتى غطت أفق السماء المترامية أطرافها إلى حين بزغت من قلبها أم سعيد في بياضها ذاته، لكنّها الآن تسند إليها سعيداً الذي قدم بساق واحدة وهو يرتدي ثياباً زرقاء صافية يعلوها ثوب الطبيب الأبيض الرائع.

انشرحت ابتسامة عريضة على وجهه مبتهجاً بقدومهما.

بابا بابا، حقا لماذا لم يطرق أحدهم جدار الخزان؟!

لأنهم كانوا خائفين.

لكنهم ماتوا جميعا!

ذاك قدرهم يا ابنتي.

عندئذ كانت الغيوم قد أطلقت سراح الشمس لتمنح للخضرة رونقها و نضارتها. خرج أبو سعيد من منزله. ساقته حيرته نحو سفح الجبل المطلّ على بيته. أخذ يتأمل العجوز ابن السبعين عاماً وقد مد الجبل يده ليرفعه على ظهره. كان العجوز يحمل زهرة الجلنار وينظر إليها بدفء وعمق، وينظر فيما حوله ثم يعود إليها، ينقل نظره بين أرضه مسلوبة والجلنار في يده. ها هو الآن في غمرة ما يجري حوله يشاهد مستقبله وأولاده نائيا مغمورا بالمجهولات، لكنه بوضوح صارخ يشاهد الجبل الذي يرفعه بكلتا يديه ليوصله إلى عنان السماء، والسهل الذي بسط جسده معلنا آيات الطاعة والولاء. وبين حاليه هذين لم يشعر إلا وقد انفجرت شاعرية وجدانه وعقله وروحه  فأنشد لنفسه و للأرض:

الأرضُ ملكي

كيفَ استجدي حقوقي ثم لا أعطى

ويمنَعني الجنودُ عن الحنين

أترى سأتركُ جنّتي خلفي

وأتركُ في ثناياها شجيراتِ الحروف

قصتي... وقصيدتي... وأنا

من ثمَّ أطفئُ بعد ذلك ناظري

وعلى الحدودِ...

أكونُ قد أنسيتُ كلّ غرامِها

التين، والزيتون،

والرمل المقدس في شواطئها

أترى سأمسحُ من سنيني كلّ تاريخي

وأصبحُ سطوة الحرمان في جسد

 تمشّى بين أكوام البشر

وأقولُ في نفسي مصيري إنه....

من ذا يقول بأنه

غلب القدر؟!

 

 

رحلة مستقبلية إلى الماضي

جيهان محمد الزير

                                                                            فرع دورا

 

بكل شوق يحدوه الأمل في عالم جديد، انطلقت مركبتنا تخترق الآفاق، تمخر عباب السماء إلى عالم رحب جديد، مليء بالمغامرات والدهشة، وفي جوّ تلفه كبرياء العلم الإنساني، ها نحن نواصل المشوار في رحلتنا الفضائية الأولى إلى ذلك الكوكب اللامع الذي نعتقد أنه مأهول بالسكان، مجرّد اعتقاد لا يمنعنا من اكتشاف الحقيقة؛ فبعد عديد من التجارب والصور التي أرسلت من الأقمار الصناعية، والمركبات غير المأهولة يتوقع أنه توجد آثار لحضارة قائمة على ذلك الكوكب البعيد.

إننا ننطلق في هذا الصباح غير العادي من ???? ميلادي، حاملين آمال أهل الأرض في التعرّف إلى أناس، أو لنقل مخلوقات جديدة في عالم الكون الواسع.

سرنا، والأيام والشهور تتوالى ثقيلة إلى عالم المجهول. رحلتنا قاربت على إكمال نصف السنة. كم أشعر بالملل والكآبة، فهذه النوافذ لا تتغير مناظرها: عتمة وأنوار بعيدة بعيدة.

كلّ هذه المشقة والعناء يهون لحظة اللقاء، لقاء ذلك العالم الآخر، لقاء ذلك المجهول. مضت الساعات والدقائق رتيبة وأنا غارقة في أفكاري، لم يقطع روتينها سوى إعلان قائدنا عن مفاجأة اقتراب الوصول. يا للهول! الوصول! إنها خطوة صغيرة للإنسان، لكنّها قفزة عملاقة للبشرية! ففي لحظات من السموّ الشعوري، وخوض اللامعقول، ها نحن نقترب من أجواء ذلك الكوكب.ها أنا أرى بعض ملامح ما يواجهنا. إننا نقترب وقلبي يكاد يطير من شدة اللهفة، لأرى سكان هذا المكان الغريب: فهل تحقق حلم أهل الأرض في الاتصال بعالم آخر؟

وسط هذه المشاعر المتدفقة بدأت مركبتنا هبوطها شيئاً فشيئاً وقلبي يهبط معها من شدة الخوف. إننا نقترب من هذه المعجزة. يا لروعة هذا الجمال! نحن الآن، وقد أكملنا إجراءات الهبوط، نستعدّ لمغادرة تلك المركبة التي احتضنتنا سبعة أشهر إلا عشرة أيام سيراً بالسرعة الفضائية، كما تحتضن الأم جنينها في أحشائها، لا يمسّه سوء. زملائي أكملوا استعدادات الخروج، وأنا لشدة لهفتي أتقدّمهم بكل تفاؤل وحبّ لاكتشاف المجهول!

ها نحن نخرج الآن. يا إلهي! يا للجمال! إننا ندوس بأقدامنا أرض الكوكب المجهول، حاملين على أجسامنا معداتنا لتبقينا على قيد الحياة. لكن انظروا حولكم: لا وجود لأحد هنا، بل لا أرى أية آثار سوى ذلك العمران. دماغي سيتفجر من كثرة التساؤلات. أين الناس، أو أين السكان؟ أهم بشر مثلنا أم مخلوقات أخرى؟ ربما متوحشون، أو ربما مختلفون. صوت مدير البحث الكيميائي يوقظني من تساؤلاتي ببشرى تنبئني بنجاحات متتالية، إذ يمكننا إزالة أجهزة التنفس، فهذا الكوكب فيه كمية تقارب كمية الأكسجين، بل ومكونات الهواء نفسها للأرض، لا بأس بذلك. بشرى رائعة، ولكن ماذا أيضاً؟ جوٌّ كجوّ الأرض، يعني إزالة بدلة المحافظة على الضغط والتزوّد بالسوائل.

يا الله! هل أنا أحلم؟ إني أشعر وكأني على كوكبي الأرضي! يسألني زملائي عن سرّ استغرابي جوّ هذا المكان، فقد كنّا نتوقع مثل هذا الجو، وإلا ما غامرنا بأرواحنا وجئنا إلى هنا. ما بك أيتها الرفيقة المندهشة؟ ماذا أصابك؟ يسألونني، فلا أكاد أتكلم أو انبس ببنت شفه! يا لهول ما أرى! هذه الشجرة تشبه تلك التي كانت بجانب بيتنا، الذي يقبع على قمة تلك التلة الأرضية، إنها تشبه تلك الشجرة التي طالما تمرجحت بها وأنا في شقاوة الصبا.

رباه! ثبت لي قلبي حتى لا أموت من الصدمة، ولا أرى ما يجري هنا. صدقوني إنه ذاك المكان نفسه الذي كنت أعيش فيه. ذلك البيت يشبه بيتي. لا تندهشوا، فأنا من جزء يقع على شفا بحر واسع الأرجاء. أنا من الأرض المقدّسة كما تعلمون. وهذه التلة من تلالها، وذاك هو بيتي. يبدو لي أنكم لم تزوروا بلدي، ولكن هنا سوف تزورونها، هكذا يبدو لي!

تقدّموا معي: إن كل شيء ينطق هنا على هذا الكوكب ليقول إنه وطني، ولكن لحظة! سكان هذه البلاد الفضائية أين هم؟ ما هذا! إنها طفلة جميلة، ولكن ماذا تفعل هنا؟ إنها تقترب، وكأني رأيتها منذ زمن بعيد. إنها أوّل من ظهر من سكان هذا الكوكب الغامض. ها هي ترتدي ثوباً أزرق اللون وكأني أعرفه نعم المعرفة. إنه يشبه ذلك الثوب الذي أتذكّره لأن أمي اشترته لي قبل مماتها. هو نفسه! أعرف تفاصيله! أنت أيتها الصغيرة: أنا أناديك هل تسمعينني؟ تعالي (أشير إليها بالاقتراب) يا للقدر! إنها تسمعني، وتأتي تمشي بطفولة شقية: من أين أنت أيتها الصغيرة، وماذا تفعلين هنا؟! تجيب (...) ماذا؟! وتتكلّمين لغتي أيضاً! وتعيشين هنا في هذا المكان! زملائي يستمعون والذهول يعقل ألسنتهم! هذه الطفلة تحمل اسمي نفسه، وتفاصيل حياتي نفسها، فأكاد أقول إنها أنا! ولكن ماذا! إنها تصغرني بأعوام. آه، ويحي، إنها طفولتي!

ما هذا الكوكب يا إلهي؟!إنه كوكبي الأرض نفسه، النشأة نفسها، التاريخ والأحداث نفسها بل الرسل والأنبياء أنفسهم، الأشخاص أنفسهم، أهو نسخة فضائية لعالمنا الأرضي أم ماذا؟ هذا الكوكب ليس إلا صورة شفافة لكوكبنا الأرض. إنها معجزة حقاً، وإنها صدمة أيضاً أن أعرف أنّ أم تلك الصغيرة ماتت قبل بضعة أيام فقط. قلت في نفسي: لو أنني تقدّمت قليلاً لرأيتها، لرأيت أمي مرة أخرى! ولكن نسختها الأرضية توفيت، رحلت قبل عشر سنوات، ونسختها الفضائية رحلت قبل أسبوع. لن أراها ثانية! يا لهول مفاجآت هذا القدر! أكل هذا يحدث أثناء زيارة لهذا الكوكب؟

زملائي لم يصدقوا ما يحدث، أو لنقل إنهم قرّروا الذهاب ليبحثوا أو ليثبتوا دليلاً يقرب الحقيقة لأذهانهم. سافروا ليبحثوا عن نسخهم الفضائية، عن طفولتهم الجميلة، إلى قارات أخرى على هذا الكوكب؟ ليستعيدوا طفولتهم التي يعزّ عليهم فراقها.

بقيت مسمّرة مكاني لا أستوعب تلك الأحداث، أو ما يجري من حولي، أِشك في أنني أحلم، ولكن هذه هي الحقيقة، فهل أخبر تلك الطفلة من أنا، أو ما هي حقيقة مستقبلها، أم أتركها تعيشه لوحدها؟ أترك للقدر شأنه، وأعود إلى نفسي أحاول لملمتها بعدما تبعثرت كزجاج مكسور، كلّ قطعة منه تحمل جزءاً من الحقيقة التي أحاول استعادتها. شريط طفولتي يدور في عقلي. أشعر فعلاً بأنني على وشك الجنون.

أوه مهلاً، توقفي ( قلت لنفسي) إنني أريد العودة إلى وطني، إلى حياتي الجديدة. إني أحب المستقبل، ويكفي ما كان من رحلة الماضي!

استيقظي، هيا استيقظي!

تهزّني بعنف. ما بك تصرخين وتبكين؟! لقد خفت عليك كثيراً. لم أرك هكذا من قبل.

إنها زميلتي توقظني لنبدأ نهاراً جديداً في مسلسل الحياة الممتع.

ماذا؟ هل أنا على الأرض؟ هل كنت أحلم؟

أفرك عينيّ. أستطلع أجواء الغرفة. أنا هنا على الأرض. الحمد لله أني لم أغادرها. الشمس المشرقة، والعصافير المغردة، والفراشات التي تتمايل منتشية على أزهار حديقتي، كلّ هذا يؤكد لي أني هنا، في غرفتي على الأرض. لا مقارنة بين هذا وأجواء تلك المركبة الغريبة وذلك الكوكب العجيب!

قلت في نفسي: سأفتح التلفاز لأسترجع نفسي، لعلي أستطيع نسيان ذلك الحلم.

ماذا؟ إعلان عن رحلة إلى كواكب بعيدة، يريدون متطوّعين!

?


 

عجوز في العشرينيات

إسلام ثابت مبسلط

                                                                              فرع طوباس 

 

ما هذا؟ أين أنا؟ أنا بين جدران أربعة لا تتسع لأنفاسي. ولكن، آه نعم، لا لا، أشعر بأني إنسان ليس أنا. ماذا؟ ما هذا الهراء الذي أهذي به؟ من أنا؟

تلفتُّ حولي. ولماذا أتلفـَّت؟ وإذا بضحكة ساخرة تخنق أنفاسي. ماذا سأجد- إن تلفـَّت- غير حشرة تكابد هي الأخرى بصمت!

ومرَّ في ذهني شريط ذكريات أخذت، ذاكرتي تسترجعه رويدًا رويداً، كشريط تسجيل حقيقيّ، بعد إحساس بتعطـّل هذا الشريط، ولو جزئيًا. وأنـّى له يبقى صالحًا بعد الضربات القاسية التي تلقاها؟ ولكن صورةٌ واحدةٌ تأبى إلا أن تواريَ جثمانـَها برماد ذاكرتي، ليحتلّ طيفـُها مكانًا رئيسًا في هذه الذاكرة، أو شبه الذاكرة.

إنني أذكرها تمامًا، و كأن ذاكرتي صُمّمت على حجمها ومقاسها، فلم تعد تذكر سواها. تلك الصورة التي زرعت فيَّ معاني الإنسانية التي انعدمت أو كادت تنعدم في ذاتيَ السوداء.

ويأخذ الشريط يمرّ بسرعة خاطفة أولاً، ثم ما يلبث أن يهدأ ليعرض ما سجله بروية. وتسري في جسدي رعشة تهزّ أدقّ عضلاتي ومفاصلي.

كعادتي، كنت أتجوّل في مزرعتي الفسيحة، أتمتع بإحصاء أنفاسي وكأنّي قد عَدِمْتُ همّي، فلا همَّ عندي سوى هذه الطيور البلهاء التي تفسد ثماريَ الناضجة.

يا لشدةِ سذاجتي وغبائي. ما أشقاني. طيور!

وأنا غريقُ سذاجتي، إذا بامرأة تدخل المزرعة، تفسد عليَّ استجمامي. بدت كأنها لا تعرف أين تمضي. أخـَذَتْ تعبث بأطرافِ ورقِ الشجرِ وبتلاتِ الورد التي لامستْ أطرافَ أصابعِها، وكأنّ الورق هو الذي يفرض نفسه عليها ويدنو منها لتداعبه. توقـّفتْ هنيْهة، وكعادة أمثالي، تسلقتْ أناملي البندقية لتستقرّ على الزِّناد. انطلقت الرصاصة. أخطأتِ الهدف، وكأنها قد أبرمتْ اتفاقـًا، وأخذت عهدًا مع تلك المرأة بألاّ تمسَّها بأذى، مع أن المسافةُ بيني وبينها ليست كبيرة.

ما أشدّ حماقتي! لماذا أطلقتُ الرصاصة أصلاً؟ ربما يكون فعلاً لا إراديًا، فلا حرج! لكن المرأة لم تحرّك ساكنًا. أخذت أخطو بخطوات متثاقلة، وكأنّ شيئًا غريبًا يدفعني لهذه الخطوات. تسلّلَ صوت مفاجئ ليدخلَ أذنيّ: أنا إنسانة. اقتلني، هيا إن ِاستطعت!

دُهشتُ جدًا، بل اغتظت، إذْ لم تكلـِّف نفسها عناء الالتفات إليّ،  وكأنها تخاطبُ حجرًا أصمّ كالذي أمامها. وفاقمَ غيظي رنين صوتها الرقيق الحازم في آن.

قطع دهشتي إلى حين ما قامت به. أخرجت من شبه الحقيبة هُوِيَّتـَها وألقتها أرضًا. انحنيتُ بعد أنْ أخَذَتْ دهشتي محلَّها المعهودَ من جديد. أمسكتُ بالهُوِيَّة. الدهشة ما زالت، بل تفاقمت. إنها في العشرينيات من العمر. ووجهها يحكي الكثير الكثير. الخنادق بدأت في شقِّ طريقها عليه، وكأنه عاش سنين طِوالا.

هَمَسَتْ: اشتريتُ فرحتي من سوق السعادة. أنجبتُ طفلاً. ما كان له ذنبٌ إلا أنه كالبدر حُسْنًا. مزّقتْ جسدَه الصغيرَ رصاصةُ الاحتلالِ الغادرة.

والـْتـَحَفَ صوتـُها بحشرجةٍ، ليقوى رنينُه في أذنيّ، وكأنَّه أحَسَّ بما يهزُّ طبلتيْهما وخَبِرَه، فأخَذ يتدرَّجُ في سَكْبِ جُرَعته-عليهما- شيئًا فشيئًا، ويقويها خـَشيَة أنْ تأخذا مناعة.

تابعتْ تسديدَ طـَعناتِها، هامسةًً أيضًا: قبل أن يعلمَ أنه جاء إلى الدنيا يتيمًا، أطلَّ على دنياه البشعة بوجه بشوش، قتل حتى غريزة البكاءِ التي جُبِـِلَ عليها كلَّ صغير. وَيْحَ قلبي! أرادَ أنْ يختزِلَ سنينَ طفولته لأقصى حد، أن يعيشَ جمالـَها اللحظة بلحْظـَتِها، فما له ببكاء يسْـلـُبْه جمال اللحظات؟ ليتني أوهَبُ فلسفته- التي وُهِب- في هذه الحياة، فأتنصّلُ من دمعيَ الحارّ. أم أنـَّه أوْدَعَني غريزته، فلا مناص في الحالين!  وشاء القـَدَرُ ألاّ يكونَ حالُه بأحسن حالا من حال والده.

اشتريتُ سعادتي بثمَنٍ بخس. بل بلا ثمَن. لأبيعها بأبهظِ الأثمان.

أحسستُ ? حينها- بوخـْزاتٍ تغزو جسدي. ألم تجـِدْ سِواي كي تبثَّه همَّها! ألهذا الحدّ تكبرُ في أيام وسُويْعات قلائل؟ ثمّ لماذا أضعفُ هكذا، وكأني ذلك النبيل المفعمُ بأسمى معاني الإنسانية؟

ضحِكتْ ضحكة ًبدت كأنها تخنقها منذ زمن، تضارعُها تلك التي خنقتني آنفًا. حين بدأتْ ذاكرتي تجوبُ آفاق الخيال الموحش. إلى أن ارتـَمَتْ وردةٌ أمامَها، فانحنت لتلتقِطـَها وتعودَ من حيث جاءت متجاهلة وجودي. ودون أن تلتفتَ إليّ. كأنها لا تريد الالتفات إلى حشرة.

نعم حشرة.

لقد انتابني الشعور ذاته من قبل. الآن عرفت لماذا استسخفتُ نفسي حين تلفّتّ حولي وأنا بين هذه الجدران الأربعة.  ولكن الحشرة التي بجانبي لم تفعل شيئًا! أيُعقل أن تكون قد جاءت لتميتـَني لتحيا! أنا ما انحنيت إلا لأحملَ سنواتٍ مثقلة ً بالشقاء في ثوانٍ معدودة، أما هي، فما انحنت إلا لتحملَ الحياةَ التي ابتسمت لها للتـَّوّ، لتسدّ الخنادق التي شـٌقـَّت بسرعة. لتحيي الأمل رغم الألم.

لن أذكرَ سوى وجهٍ جميلٍ صفعَه الدهر. أما بالنسبة إليها، فستملأ حياتـَها صورةُ طفلِها المشرقة ُ أبدًا. طفلُها سعيدٌ ولا ريْب.

وتداعى صوتٌ قادم من بعيد: سيدي سيدي، أين أنت؟

همسْتُ في نفسي: لا أريد الخروج. أتريدُ أن تخرجَني من موت إلى حياة، أم من حياة إلى موت، أم من موتٍ إلى موت؟   

سجّانْ.. سجّانٌ يسجـِن أول مَنْ يسجـِن..

 نفســَه...


 

على الطريق

سماح خالد دراغمة

                                                                            فرع طوباس

 

كعادتي في فصل الصيف، أستيقظ مبكراً مع طلوع الفجر قبل أن تشرق الشمس وأجلس على سطح بيتنا المطلّ على معظم أجزاء مدينتنا، لأني أحبّ هذا الوقت جداً، فهو يشعرني بالراحة والأمل والسعادة، وأحس بنسمات الصباح الصيفية دواء لي من كلّ ألم، وفيها أملٌ لي لتحقيق نجاح أحلم به.

اكتشفت هذا الجوّ الممتع عندما كنت أدرس للثانوية العامة، وأعدّ نفسي للامتحانات الوزارية. لقد كانت من أجمل أيام عمري. صحيح أني لم احصل على المعدل الذي كنت أرغب فيه، ولم أدرك أهمية هذه المرحلة إلا بعد وقت من انتهائها، ولكني استفدت من تجربتي فيها أشياء كثيرة جدا. استفدت منها أن أكون جادّة وألا أضيع كثيراً من الوقت في أشياء لا أستفيد منها، وأن أجعل لكلّ شيء وقته. أدركت أني كنت فتاة مستهترة، ولكني عاهدت نفسي أن أكون منظمة، وأن أستغل وقتي من أجل تحقيق أحلامي التي حلمت بها منذ زمن، وتلاشت هذه الأحلام ولكنها عادت لتنير طريقي. لن أدع شيئا يقف أمام أحلامي.

صحيح أن كثيراً من الوقت ضاع، لكني سأكون في سباق مع هذه الأحلام، وأنا متأكدة من أني سأنجح، وفي الأيام القادمة سأحصل على ما أريد بفضل إرادتي.

والآن وبعد أن أخذتني ذاكرتي في رحلة إلى أيام مضت، وبعد تناول إفطاري وقليل من الدراسة، بدأ الناس بالذهاب إلى أعمالهم. لقد ذهب الطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم، والموظفون إلى وظائفهم والعمال إلى أعمالهم. بدأ صوت الضجيج بعد أن كان الهدوء في جميع أنحاء المدينة، وبدأت الأصوات تتعالى شيئاً فشيئا، هذا يصرخ على ابنه، وتلك تنتظر قدوم الحافلة لترسل ابنها إلى روضته، وهذه تنادي على جارتها لتشربا القهوة معا، والبائعون المتجولون شرعوا في القدوم إلى المدينة ليبحثوا عن رزق لهم فيها.

أجهّز نفسي لأذهب إلى جامعتي أنا أيضا، وألتقي مع صديقاتي ونتحدث بما يستجدّ من أمور، ونضحك ونمرح وندرس. نحن لا نهتمّ بالسياسة كثيراً، ولا نتحدّث عنها سوى ما يهمّ وطننا فلسطين، كأخبار الاجتياحات والإغلاقات وهكذا. وفي أغلب أوقاتنا نتحدّث عن أخبار الفن والفنانين والطبخ وأشياء أخرى كثيرة. وفي هذه الفترة نتحدث عن موضوع في غاية الأهمية ويهمنا جميعاً، وهو ما يشغل حديثنا منذ زمن. إنه موضوع يتحدث عنه جميع الناس، وهو استحقاق أيلول والتوجه إلى الأمم المتحدة للمطالبة بالعضوية الكاملة، وإعلان الدولة الفلسطينية.

لقد اقترب موعده لم يبق سوى يوم واحد. صديقات اليوم يتحدثن عن الاحتفالات والمسيرات التي ستقام تأييدا لرئيس دولتنا، وعن أنهن سوف يذهبن ليشاركن في هذه الاحتفالات، وأنا انظر إليهن بعيون حزينة وابتسامة خفيفة. نظرة الحزن هذه نابعة من  كوني لا أستطيع أن أشارك في هذه الاحتفالات التي ستقام، لأن قوانين أسرتي وقواعدها لا تسمح بمشاركتي، فالاحتفالات من وجهة نظرهم خاصة بالشباب وحدهم دون الإناث. الإناث يمكثن في البيت، ولا يجوز لهن المشاركة في مثل هذه الأمور. أمر غريب أنهم يسمحون لي بالذهاب إلى الجامعة وركوب الحافلة، ولكنهم لا يسمحون لي بالذهاب إلى تلك الاحتفالات. ما هذا المنطق الذي يفكرون به؟

سألتني إحدى صديقاتي في الجامعة: هل ستأتين اليوم أو غداً إلى الاحتفالات التي ستقام في وسط البلد؟ ستكون احتفالات رائعة. الكلّ سيذهب، وستأتي فرق فنية مشهورة إلى هنا. لا تضيعيها. احتفالات مثل هذه لا تتكرّر، وأحداث مثل هذه لا تتكرّر.

قلت: لا أعتقد ذلك، ولكني سأحاول إقناع والديّ لعلهما يسمحان لي بالمشاركة!

قالت صديقتي: ابذلي كلّ ما في وسعك لكي تأتي.

قلت: سأفعل، وسأحاول بقدر ما أستطيع.

وصلت البيت مبكراً، فهو لم يكن دواماً عادياً، بل كان هنالك تعليق للدوام في الجامعة، لأنه اليوم السابق للمناسبة. وجدت أمي في المطبخ كعادتها تعدّ طعام الغداء. كانت أمي متعبة، فقد قامت بأعمال البيت جميعها وحدها مثل جميع الأمهات. وبالرغم من ذلك بدأت محاولاتي إقناعها بأن أذهب مع صديقاتي إلى الاحتفالات التي ستقام. قلت: أمي، الكل يتحدث عن استحقاق أيلول والدولة، والأعلام تملأ الأمكنة. في التلفاز يتحدّثون وفي الشارع وفي الجامعات والمدارس، والجارات أيضا يتحدثن، بالرغم من أنهن لم يدخلن الجامعات، وحتى أنتم في البيت تتحدثون عنه أيضا. اليوم وغدا توجد احتفالات وسط البلد، وجميع صديقاتي ذاهبات. أرجوك أن تدعيني أذهب. هذه الفرصة لن تتكرر أبداً. اسمحي لي أن أعيش لحظات من السعادة وسط أهل مدينتنا ومع صديقاتي. أرجوك.

قالت أمي: لا، لن تذهبي. الشوارع مليئة بالشباب، ووالدك لا يقبل بهذا الأمر بتاتا.

حاولت مرات عديدة إقناع والدي ووالدتي ولكنهما لم يقتنعا. بكيت وصرخت ولم أتناول الطعام ولكن ذلك لم يغيّر شيئاً. وفكرت: هل هذه قسوة من والديّ أم أنها العادات والتقاليد؟

لم أفهم سبب هذا الرفض، وأنا أعيش أحداثاً متناقضة في حياتي اليومية: فالجامعة التي أدرس فيها مختلطة، وفي الحافلة قد يجلس بجانبي شاب. لماذا يسمح بذلك، ولا يسمح بالاحتفال؟

قلت في داخلي بعد أن استسلمت للأمر الواقع: ?المهم أن احضر لحظة الولادة ذاتها.  ليست المشكلة بالمكان. المهم أن أحضر الخطاب وأرى الشخص الذي سيطالب بحقنا كشعب من شعوب العالم.

ومضى اليوم بمشاقّه ومتاعبه وجاء اليوم المنتظر.

يوم الجمعة، الثالث والعشرون من أيلول، استيقظت مبكراً كعادتي. كان الجوّ غائماً على عكس اليوم السابق. حجبت الغيوم الشمس، وكان الجوّ بارداً قليلا، بالرغم من أنه من أيام الصيف الحار. اليوم الجمعة. يجب ألا تكون هناك تحرّكات كثيرة في المدينة، لأنه يوم عطلة، فلا مدارس ولا جامعات ولا حتى أسواق، إلا أن هناك صوت ضجيج، وهناك تحرّكات كثيرة.

بعد القيام بالأعمال اليومية المعتادة في يوم الجمعة، مضى نصف النهار. سيكون الخطاب في الساعة السابعة من مساء هذا اليوم في مجلس الأمن. الكل سيذهب إلى وسط البلد ليشارك في الاحتفال الذي سيقام، وسيحضر الخطاب هناك من خلال شاشات العرض التي أعدّت خصيصاً لهذا اليوم. الكل ذهب إلى هناك، الكبير والصغير والشيخ والعجوز والمرأة والفتاة؛ الكل، باستثنائي أنا. جميع إخوتي ذهبوا إلى الاحتفال، وذهبت والدتي لزيارة أحد الأقارب. طلبت مني أن أجهز نفسي لأذهب معها، لكنّي فضلت البقاء في البيت. قلت: ممتاز! بقيت وحدي. سأحضر الخطاب دون أن يشوّش عليّ أحد.

الساعة السادسة والنصف، أعددت الشاي، وجلست أمام التلفاز أنتظر الخطاب. أثناء الانتظار كنت أنظر إلى شريط الأخبار في أسفل الشاشة: المجلس الانتقالي الليبيّ يقصف كتائب القذافي. انفجار وسط بغداد. استشهاد شابّ فلسطيني على أحد الحواجز. وبين هذه الأخبار وتلك سرقني النوم وأغمضت جفنيّ.

وبدأت أحلم.

لم يكن حلماً عادياً، بل كان بشرى وعلامة. حلمت بأني ذاهبة إلى القدس مع والدتي للصلاة في المسجد الأقصى. وركبنا الحافلة التي كانت تنتظرنا في الموقف وأخذنا ننتظر باقي الركاب. امتلأت الحافلة بالركاب من مختلف الأعمار، ولا أحد يعرف ما مصير هذه الرحلة؟ هل ستنتهي بالدخول إلى القدس أم أن الاحتلال سيرجعنا؟

كان بين الركاب شابٌّ في العشرينيات من عمره، ومعه عجوز مصابة بالشلل، تجلس على كرسيّ متحرّك. الشاب يتحدث لأحد الركاب، يقول إن هذه العجوز والدته، وتريد أن ترى القدس لآخر مرة قبل أن تفارق الحياة. هذه أمنيتها وحلمها الأخير. والشاب لا يستطيع أن يرفض لهذه الأم طلبها، وجاء معها ليساعدها في تحقيق حلمها أن تصلي في المسجد الأقصى.

بعد أن سمعت قصة الشاب بدأت أنظر من النافذة إلى الخارج. شاهدت أشجاراً وشوارع وقرى ومدناً ومستوطنات. لا أخفي أنني لا أعرف أسماء معظم تلك الشوارع والقرى. وبالرغم من أن هناك لافتات مكتوبة عليها أسماء تلك الشوارع والقرى، إلا أن معظم تلك الأسماء كانت باللغة العبرية، وبخاصة تلك القرى والشوارع القريبة من الحواجز والمستوطنات الإسرائيلية. ولكني استمتعت بالنظر إليها.

مررنا عن حواجز كثيرة قبل مدينة القدس، ولكن المستغرب هو أنهم في جميعها جعلونا نمرّ بكل سهولة ودون مساءلة. وعندما اقتربنا من  مدينة القدس أوقفنا حاجز للجيش الإسرائيلي قام بإنزال جميع الركاب من الحافلة وأخذوا جميع الهويات. وبعد التفتيش الدقيق والوقوف تحت الشمس ما يقارب الساعتين، جاء جنديّ وقال لنا: غير مسموح بالدخول إلى المدينة. ارجعوا من حيث أتيتم!

ارتسمت ملامح الحزن واليأس على وجوه معظم الركاب، وحتى على وجهي أنا، وأصبنا بخيبة أمل كبيرة، ولكن سائق الحافلة، ممتلئ القامة، الجالس خلف مقود حافلته قال: ?سندخل يعني سندخل?! وذهب من طريق آخر. أخذ عديداً من الساعات، وفي النهاية دخلنا مدينة القدس. على بواباتها يقف جنود الاحتلال الذين يقومون بتفتيش الداخلين والتدقيق في هوياتهم، وقد يسمحون بدخولهم، وقد لا يسمحون. البوابة التي سنمرّ منها مليئة بالناس، مليئة جداً. نظرت إلى أمي وقلت لها: اليوم لن ندخل أبدا للصلاة!

ردّت عليّ: قطعنا كلّ هذه المسافة، لن يحدث شيء لو انتظرنا قليلاً من الوقت للدخول.

دخل معظم الركاب الذين كانوا معنا، منهم من مرّ خلسة، ومنهم من مرّ دون مساءلة، ومنهم من كان كبيراً في العمر فأدخلوه.

بقي أمامنا الشاب ووالدته العجوز المقعدة. قال جندي الاحتلال للعجوز بعد أن أخذ هويتها وهوية ابنها ودقق فيهما: ختيار بفوت، بس ابنك لا.

بكت العجوز: كيف سأدخل وحدي وأنا عاجزة مقعدة؟ هذا ابني جاء ليساعدني. لم يأت ليحارب!

أصرّ الجندي ألا يدخل الشاب مع والدته. نظر الشاب إلى والدته فوجد عينيها باكيتين، فهي تريد أن تدخل للصلاة ولا تستطيع وحدها. إنها بحاجة لمن يساعدها. من شدّة غضبه، صفع الشابّ الجنديّ صفعة قوية أوقعته على الأرض،  فجاء جنود الاحتلال  ليأخذوه، وراحوا يضربونه بشدّة ودون رحمة أمام والدته العجوز، فأخذت الأم تصرخ بأعلى صوتها: ولدي ولدي ولدي! 

واستيقظت على صوت الرئيس في التلفاز وهو يقول: نحن هنا واقفون. نحن هنا قاعدون. نحن هنا دائمووووووووووووووووووووووووون! 

لم أحضر الخطاب من بدايته، ولكني فهمت ماذا يعني أن تكون لنا دولة مستقلة.

بعد الخطاب سقطت أمطار خفيفة على المدينة، وبالرغم من ذلك بقي الجميع وسط البلد للاحتفال.

وهكذا أيقنت بأن حلم الدولة أصبح حقيقة، وحقيقة واضحة، وتأكدت من أنه لن يطول الاحتلال في وطننا، ومن أن أسوار الظلم هذه سوف تزول يوماً مع طلوع فجر جديد، طالما كان هناك من يطالب بحقنا، ويدافع عن أرضنا.

 


 

الجوهرة المسلوبة

آيات مروان غنام

                                                                                 فرع جنين

 

لن أنسى ذلك اليوم الذي توجهت فيه إلى القدس أبداً، لقد أراد لي أبي أن أكمل الحادية عشرة من عمري في القدس الشريف. عندما ركبنا الحافلة، أصابتني رعشات خفيفة غمرت قلبي بالسعادة والحماسة. ومع أن نار الشوق إلى الأقصى كانت تحرق قلبي، لكنّ هذه الرعشات نجحت في إشعاري بالسعادة والفرح الكبير!

لا أعلم ما الذي أصابني في طريقي إلى القدس. كنت أشعر بأن كلّ شيء يتكلم معي، يخبرني بشوقه الشديد إلى القدس والمسجد الأقصى. كنت أرى الأشجار تبتعد عني مسرعة، ولكنها تترك في أذني همسة شوق وتحية للمسجد الأقصى. كانت تقول لي: أحضري لي حفنة تراب من القدس أبارك بها جذعي وأحلّي بها ثمري.

وقفت الحافلة بالقرب من بيت قديم من أجل قسط من الراحة. دفعني منظر البيت القديم للنزول، وعندما اقتربت منه رأيت كتلة من النجوم اللامعة فوق بعضها بعضاً. كان المنظر غاية في الروعة. أسرعت إليه، فإذا بها زيتونة كبيرة تغطّي أوراقها قطرات الندى التي تلعب بأشعة الشمس الصباحية فتعكسها يمينا أو تعكسها يسارا. لقد بدت شجرة الزيتون كأنّها شجرة عيد الميلاد المزيّنة بالأشياء اللامعة والجميلة.

ألقبت تحيتي عليها، فاختلط صوتي بتغريد الطيور التي تملأ أعشاشها أغصان الشجرة وشبابيك البيت القديم. ردّت الزيتونة تحيتي كما تردّها جدّتي تماما. ثم وقع بصري على عش مليء بالفراخ الجائعة. كان منظرها محزناً. فاضت عيناي بالدموع عندما بدت لي الفراخ كأطفال غزّة المحاصرين. سألت الشجرة: هل كلّ هذه الأعشاش مليئة بالفراخ الجائعة؟

قالت: نعم.

قلت: فراخ مسكينة، أين آباؤها؟

أجابتني بصوت واثق: لا تقلقي يا صغيرتي، فالنهار ما زال في بدايته، ولا بد أن آباءها سيحضرون لها الطعام.

قلت في نفسي: هذه الفراخ محظوظة بالنسبة لأطفال لا يجد آباؤهم الطعام لأنفسهم حتى يطعموا صغارهم!

سألت الشجرة: هل أنت هنا منذ وقت طويل؟

قالت: نعم يا صغيرتي. لقد زرعني أحد أجدادك الفاتحين الأوّلين، وشهدت غزو الصليبيين لهذه البلاد المباركة.

ثمّ صمتت قليلا وأكملت: كذالك لا أنسى يوم تفيّأ بظلي صلاح الدين. لقد كان باسم الوجه لامع العينين فرحاً بنصر الله على الصليبيين.  

قلت بحماسة شديدة: لا أصدّق! هل رأيت صلاح الدين؟ آه ما أجمل حظّك! هل تعلمين أنني اليوم ذاهبة إلى قدس الصلاح؟

ردّت: هذا جميل، جميل جداً، طبعاً إن دخلت إلى القدس.

ـ جميل جدّا فقط! كنت أعتقدك شجرة حكيمة. ولكن ماذا تقصدين بقولك ?إن دخلت إلى القدس?؟ وهل يمكن أن أعود؟ لا، لا تكوني متشائمة هكذا. منذ قليل تكلّمت عن صلاح الدين وأمجاد الفاتحين، فكيف أصابك التشاؤم؟

قالت: أنا لست متشائمة، ولكنّهم لا يسمحون بدخول القدس.

أخفيت قلقي تجاه ما تقول. استندت إلى جذعها ولم أقفل قلبي في وجهها. قلت: كم رأيت القدس في حلمي! حتى وأنا مستيقظة كنت أبصرها بقلبي. في المدرسة كنت أراها على السبّورة. وفاجأتني بسمة خرجت من قلبي إلى شفتيّ وأنا أقول: سأراك اليوم يا قدس، ولن أرى سبورة المدرسة. سأحدّق في نقوش جدرانك، وفي زخارف قبّتك دون أن يطلب مني أحد أن أراعي الدرس، وحتى دون أن يتحادق أحد بسؤالي: بماذا تفكرين؟

قطع والدي سلسلة أفكاري عندما طلب مني أن أتوجه إلى الحافلة التي حان موعد انطلاقها من جديد. كانت علامات الدهشة تبدو واضحة على وجه أبي، وكثير من الأسئلة يدفع بعضها بعضاً، ولكنها تختنق في فمه قبل أن تخرج. كنت أعلم أن هذه الدهشة أصابت والدي عندما سمعني أتكلم، ولم يعرف مع من. كانت عيناه تجولان في المكان بتمعّن شديد، ولكنّه لم يجد زيتونة تبدو علامات الشيخوخة واضحة على جذعها، أو بيتاً قديماً لا يسكنه أحد سوى الطيور. قلت في قلبي: لو أخبرتك أنني أكلم الشجرة، فلن أستطيع رؤية وجهك من الدهشة. هذه الكمية منها تكفيك في هذا الوقت.

تذكّرت: لن أستطيع توديع الشجرة. نظرت إلى الوراء فقالت الزيتونة: اذهبي في أمان الله. إن دخلت إلى القدس فأخبريها أن طفلا صغيراً مرّ بجانبي البارحة، فرأيت فيه صلاح الدين. أقسم لك أنهما نفس العينين البرّاقتين.

ضمرت في قلبي أن هذا هو أول ما سأخبر القدس به. هززت رأسي ثم أكملت طريقي خلف والدي الذي سار دون أن يسمع حديث الزيتونة.

في الطريق، أعاقت حركتنا جرّافات صهيونية، ظننتها ذاهبة لبناء إحدى المستوطنات التي تخنق ذلك المكان.

غافلني النعاس وتسلل إلى عيني. وأثناء نومي حلمت حلما جميلا. رأيت القدس في حلمي. لم يكن عجيبا أن أرى القدس في حلمي، ولكن العجيب هو أنها هذه المرة كانت سعيدة، على عكسها في أحلامي، فالقدس فيها قد تكون طفلة استشهدت، أو أسيرة خلف القضبان، أو أمّاً فقدت ابنها، أو عروساً خيّم الليل على جمالها، فلم ير بهاءها ولا ذهبها ولا حتى ثوبها الأبيض. أما في حلمي هذا فكانت القدس أميرة حولها حراسُّها. كانت تدور حول نفسها فرحة بقدومنا وأبوابها مفتوحة لاستقبالنا. والغار فاحت رائحة أوراقه والسرو والصنوبر زاد شموخه، والزيتون فاح مسك الشهداء من جذوعه، والمآذن استقبلتنا بالتهليل والتكبير تدعونا للصلاة.

استيقظت مشحونة بالسعادة والحماسة، واختلطت مشاعري بعضها ببعض. شعرت بأن الحافلة تسير ببطء شديد، فطلبت من والدي أن ننزل ونركض باتجاه القدس، مبرّرة ذلك بأننا سنصل أسرع من هذه الحافلة. وقلت له: ثمّ إن هذا السائق بطيء جدا، ولا يعرف القيادة.

ضحك والدي وقال: اصبري قليلا، كدنا نصل.

ما إن تحرّكت عيناي حتى رأيت السائق ينظر إليّ غاضباً، ثم قال: ألا تعجبك قيادتي وأنا أمهر سائق في هذه المنطقة؟

ونظر إلى والدي الذي أدرك سوء الموقف وقال: أسكت ابنتك، فقد أثارت غضبي. ثم هل ترى الوقت مناسبا للثرثرة؟

جعلني والدي أعتذر للسائق، مع أنني لا أرى حاجة لذلك، ولكني اعتذرت عن رأي قلته بصراحة.

لم يكن الهدوء سائداً منذ فترة طويلة عندما قال السائق: وصلنا إلى القدس.

نظرت من حولي. لم أر سوى جدار من الإسمنت الأسود، منظره يبعث على التشاؤم، ورؤيته أسوأ من رؤية مائة جندي إسرائيلي معاً. لم أستطع أن أصمت، وأساسا لم أفكر بالصمت! قلت: أين هي القدس؟ لا أرى سوى جدار إسمنتيّ يشبه الأفعى السوداء!

قال السائق: وماذا تتوقعين أن تري؟

قلت: أن أرى جدراناً قديمة تحرس المدينة، لا جداراً يسجنها. أتوقّع أن أرى أضواء مدينة بهية. أن أرى القبة تتوهج. أن أرى أشياء جميلة تبعث على السعادة، لا أشياء تسلب السعادة والهناء.

قال السائق: عن أية سعادة تتكلمين؟ هل تتوقعين أن منظر المستوطنات المكدسة فوق بعضها بعضاً له أي بهاء أو رونق يبعث على السعادة؟ هل ترين أية راحة وقد اصطدمنا بمائة حاجز إلى الآن؟ يبدو أنك لم تري القدس منذ وقت طويل. حسناً، إن دخلت إلى القدس فسترين غرباناً سوداء في كلّ مكان، وسترين سلاحاً أجنبيا يسلط عليك في كل دقيقة. سترين البيوت المهدمة و...

قطعت حديثه: لا تقل إن دخلت إلى القدس. لن يردّني أحد عنها: هي عربية، وأنا عربية.هي فلسطينية وأنا كذلك. هي كلّ شيء بالنسبة لي.

وساد الصمت.

كانت كلمات السائق أول صدام بيني وبين الواقع المرير الذي طالما أغلقت عينيّ حتى لا أراه. في الطريق كنت أنظر إلى الأرض الفلسطينية تحت المستوطنات، أو إلى السماء العربية فوقها أو إلى الأشجار على أبوابها وأغلق عينيّ عن المستوطنات نفسها، لأني إن أدركت هذه الحقيقة فهناك ما هو ألعن منها يجب أن أقتنع به، وهو أني لن أدخل إلى القدس، لأني فلسطينية.

وصلنا إلى الحاجز الأخير، وكانت القدس خلفه. كانت قريبة جداً. ساد هدوء غريب في الحافلة، ومشاعر غريبة لا أعلم ما هي، ولكن، وبإشارة من جنديّ إسرائيلي عادت الحافلة إلى الخلف، ورجعنا عن القدس. كل أحلامي وكلّ آمالي لا تساوي الآن شيئاً عند قانون إسرائيلي حاقد لا يعلم مدى حبي للقدس وتعلقي بها، مثل غيري من أبناء شعبي!

لم أحتمل. الآن رأيت القدس أسيرة تماماً كما في حلمي، ولكنه ليس حلماً هذه المرة، بل هو واقع مرّ. شعرت بأنها أمّ عربية تحتاج مني إلى كلمات أعزّز بها صمودها إلى حين يصحو النوّم. لم أتمالك نفسي. صرخت من النافذة هاتفة: يا قدس الطهارة والصلاح، قسماً لن ينال منك هؤلاء الغربان! إني أرى البركان يشتعل في عيون أطفال الحجارة، وأرى الحجارة تعصر غضبا في أيديهم، وأراهم يصدّون مدافع الاحتلال بصدورهم العارية فداء لك، فاصبري إلى يوم ينتصر فيه أطفال الحجارة.

ولا أعلم هل سمعتني القدس أم لا، فعندما انتهيت كانت قد ابتعدت كثيرا. 

 عندما عدت عن مسرى الرسول، تملكتني مشاعر حزن وغضب. رأيت جزءاً مما تعانيه القدس، فأصبح تعلقي بها وبحريتها أكبر من ذي قبل. لن تغيب القدس عن بالي أبدا، فالقدس الآن في بحر من الآلام  والأحزان، وعلى كل مسلم يغضب لحرمات الله أن يغضب من أجل القدس، من أجل ثالث الحرمين الشريفين.

توقفت الحافلة في المكان الذي استراحت فيه أثناء توجهنا إلى القدس. نزلت منها وأسرعت إلى الزيتونة. كان هناك كثير من الكلام الذي أحببت أن أخبرها به، وأردت أن أطمئنّ على الفراخ الجائعة. وعندما وصلت، ما أبشع ما رأيت! لقد اقتلعت الزيتونة من جذورها، ودمرت الأعشاش والبيت القديم.

صرخت: من فعل هذا؟ أيّ وحش مرّ من هنا؟

أجابني صوت من الخلف: إنها وحوشهم.

استدرت، فإذا به رجل عجوز يجلس على أنقاض البيت القديم المهدّم. قلت والدموع تنهمر فوق خدّي: لقد مررت على هذا المكان في الصباح، كان في غاية الروعة والجمال. لم أقدم على قطف زهرة واحدة منه، خوفاً من أن أتلف رونقه، فكيف يستطيع هؤلاء الوحوش تدميره هكذا؟ وأية عقول إجرامية هذه، أية قلوب لا تشفق على أعشاش مليئة بالفراخ؟ لم يكتفوا بهدم البيت وقطع الزيتونة، بل مزّقوا الفراخ إلى أشلاء!

قال العجوز: الزيتونة! صمدت هذه الزيتونة طويلاً أمام جرافات الاحتلال. منذ الصباح وهي تحاول اقتلاعها حتى قبل مجيئكم بقليل، ومعها دمروا هذا البيت؛ فهما دليل واضح على عروبة هذه الأرض. أما الفراخ فقد مزقتها نعالهم وجرّافاتهم. لا بدّ أنهم فعلوا ذلك من أجل مستوطنة جديدة.

صمت قليلا ثم أكمل: هكذا قامت إسرائيل، فوق أشلاء ودمار!

قلت: هذا إرهاب بلا حدود، ومصيره الزوال، كما زال كلّ احتلال عن هذه الأرض. انظر إلى هذه الفراخ الممزّقة. إن حالها كحال أطفال غزة. سينتقم الله لهم على أيدينا، وسيأتي يوم تلفظ هذه الأرض وحوشهم، فلا يمكن لأرض طيبة أن يعيش عليها من هم مثلهم.

ابتسم الشيخ وقال: صدقت يا بنيتي.

عدت إلى جنين، وعادت أحلامي تسيطر على عقلي أكثر من ذي قبل، وبقي حلم الحرية ـ بكل جرأته ـ يراودني في كلّ ثانية، يتبعني مثل ظلي في النهار، ويشبه في الليل نجما ساطعا، لكنه أجمل. وكتبت على جدار المدرسة بخط واضح: نعم، عدت عن القدس، ولكني سأعود إلى القدس، فهل يستطيع أحد أن يقتلع القدس من قلبي؟

وفي اليوم التالي وجدت مكتوبا بخطّ أكبر من خطي: ?محال?!


 

حقٌّ أم حلم

منى جميل الحايك

                                                                                فرع نابلس 

 

استيقظ عماد من نومه مبكّرا كعادته، ليرتدي الزيّ المدرسي المكوّن من قميص رماديّ طبع على أحد كتفيه علم فلسطين وزيّن بشعارات الكشافة مثل: ابذل جهدك، كن مستعداً؛ وليزينه أيضاً بربطة عنق كشفية مع بنطال جينز أزرق، وحذاء رياضيّ أنيق، وشعر مرتب بإتقان، ثمّ ليخرج من غرفته ملقياً السلام على والدته الغالية التي تتلألأ عيناها لرؤيته فرحاً وسعادة بما أصبح عليه ولدها البكر، ولتمتزج هذه المشاعر بالحزن والألم، فهو يذكّرها بزوجها الشهيد الذي رحل بسرعة مودعاً إياها وصغارها، ناسياً أحلامه الوردية معها، ليلبي نداء الوطن.

مشاعرها تلك تقطعها بقبلة بين عينيه، لينهال هو بدوره مقبّلاً يدها طالباً رضاها، ثمّ يساعدها في تجهيز طاولة الفطور لتجتمع الأسرة حولها قبل أن يحين وقت المدرسة. ومع انتهائه من تحضيرها يبدأ بموسيقاه ولحنه اليوميّ في نداء إخوته، فيمشي مشيته العسكرية، يتجول بين غرفتي إخوته وأخواته صادحاً بصوته العذب: ?استعد للفطور. استرح على المائدة، استعد للدراسة. استرح في المدرسة?، فتفتح الأبواب بضحك ونشاط من فتاتين في مقتبل العمر وصبيين بطلعة القمر، وبهتاف واحد: ?حاضر سيدي?

يلتمّ شملهم على مائدة الطعام، ثم يتوجهون إلى مدارسهم، وكذلك أمهم، فهي مدرّسة علوم، وهي توصلهم بسيارتها واحداً تلو الآخر، ليبقى عماد آخرهم، فكلهم في المدارس الابتدائية والإعدادية إلا هو في الثانوية. وهي تركن سيارتها وتخرج منها مع عماد، ليفترقا أمام شارع المدارس الثانوية، فيتجه هو إلى مدرسة الذكور، وتدخل هي إحدى مدارس الإناث، ولا تنسى طبعا نصيحتها اليومية له بأن يجتهد ولا يتقاعس، فهو نشيط ومجدّ، وأن لا يغترّ بنفسه، فهو سيقدم الثانوية العامة للفرع العلمي بحمد الله، فيقول لها واثقاً: ?لا تقلقي يا أمي، سأكحل عينيك بالفرحة يوم النتائج كما توجتك بتاج الوقار يوم حفظت كتاب الله؛ وإن شاء الله ستتحلين به أنت ووالدي يوم القيامة?.

وبعد سبع حصص دراسية يتجه إلى بيته مشياً على الأقدام مع زملائه ليجد الجميع قد عادوا ووالدته تعدّ طعام الغداء، فيصلي الظهر ويبدّل ملابسه، ثم يجلس إلى مائدة الطعام. ليبدأ كل منهم سرد حكايته، وكيف كان يومه في الدراسة، ثم ينهون طعام الغداء لتنتهي معه حكاياتهم البسيطة تلك، ويساعدوا والدتهم في ترتيب المنزل وتنظيفه وسط جوّ مفعم بالحياة من ضحكات ومرح ومشادات بين الأخوة. بعدها تكون ساعات الدراسة والمراجعة وإنهاء الواجب المدرسيّ فترى كلاًّ منهم يساعد الآخر، وهم جميعا يطلبون المساعدة من والدتهم إن استعصى عليهم أمر. وفي المساء يشاهدون التلفاز، وتعدّ والدتهم طعام العشاء.

هذا المساء، وأثناء تقليب قنوات التلفاز، لفت انتباه الجميع خبر إعلان عن طلب فلسطين عضوية في الأمم المتحدة لتكون الدولة ??? فيها، فأخذ الجميع يطرح التساؤلات، وكانت أسئلة عماد هي الأكثر نضجاً ووعياً في محاولة لفهم ما يجري، لكنّ إجابات أمه كانت بسيطة تقول إن فلسطين تريد أن تكون الدولة ??? في المنظمة الدولية.

سرّه هذا الخبر، فضمّ في صدره كثيراً من الآمال والطموحات التي جالت في فكره عن وطن وأرض طالما كانت لنا في قلوبنا، أما في الواقع فهي ساحة صراع. ورأى على مدى الأيام فرحة في قلوب الناس بذلك الخبر، وصارت سعادته أكبر حين طلب مدرّس اللغة العربية منهم كتابة موضوع في التعبير عن فلسطين، الدولة ??? في الأمم المتحدة، قال إن كلّ طالب منهم سيلقي ما كتبه أمام زملائه، في كل حصة للغة العربية، وسيكون ذلك حسب جلوسهم في الصف. وحدد المدرس أنه سيبدأ من اليسار إلى اليمين، أما عماد الذي كان يجلس مع زميل له في المقعد الأخير في جهة اليمين فقال في نفسه إن أمامه ?? طالباً، سوف يستمع إلى آرائهم، ثم يكتب ملخصاً بما يقولونه.

ويوماً بعد يوم صار حلم الدولة يتبدّد في خاطره وفي خاطر غيره، ولكن بعضهم استمرّ في الظنّ أنه ممكن، ففي حصة اللغة العربية كل يوم تتجلى صورة، وتتضح أخرى ويموت أمل وتنتعش ذكرى. وأخذت الحيرة تملأ فؤاد عماد، فلم يعد على سجيته. تغيرت ملامح وجهه وأصبح الشرود أكبر تعبيراته وأكثرها وضوحا في ملامحه. وكان لعلامات التجهم نصيبها أيضا، وكانت التساؤلات تشغله كلّ الوقت. وحتى يريح نفسه شرع يبحث في الانترنت عن دولته المنشودة ويسأل هذا وذاك? وكل منهم يعطيه رأيا، فهذا مؤيد وذاك معارض، وهذا يبرهن وهذا يكتفي بالصمت. واستمرّت التساؤلات تغزو فكره: كيف لنا أن نبني دولة على أنقاض وطن كامل؟ وكيف لنا نحن أن نقسم وطننا؟ كيف وكيف؟ ولماذا؟

أسئلة كثيرة لم بعد يستطيع الإجابة عنها فتوجه إلى مدرّسه ووجه إليه السؤال: ما رأيك أنت؟

قال المدرّس: أنت تعلم رأيي جيداً، ولكن ما رأيك أنت يا عماد؟

قال عماد: لا أدري، لا أعلم، لم أعد أعرف من أصدّق أو بمن أثق. أصبحنا فرقاً وأطيافاً. لم تعد توحدنا كلمة، وأنا تهت.

قاطعه المدرّس: لطالما كنت مثال الطالب المجد والابن البار والشاب الناجح، لهذا ابحث عن إجابتك بنفسك، ولا تدع الآخرين يأخذون حقك في الكلام.

عذّبت روحه تلك الكلمات، ولم تُزل شيئاً من حيرته، فانهارت دموعه على وجنتيه أثناء عودته إلى المنزل. لاحظ ذلك أحد زملائه فسأله: ما بك؟

قال عماد: لا شيء. تذكرت أبي فقط. وتوجه إليه محاولاً الخلاص: ما رأيك باستحقاق أيلول يا نزار؟

ضحك نزار وقال: طبعا أنا معه. وصمت. رمقه عماد بنظرة استفهام وبصمت أيضا، فتساءل نزار: ماذا؟

قال عماد: لاشيء، لكن لماذا أنت معه؟

قال نزار: لأنه ستكون لنا دولة طبعا.

قال عماد: فقط لهذا السبب.

رد نزار: آه، أنت لا تريد دولة طبعاً.

زاد تجهّم عماد واستغرابه، فأضاف نزار: ولا بدّ أنك لا تريد مفاوضات. ولهذا بكيت. تذكرت أن والدك شهيد في إحدى عمليات القسّام الجهادية. اسمع يا عماد، أنا أحبك، لكن دعك من السياسة، فليعملوا هم ما شاءوا. أنا تعبت منهم جميعاً، لا أكترث لأمرهم، يتقاتلون على لاشيء ثم يريدون أن يتصالحوا، والاحتلال ينكّل بنا أشدّ تنكيل، والعالم صامت لا يتكلم. انسَ كلّ هذا وانتبه لدراستك. أما عن موضوع التعبير فاكتب للأستاذ أي شيء.

أثّرت تلك الكلمات في عماد كثيراً، وأخذت منه وقتاً طويلاً في محاولة فهمها، وأثناء شروده سألته والدته: ما بك؟ أراك غريبا هذه الأيام.

نام على صدرها وشرع في البكاء؛ فازداد قلقها وأخذت تهدّئه في محاولة منها لفهم ما يجري، لكنه أنهى الكلام وتذكّر كلمات والده: إن الرجال الأشداء لا يبكون، وان قلوبهم مستودع أسرارهم.

مرّت الأيام بصمت، وبدأ التصويت في الأمم المتحدة، وغابت شمس أيام أخرى، وانطوت صفحة فلسطين في الأمم المتحدة بعد مصاعب التصويت وغيرها من الإجراءات الطويلة. ثمّ جاءت بشرى سارة، جمعت كل حبيب بمن أحب، ولمت شمل عائلات طالما افترقت، هي يشرى نجاح صفقة تبادل الأسرى مقابل الجندي الصهيوني. وجاء التنفيذ، وتوحّدت فلسطين بأسرها. وعمت البهجة والفرحة، وتقابل الأهالي، وعانق كل حبيب حبيبه.

جاء موعد عماد، فيوم غد الخميس، سيلقي زميله ما كتبه وهو ما كتبه. بدأ ليلته التي كانت عارمة بالفرحة قلقاً ففارقه النعاس، ولأنه لم يعد يستطيع النوم، حمل قلمه وبدأ يكتب:

فلسطين الدولة ??? في الأمم المتحدة، ربما تكون وريما لا تكون. سألتموني عن رأيي، فغلبني قلبي حيناً، وغلبني عقلي حيناً، أما دموعي فغلبتني أحيانا كثيرة. إن فلسطين ليست أرضاً نعيش عليها ولا هواء نتنفسه، فلسطين ليست ماء نشربه، ولا شهداً يحلّي ألسننا. إن فلسطين حلمنا جميعا، حلم جدّي الذي مات ودفن في الخارج منتظراً حق العودة. حلم أبي المجاهد الحمساويّ الذي قضى شهيداً. حلم عمي الفتحاوي والمجاهد أيضا، والذي مات شهيداً. حلم أمي الحبيبة التي تتمنى أن أكبر فأكون فيها طبيبا أو مهندساً أو نجاراً. حلم أختي الصغرى في دميتها المحببة، تلاعبها وتدللها بين أصابعها الرقيقة. حلم أخي الصغير في دراجته الهوائية يلعب بها فرحاً فيداعبه الريح مشاركاً له سعادته. حلم الأسير الذي تحرر بالأمس، وحلم الأسير القابض على الجمر خلق السجون هناك. حلم المرابط والشرطي الذي يحاول أن يحتضننا ويمنحنا الأمان فداء لنا.

فلسطين هذه ليست بحاجة إلى أمم لتعترف بها، فتضحياتنا تكفيها، أليست الأمم التي لجأتم إليها هي نفسها التي قسمت وطننا فلسطين وأعطته لليهود؟ كيف نثق بها وهي منحتهم روحنا؟ كيف نلجأ إلى من قسمونا؟ أتريدون اعترافا بدولتنا؟ لكن أليس العالم كله يعترف بنا؟ أليس العالم كله يعترف بفلسطين! هناك جاليات في أوروبا وأمريكا، وهناك منظمات وجمعيات كثيرة ومساعدات أكثر، من شتى بقاع الأرض، لفلسطين؛ أليس هذا اعترافا؟ سواء أقبلتنا الأمم المتحدة أم لا، نحن معترف بنا?.

أنهى كتابته وغفا على سريره يعانق أحلاماً كثيرة. وحين أشرقت الشمس ضاحكة معلنة يوماً جديداً، نهض عماد ونهض معه البيت يؤدون صلاة الفجر ويتلو هو ورده اليومي من القران ويراجعه، ثم يرتدي ملابسه ويتناول فطوره. أثناء تناول الإفطار رنّ جرس الهاتف، فإذا بزميله خالد يتصل به ليعلمه أنه ينتظره في الشارع، لأن عليهم التوجه باكراً إلى المدرسة لحضور حصة إضافية.

حمل عماد حقيبة المدرسة وقبّل والدته وإخوته وقال لأمه وهو خارج: أمي، لقد اشتقت إلى أبي وسأزور قبره اليوم بعد المدرسة. لا تقلقي إذا تأخرت قليلاً. ثم عاد يركض، فقد نسي التعبير على الطاولة.

سلم على زميله وانطلقا إلى المدرسة، وفي الوقت ذاته دخل مستوطنون شارع المدارس واعتدوا على من فيه بعصيهم وسكاكينهم وهراواتهم، وسقط زميله جريحاً أمام عيني عماد، فصرخ يطلب النجدة، وأسرع خلفهم وزميله يطلب منه العودة، لكن الصوت صار يخفت حتى اختفى.

وصلت سيارات الإسعاف، والزميل المصاب يردّد اسم عماد.

شعرت الأم بالانقباض فجأة، وفتحت التلفاز لتفاجأ بخبر عاجل عن هجوم المستوطنين على شارع المدارس الثانوية. خفق قلبها خوفاً، وانطلقت مسرعة إلى المكان. لم يكن عماد هناك. سألت بين الجرحى، لكن أحداً لم يره. سألت عن زميله فأجابوا أنه في المستشفى. هرعت إليه مسرعة، وهي تتمنى أن يكون ابنها مع زميله أو  جريحا فقط.

هناك وجدت ابنها. قالوا لها: إن الشرطة أدركته شهيداً على الأرض، وهو يحمل في يده ورقاً أبيض تلوّن بدمه الطاهر، وقالوا: إنه كان يقاتل، ففي جسده كثير من الطعنات.


 

عيون الوطن

ياسر عمر عمارة

                                                                              فرع طولكرم

 

أشرقت الشمسُ في الصباح. إنه يوم شتوي مشمس، ويبدو الطقس رائعا هذا اليوم. هذا ما كانت تقوله رجاء، الفتاة الفلسطينية، البالغة من العمر عشرين عاماً، وتقيم في العاصمة الأردنية عمان، فهي طالبة في الجامعة الأردنية. كانت تتحدّث إلى زميلتها في السكن، وهي تقف أمام المرآة، تسرّح شعرها الأسود الطويل المنسدل بلمعان على ظهرها.

كانت صديقتها تحدق في هذا الشعر الجميل حين قالت:

إن شعرك جميل جداً، أرى أنه من الأنسب أن لا تغطيه بالحجاب، فلو كان شعري كشعرك لسرّحته بطريقة رائعة، وأظهرت جماله.

ابتسمت رجاء وقالت وهي تضع الدبوس بين أسنانها، وتشدّ الحجاب إلى رأسها:

وهل وجد الحجاب لتغطية الشعر غير الجميل؟ لا يا عزيزتي، فأنا ارتدي الحجاب لأنه الأفضل وليس لشيء آخر.

تنهدت صديقتها قائلة:  آه يا رجاء، تعرفين دائما كيف تجيبين، ولكن كيف لي أن أحصل على شعر كشعرك؟

ضحكت رجاء وهي تحمل حقيبتها، ثم التفتت إلى صديقتها ومدّت لها لسانها مداعبة:

لن تحصلي على مثله أبدا، فجمال شعري بفضل زيت الزيتون الفلسطينيّ.

يا إلهي يكاد لا يخلو حديث لك من كلمة فلسطين.

يا صديقتي العزيزة إن فلسطين تسكن قلبي، وعقلي، ويبدو أنها تسري في عروقي مع الدم.

 ثم مالت بكتفها إلى حافة الباب قائلة: حسنا هل يمكنني أن أعرف سبب تأخرك في ارتداء ملابسك؟

هذا لأنني لن أذهب اليوم إلى الجامعة، فانا أشعر بتوعك .

إذا سأذهب الآن، وداعاً.

خرجت رجاء سعيدة، فالجوّ اليوم يشعرها بالنشاط أكثر من أيّ وقت آخر، وعلى باب البناية كان يجلس الجار الطيب أبو محمود:

صباح الخير عمي أبو محمود

 صباح الخير يا أطيب فتاة في الكون.

 أطيب فتاة في الكون! هذا كثير علي. كيف أنت اليوم؟

ما دمت رأيتك اليوم فأنا بخير.

إذا لا تحرمنا من دعائك .

 أنا أدعو لك دائما يا رجاء، وأدعو لأهلنا في فلسطين أن يعجل لهم النصر والفرج .

آه يا عم أبو محمود كم يسعدني هذا، منذ أن جئت إلى هنا والتقيت بكم شعرت بأننا لم نكن وحدنا في فلسطين، فانتم دائما إلى جانبنا ولو بالدعاء.

أطلَّت من باب البناية (زينة) الطفلة الصغيرة ابنة الجيران بعد أن وقفت حافلة المدرسة أمام البناية مطلقة النفير إشارة بوصولها.

 صباح الخير عمو أبو محمود، صباح الخير رجاء، هل أنت ذاهبة إلى الجامعة؟

 صباح الخير حبيبتي، نعم أنا ذاهبة إلى الجامعة.

عندما أكبر سنذهب معا إلى الجامعة، أليس كذلك؟

  قالتها وهي تصعد إلى الحافلة.  ضحكت رجاء وقالت: سأكون مدرّستك إذا!

لوّحت زينة بيدها والحافلة تتحرّك، ولوّحت لها رجاء أيضا بيدها. لم يمرّ كثير من الوقت،مجرّد  دقائق قليلة حين توقّف (التاكسي) لتركب فيه متوجهة إلى الجامعة.

كان (التاكسي) فارغاً، فجلست في المقعد الخلفيّ، وبدأت تراقب الشارع من النافذة، وكان يبدو كخلية النحل، الكل استيقظ بنشاط، طلاب المدارس، وأصحاب المحال التجارية، والسيارات. وفجأة توقف التاكسي ليقل راكباً آخر.

إنه شاب، لم تر وجهه، لأنه كان يقف في الجهة الأخرى من السيارة، واستطاعت فقط أن ترى جزءاً من جسمه، من الصدر حتى ركبتيه. أرادت أن تدير وجهها إلى النافذة بجوارها، لتتابع مراقبة الشارع، لكن شدّت انتباهها الكوفية السوداء التي يرتديها الشاب حول عنقه، وتتدلى على صدره، هذه الكوفية التي تعشقها. ما إن ركب الشاب وجلس في المقعد الأمامي، حتى أحست بقلبها يتوقف عن النبض وجحظت عيناها، وأحست بان العالم في الخارج توقف عن الحركة، بدت مصدومة، تشدّ بيدها على حافة النافذة كما كانت في ذاك اليوم تشدّ على القضبان الحديدية لنافذة غرفتها في فلسطين، مصدومة، مليئة بالحزن، وعيونها مسمرة بنعش حبيبها الذي حمله المئات يشيعونه إلى مثواه الأخير.

إنه يشبهه كثيراً، بل كادت تناديه باسم حبيبها لشدة الشبه، إنه بالملامح نفسها، والقامة وتلك العيون التي طالما سحرتها، و الابتسامة التي طالما عشقتها.

في ذلك اليوم، عندما كان حبيبها مسجى على نعشه، كانت تلك الابتسامة مرسومة أيضا على وجهه. كانت تراقب وجهه وملامحه تختفي شيئا فشيئا كلما ابتعدت الجنازة. لقد رحل حبيبها، وطالما حلمت برحيلها معه، لكنه رحل وحده تاركاً كل الذكريات معها. صرخت في أعماقها: أرجعوه، أبقوه عندي! ودت لو تخرج صرختها ليسمعها حبيبها. كان حزنها بصمت، ونداؤها بصمت. كان الألم أكبر منها، وأقوى. سقطت على الأرض فلم تعد رجلاها قادرتين على حملها. هرعت أختها إليها، وضمتا بعضهما باكيتين.

 لقد رحل إلى الأبد وتركني وحدي.

لا يا شقيقتي، لا تقولي هذا، كلنا معك كلنا نحبك.

لكنني أريده أن يكون إلى جانبي، أريد أن أراه كلّ صباح يقف بانتظار رؤيتي، وأنا ذاهبة إلى المدرسة. كيف أحيا الآن بدونه؟

إنه شهيد يا عزيزتي، شهيد، اليوم عرسه.

لكنني كنت أريده عريساً لي. أنا كنت أريد عرساً لي وله.

ضمّتها شقيقتها بقوة، ولكنها لم تستطع أن تخفي دموعها.  لقد بكت بشدة، وبكتْ رجاء  بحرقة.

في اليوم التالي ارتدت زيّ المدرسة، وحملت كتبها، وكان الحزن بادياً على وجهها، والدموع لم تجفّ من عينيها طوال الليل.

سارت بخطوات تائهة، كانت الدنيا على سعتها ضيقة، فوجدت نفسها متجهة إلى المقبرة.

لن أذهب إلى المدرسة، سأذهب لأرى حبيبي.

 لم يكن من الصعب إيجاد القبر، فأكاليل الورد تلفه. جلست رجاء محدّقة في القبر، وبدأت دموعها تتساقط كأنها لآلئ. كانت تبكي بصمت، وبدأت تشعر بضيق في التنفس. لديها الكثير لتقوله، ولكن هل يسمعها حبيبها؟ إن في صدرها كلاما أتعبها حبسه؟ وهناك كلمة اشتاقت أن تتفوه بها: أحبك! لماذا تركتني هكذا وبهذه السرعة؟، ألا تعرف أنني أحبك ولا أستطيع العيش بدونك؟ لقد أخبرتك أكثر من مرة بهذا، ولكنك تركتني، لماذا لم تأخذني معك؟ لماذا لم نرحل معا كما وعدتني؟

الآن تغير كل شيء. بدت السماء أكثر حزنا، وانطفأت شمس حياتي. لم تعد الطيور تقف على نافذتي، ولم يعد يطل منها القمر. رحلْتَ ورحل معك كل شيء، رحلت الفراشات، والابتسامات، وأزهار اللوز اقتلعتها الريح. ريح الألم تعصف بكل شيء، وقلبي الصغير لم يعد قادراً على التحمل. لم تغب عني سوى يوم واحد، ولكني أعلم جيدا أنك لن تعود بعد هذا اليوم، وأن غيابك سيطول إلى الأبد، وسيمد الحزن جذوره إلى أعماقي، ليغرس أشجاره التي لن تنفك أن تثمر الألم والدموع.

رحلتَ حبيبي تاركاً كل الذكريات الجميلة. راودتها فكرة أن تنبش القبر لتراه ولو لآخر مرة، فهي مشتاقة إلى وجهه الجميل، ولكنها سرعان ما أخرجت الفكرة من رأسها. أرادت أن تظلّ اليوم بأكمله جالسة إلى جوار قبره، ولكن لا بد أن تعود إلى البيت. عادت تجر خلفها أرتالا من الحزن والألم.

وبصعوبة استطاعت النوم، وتمنت لو أن نومها طال أكثر. لقد رأت حبيبها يقف أمام بيت جميل مبتسماً لها كعادته. قال لها إنه سعيد جداً، وطلب منها أن تهتمّ بنفسها، وأن تدرس جيداً. وقال إنه مازال يحبها. ثم اقترب منها وقال: انظري في عيني. كانت صورتها في عين، وفي العين الأخرى صورة قبة الصخرة المشرفة. ثم ابتعد عنها، ولوّح لها بيده قائلا: أنت الوطن يا رجاء، والوطن في عيني.

هكذا سردت رؤيا ها لأختها، وجلست والفرح يرتسم على وجهها، ثم التفتت إلى أختها سائلة: هل هذه رؤيا حقيقية؟ لا بد أنها حقيقية، لطالما سمعت أن رؤيا الأموات حقيقية.

نعم أنا أيضا أظنها حقيقية.

هذا يعني أنه يحبني؟

وهل شككت يوما بذلك؟

أبدا لم أشك يوماً في حبه، ولكنني أتساءل هل يستمرّ الحب بعد الموت؟ هل يمكننا الزواج في الحياة الآخرة؟

لا أعرف. قد يكون صواباً ما تعتقدين، لا بد أن تسألي أحداً عنده علم.

انتهى حديثهما عند هذا الحدّ، ومرت الأيام، وكانت رجاء تعمل لتحقيق ما طلبه حبيبها منها في الرؤيا: لقد ثابرت حتى نجحت بتفوق، وناضلت من أجل قضيتها، وشاركت الجماهير في المقاومة. كانت رجاء تعشق وطنها كما تعشق حبيبها، كانت هي أيضا تحمل صورة حبيبها في عين، والعين الأخرى يرتسم فيها الوطن.

مرّ عامان، وهاهي تتابع دراستها في دولة شقيقة، وما زالت على وعدها.  كلّ هذه الذكريات تحركت في رأسها وقلبها وهي في (التاكسي)، ما أشعرها بالتعب، وانتبهت للدموع التي تسيل دافئة على وجنتيها الباردتين.

توقف (التاكسي) أمام الجامعة. وما إن نزلت رجاء منه لتقف على رجليها، حتى دارت الأرض بها، ووقعت فاقدة الوعي.

ركض ليرى  ما حدث. رفع رأسها عن الأرض، واضعاً  ذراعه تحت رأسها، وبدأ محاولا إيقاظها.
بصعوبة فتحت عينيها لترى هذا الوجه المألوف لديها، الذي طالما أحبت النظر إليه، وأحست بالذراع القوية ذاتها تحت رأسها. بقيت عيناها ثابتتين، تنظران إلى وجهه وهو يشير بيده الأخرى إلى الذين تجمهروا، محاولاً إبعادهم لتستطيع تنفس الهواء. كانت لا تسمع شيئاً إلا صوته، وكان كل شيء يتحرك ببطء حولها.
أغمضت عينيها مرة أخرى، ومشاعرها تضطرب بداخلها لا تعرف ماذا تتمنى: أن يكون ما تراه مجرد حلم، وعندما تفتح عينيها مرة أخرى يكون قد انتهى، أم أنها تتمنى أن يكون حقيقة ويستمر. هي لا تعرف هل من تراه أمامها ملامح حبيبها رسمتها مخيلتها على وجه هذا الشاب، أم أنه فعلا يشبهه إلى هذا الحد.

فتحت عينيها مرة أخرى لتجد نفسها في عيادة الجامعة، ممدّدة على سرير، وصديقاتها بجانبها. تلفتت يميناً ويساراً باحثة بلهفة عن حبيبها، عن الشاب الذي كان معها، لكنها لم تجده.  لم تجرؤ على السؤال عنه، فهي خجولة جداً، و لا تحبّ أن تسمع أيّ تعليق، أو انتقاد ممن كانوا حولها. سألتها إحدى صديقاتها: هل تشعرين بتحسن؟

نعم، أنا أحسن الآن.

ماذا حدث معك يا رجاء؟

لا أدري، هل عاينني طبيب؟

نعم، وقال إنك متعبة قليلاً.

وقفت على قدميها، وسارت بخطوات مثقلة إلى الخارج، وجلست وحيدة على مقعد، متوجهة إلى الغرب حيث وطنها الحبيب، وذكرياتها الجميلة. كانت الدموع تنهمر من مقلتيها وهي ترى صورة وطنها أمام عينيها، بكل الأحداث التي مرت في حياتها. كانت دقات قلبها تئن متألمة. ومرت الساعات، وهي تجلس في مكانها، لقد تذكرت ذالك اليوم، حين لم تذهب إلى المدرسة، وتوجهت إلى المقبرة.. الآن هي محتاجة أن ترى قبر حبيبها، فهو ما بقي لها منه في الدنيا.

عادت إلى السكن والتعب باد على وجهها. سألتها زميلتها في السكن: ما بك؟

لا شيء. يبدو أنني مريضة.

ومرّ اليوم، ولكنه مرّ صعبا، مؤلماً، غريباً، وقضت ساعات ما قبل النوم وهي تبكي. لقد أعادها ما حصل معها إلى ما قبل عامين منصرمين.

في اليوم التالي، وكأيّ يوم آخر، توجهت رجاء إلى الجامعة. لم يمض على وصولها الجامعة أكثر من ربع ساعة، وكانت تقف في ركن من الحديقة مع زملاء وزميلات لها يطمئنون عليها، حين سمعت صوت صديقة لها: رجاء هناك من يسأل عنك.

أدارت رجاء رأسها باتجاه صديقتها، ولكنها فوجئت، ولم تنطق بكلمة واحدة، وتماسكت لئلا يحدث معها شيء مما حدث بالأمس. لقد كان ذلك الشاب. نعم، إنه يشبهه جدا. لم أكن أحلم، ولم أتخيل الشبه إذن!

كان يقف متأنقاً، وما زالت الكوفية السوداء تزيّن عنقه وصدره. كان يحمل بيده ورودا بيضاء .

صباح الخير.

قالها مبتسما. كانت أسنانه البيضاء جميلة جداً كما اعتادت أن تراها:

صباح الخير.

قالتها متلعثمة.

كيف أنت اليوم؟ لقد أخفتنا بالأمس، وأحببت أن أطمئن عليك. أتمنى أن تكوني بخير.

أنا بخير، وشكرا لك.

هذه الورود لك.

شكرا لك، سأقبلها لأنني أعتبرها لطفا منك، وليكون بمثابة شكر لك لمساعدتك.

هل يمكننا الجلوس؟

يمكنك أن تنضم لنا جميعاً.

حسنا، لا أريد أن أتسبب لك بإحراج.

إن جلسنا لوحدنا سيكون محرجاً لي أكثر.

نعم فهمت.

كانت رجاء غير مصدقة لما تراه وتسمعه، مع كلّ التحفظ الذي لم يكن غريباً عليها، إلا أنها كانت تودّ لو تضمه لدقيقة واحدة. كانت تحاول أن لا تلفت إليها الأنظار حين تحدق به، وهو يقف بين زملائها. ثم سألته: هل أنت فلسطيني الأصل؟

نعم أنا فلسطيني، لكنني مولود هنا بالأردن، فأسرتي هاجرت إلى هنا عام ?? .

ألهذا ترتدي الكوفية؟

نعم فأنا أعتز بها، ووطني يسكن قلبي، وكم أشتاق إلى زيارته والمشي فوق ترابه.

ألم تزره من قبل؟

مرة واحدة قبل أكثر من ?? سنوات، وكانت زيارة رائعة، لا يمكنني وصف مشاعري عندما رأيت قبة الصخرة. ما زالت صورتها مرسومة في عيني حتى الآن.

وقعت هذه الكلمات في أذنها كالرصاص، لقد تذكرت قبة الصخرة في عين حبيبها عندما رأته في نومها. لم تستطع إخفاء الدموع التي بدأت تترقرق في مقلتيها.

ما بك؟ ألهذه الدرجة يؤثر فيك ذكر قبة الصخرة؟

أنا فلسطينية أيضا، لا بدّ أنك لم تعرف بعد!

حقاً؟ هل أنت فلسطينية حقاً؟

نعم، حتى النخاع، ولكنني لاجئة في الوطن.

لم يعرف أحد سرّ السعادة التي ارتسمت على وجه الشاب، ولكنه حين همّ بالمغادرة قال عبارة جعلت قلبها يخفق بشدة، وأنفاسها تتسارع. قال وهو يلتفت إليها مبتسما: الآن أصبح لي رجاء في الوطن، وأعرف كم هي جميلة عيون الوطن.

 


 

حلم بلا وطن

 

وسام نبيل المدني

                                                                                  فرع رفح

 

أشرقت شمس الصباح بأشعتها المخملية تحمل في عباءتها الأمل والنور? وبعثرت الدفء على أطراف المخيم، بعد أن أرّق عيونه برد الانتظار وثوانيه الثقيلة. أعلنت بشروقها بدء يوم جديد. وأيّ يوم هذا? أنه يوم أحمد الذي طال الشوق للقائه ? إنه مهده المنتظر? وحلمه الذي رافقه منذ نعومة أظافره.

راح يرتدي ملابسه بسرعة، يسابق الزمن? ثم انطلق يشقّ طريقه بين البيوت وأكياس القمامة والمجارير التي تنبع من كلّ فجّ. ألقى تحية الصباح على المارة من النساء اللواتي يحملن الأوعية والجرار في طريقهن إلى بئر الماء.

?تاكسي?! نعم، ولم لا؟ فاليوم يوم غير عاديّ، وهو يحتاج إلى طقوس غير عادية. اليوم لن يركب إلا التاكسي.

راحت الظلال تتراقص على جانبي الطريق، تارة تظهر، وتارة تختفي، وعينه لا تكاد ترى. لقد طغت عليه نشوة ممتعة? أطاحت بذلك اليأس الذي كان يخيّم عليه كلما دخل المخيم. اليوم يحترم نفسه أكثر من كلّ شيء? نفسه التي تعبت وكدّت حتى وصلت إلى هذه المرحلة من النصر والتفاؤل. اليوم يصافح الدنيا بعد أن فقد الأمل في لقائها. راح يرى الجامعة تقترب رويداً رويداً منه بأبوابها الفارهة? المملكة التي طالما حلم بزيارتها: أبنية شاهقة تنبع من كلّ زاوية؛ فتيات وفتيان من شتّى الأماكن، يستدلّ عليهم من ثيابهم، يكاد يلمح الذكاء والفطنة تبرق من عيونهم؛ قاعات ومكتبات ضخمة؛ عالم بأكمله طالما حلم به. لم يعد يرى المخيم المرّ وأيامه القاحلة، لا لترفّع ينصرف بنظره عنه ولا لكبرياء? ولا جحوداً لفضله وفضل أهله ولا جفاء? بل إن الفرح الجبّار أخرج نفسه عن دائرة نفوذ المخيم، وعلا به عن بساطته سلطانه? ذلك المخيم الذي قضى على كل نسمة فرح مرّت على أيامه، وكان كالثلج يثقل أطرافه.

اليوم نتيجة الثانوية العامة، وهو بالتأكيد سينجح. ألم يكدَّ ويتعب، وعلى أضواء الشموع قضى الليالي الطويلة يدرس ويثابر؟

راح يتذكر ما قالته أمه قبل أن ترحل صريعة الفقر والتلوّث والمرض: أريد أن تصبح طبيباً يا ولدي لتداوي أهلك.

وقد سألها ببراءة: لماذا لا نرحل من هنا يا أمي، فيذهب عنا المرض؟

ردّت بإعياء: لا لن نرحل يا ولدي. سنموت هنا في المخيم، بالقرب من وطن ننتظر العودة أو نفاد الأجل. عدني أن تصبح طبيباً لتساعد أبناء وطنك. عدني يا ولدي.

كان حلم أمه بعيداً عنه، بينهما ما بين السماء والأرض مجازاً وفعلاً? جعله سماويّاً من شدّة صعوبته، وجعل نفسه أرضيّاً لا يملك أن يحقّقه.

أما اليوم، وبعد الكدّ والتعب، فقد أصبح كلّ شيء وردياً يشعّ بالأمل. سيحمل شهادته إلى الجامعة، وسيدرس الطبّ بإعفاء، لتفوّقه، فمجموعه كبير، وهو متميز. سيصبح طبيباً يساعد أهله في المخيم، ولن يموت أحد من المرض بعد اليوم.

لماذا أضحى الطريق طويلاً؟ غرق بين التململ واللهفة حتى وصل. خرج من ذكرياته وأحلامه وراح يجري نحو المدرسة. حمل الشهادة فخوراً بها. مَجموعه مشرِّف، وسيدخل به أفضل جامعة. راح يمشي في الطريق بخطوات سعيدة ليكمل حلمه. مرّة يرى أمّه بثوبِها المطرز بالنقشة الفلسطينية تقبّل وجنته? وأخرى يرى نفسه، وقد صار طبيباً يعتلي سيارته باهظة الثمن? ويذهب بها صوب المخيم ليساعد أهله بالمجان.

وهو غارق في أحلامه، متبختر، يرى الأشجار الكثيفة على جانبي الطريق تتمايل لتحييه بأوراقها وأغصانها، مستمتع  بوشوشتها وحفيفها? أحسّ بين الغصون المتهدلة  كأنّ وجه أمّه الرقيق الطاهر يرقبه ويحدثه. راح يرمق الشهادة في نشوة بلا خمر? ثم يرفع رأسه صوبَ الأفق البعيد، متخيّلاً والده خلف السياج في المعتقل حين يسمع هذا الخبر?  فيشعّ وجهه بنور كنور القمر? إذا أشرق لم ينافسه في السماء كوكب: ?أحسنت يا ولدى. بارك الله بك?. كلمة يتوق لسماعها رغم أنه يدرك أنها حلم لن يتحقق في الأجل القريب.

فجأة، سمع صراخاً غطّى على صوت الحفيف والوشوشة? هو خليط بين استغاثة ونهر? وصيحات مبهمة  تحمل بين طياتها ألماً?تارة بالعبرية وتارة بالعربية، أعقبها صراخٌ طويلٌ جعله يظنّ أن أحدهم يحتضر. راح يجري صوب الصوت ليستكشف الأمر? وإذا به أمام رجلٍ عجوز متشبّثٍ بشجرة زيتون، يصرخ وسط أحدَ الحقول? ومن حوله المستوطنون، بسيماهم المعروفة وثيابهم السوداء، يركلونه من كلّ صوب، ويحاولون خلعه بعيداً عن الشجرة صارخين: ابتعد أيها الأحمق. إنها لنا! ليردّ عليهم: لا! إنها أرضي وأرض والدي. لن أتركها. سأعيش وأموت بين ترابها.

حمل أحمد شهادته بيده اليسرى واندفع يبعد المستوطنين عن الرجل بيده اليمنى وباقي جسده، صارخاً فيهم: لن يخرج. لن تخرجوه من أرضه كما أخرجتمونا من أرضنا. أما كفاكم كلّ ما حدث؟ سرقتم الأرض والوطن وتنازعوننا على فتات لم تعد تسدّ رمق الأمل؟

وقبل أن يكمل جملته، تغبّر المكان، وانبعث دخانٌ كثيفٌ مصحوبٌ بضجّة عارمة? فالتفت مشدوها ليجد سيارات جيش الاحتلال وجرافاته وقد ملأت المكان. وقبل أن يفيق من صدمته شعر بقبضة من حديد تلقيه جانباً. ولم يكد يستدير ليعرف ما حدث، حتى أغرق ملابسه ووجنتيه شلال دماء ساخن. رصاصة غادرة  مزّقت جسد العجوز وهو على حاله متشبثا؛ أعقبتها أخرى وأخرى بلا رحمة. خرجت آهة رغم أنف الرجل? وبين يدي أحمد سقط: أرجوك يا ولدي؛ أخبر أولادي بما حدث، وقل لهم: ?والدكم استشهد من أجل هذه الأرض، فلا تتركوها للمحتلّ. هذا وطنكم رغم أنفهم، ولا قيمة للحياة بلا وطن?. قال كلماته الأخيرة وهو يلفظ أنفاسه، وراحت عيناه تغلقان أبوابهما، وأنفاسه المتصارعة تحتضر، ثم رحل.

راح أحمد يرمق وجهَ الرجل ودموعه تنهمر. منهكَ الأعصابِ خائرَ القوى، وجدَ نفسه الهائمة تعود إلى الوطن? لتستعيد صورة الحقل وصورة الجدّ كما وصفه له والده حين قتل على باب بيته، وصورة المحتلّ الذي هدم الفرحة في عيون الأطفال? فكسر الزيتونة وفتت الحجر، وطردهم برصاصه ودبابته بعيدا، بلا وطن. راح شريط حياته يجري أمام عينيه: موت أمه وأسر والده وزجّه في المعتقل? ودموع إخوته. أيام من اليتم والفقر والعذاب والألم.

غاب الأمل في بهمة الليل. مستتراً كالأشباح، مستغفراً نادماً يلهبه الأسى? تهاوت أحلامه في الدروب الموحلة. ماذا حدث؟!

تباً! طارت الأحلام الوردية. سقطت الأشياء من حوله. لحظة أعادته إلى الحياة الصارمة. لم يكد يدرك قطار الأماني حتى فاته. ذهب وحمل معه كلّ أمتعته. حمل معه أحلام الطفولة، وصهيل الروح الذي يشتعل في الرأس منذ الخلق. أخذ معه أمنية ضعيفة لسيدة ملقاة على أرض المخيم العفنة تحتضر، من شدة الظلم والمرض.

ما كان من الفتى إلا أن أطلق قبضته? لتطير الشهادة الملطّخة بدماء الرجل، تحملها الرياح إلي حيث لا مكان ولا زمان? لتحلق بعيداً حاملة معها أحلامه وبهجة الصبح، وبضع ذرات من الأمل. لقد تركها تسافر لتكون وثيقة إدانة لجرائم المحتلّ، تعبر الحدود، وتصل إلى أبعد مدى، كحمامة زاجلة تحمل في أطرافها رسالة، تطير بها? تعتلي صهوات السهول حتى تصل.

راح يرمقها  بعيون دامعة من شدة الألم: سنين من الكدّ والعناء أضحت أرواحاً هائمة لا تجد لها مرقداً. أدرك أن هناك أحلاماً أهمّ لابد أن تحقق: والده ما زال في الأسر رغم مضيّ كل هذه السنين. هو وإخوته مازالوا في بيت مشقق بلا سطح? يغرق كلّ شتاء بالبرد والمطر? يرقد في مخيّم موحل ملبّد بالقمامة لا يتحسن الحال فيه مهما مرّ عليه الزمن، مزدحم يكاد ينفجر. أعمامه وأخواله في بلاد الله الواسعة، مشتتون معذّبون يطلبون الشفقة والعطف من قلوب أعيتها القسوة. وأخيراً هذا العجوز الطيب الذي حاولوا سلخه بالقوّة عن أرضه، فدفع الثمن حين رفض.

لا يعرف كيف حدث ما حدث، لكن تلك الحادثة فصلته عن أحلامه? وجعلته يدرك أنه لا خيار له ولا حياة? وانه لم يعد يحتاج إلا للوطن. 

أفاق من الصدمة على صرخات قويّة وتدافعٍ من كل صوب، أثار نقعاً شديداً لفح وجهه? فرفع رأسه ليجد شباب المنطقة يدفعون المحتلّ خارج الأرض بكلّ قوتهم غير مكترثين لأسلحته ورصاصاته التي تشقّ طريقها بينهم بلا تمييز حتى تجد لها مستقرّا.

?لن تجدي الفقيد الدموع، ولا إتقان الرثاء، بل الحفاظ على الأرض التي مات من أجلها?. هذا ما دار بسرعة في ذهنه? فما كان منه إلا أن وضع العجوز برفق على الأرض، ثم نفض آثار الحزن عن كاهله، واندفع ليؤدّي دوره نحو الرجل الذي دفعه ليتلقّى عنه الرصاصة? ودوره أن يحاول المحافظة على ما تبقى من وطن.

اندفع مع الشباب صوب جنود الاحتلال كيدٍ واحدة وبإرادة صلبة، يخرجونهم من الحقل? وفي مشهد يبشر برؤيا النصر? ألقوا بأنفسهم عليهم مثل قاذفات اللهب فما كان أمامهم وأمام المستوطنين سوى الهروب، بعد أن أسقطوا شباباً عدة? فراحوا يجرّون أذيال الهزيمة أمام شباب عزل مسلحين بالأمل ? مسلحين بحقهم في وطنهم، ولا يرون غيره حلماً.

جاءت سيارات الإسعاف لتحمل المصابين? وحمل أحمد والشباب الرجل العجوز وكلّ من سقط شهيدا على أكتافهم، بعد أن كفنوهم بالعلم، وساروا في موكب جلل? سدَّ الأفق، بعد أن انضم لهم كل من في الطريق، وراحوا يرددون صيحات النصر بصوت كالرعد: يا شهيد ويا مجروح؛ دمك هدر ما بيروح! يا صهيوني صبرك صبرك؛ ابن الأقصى هيحفر قبرك!

مضى معهم أحمد، وقد عزم ألا لن يكمل طريقه الأول إلا بعد أن يعيد والده مع كلّ المعتقلين إلى أحضان أولادهم? وبعد أن تبزغ شمس النصر حاملة على أكتافها إعلان قيام دولة فلسطين وعودة الوطن. وفي الطريق توقف برهة، وضاعت عيناه في الأفق? فلاح له ظلّ القبّة الذهبيّة على أطراف المدينة من بعيد؛ فابتسم. حياها بنظرة تشعّ بالأمل? وأرسل لها مع النسيم قسما: لا تخـافي. عائدون لنرفع عنك الظلم. عائدون لك مسلحين بحقنا في العودة. عائدون لكلّ أرجاء الوطن!

لقد أدرك أحمد أن طريقه هو ذلك الطريق الذي سلكه أسلافه: فلا خيار لأيّ فلسطينيّ، ولا حياة، بلا وطن.


 

من عطر النار إلى رحيل

تهاني فتحي سوالمه

                                                                             فرع طوباس

 

الثالث والعشرون من أيلول من السّنة.....، لا يَهُم في أيِّة سنة، لأن ما حدث قد حدث في وقتٍ من الأوقات ليس ببعيد. المخيّم يطغى عليه الهدوء، وكلُّ شيءٍ صامتٌ إلا صوت آذان المغرب الذي يتردّد صداه في كلّ زاوية من زوايا المكان مُضفياً على المشهد لمسةً من الخشوع وكأنه تفصيلٌ أبديٌّ من تفاصيل تاريخ هذا المخيم. وكغيره من الأيام? كان يوم الجمعة ذاك يوماً عادياً، لكنّ كلّ شيءٍ كان على وشك أن يتغيّر بالنسبة لعائلة عُمَر أبو سراج.

الساعة السابعة مساءً، والجدة العجوز تلازم غرفتها كعادتها، تشاهد التلفاز الصامت، دون أن تفهم مما تراه شيئا? والزوجة مستلقيةٌ على السرير الذي يتوسّط الغرفة الكبيرة? نصف نائمة ونصف مستيقظة، و?سلمى? ابنة عمر الكبرى جالسةً أمام التلفاز في الغرفة نفسها، تشاهده بكل عمقٍ وانفعال، خالقةً إزعاجاً لغفوة أمّها الليلية، بينما ?سعاد? أختها الصغرى تغطُّ في النوم من ساعةٍ مبكّرة في زاوية من زوايا الغرفة، لأنّ عليها النهوض باكراً للذهاب إلى عملها المعهود? في روضةٍ تقع على مَقرُبةٍ من بيتهم الصغير مسافة عشرين قدماً، وهي تقوم هناك برعاية الأطفال الرُضّع لقاء أجرٍ زهيد آخر كل شهر.

سلمى ابنة الواحد والعشرين ربيعاً، وسعاد ابنة التسعة عشر ربيعاً? تختلفان كلياً عن بعضهما بعضاً في أغلب الأمور، كطريقة التفكير أو التصرّف، ففي حين أنّ سلمى فتاةٌ عميقة وغامضة ولا تطفو على السطح أبداً? فإنّ أختها فتاةٌ بسيطة وواقعيّة، وما يدور داخلها مترجمٌ دائماً ولا يحتاج إلى تفسير؛ لا يَهُمُهَا في هذه الحياة شيءٌ سوى أن تجد كل يوم ٍ مالاً تصرفه على نفسها، وطعاماً تأكلهُ، وملابس جديدة تقارن بها نفسها ببقية فتيات المخيم؛ إلا أنّ لهما الملامح نفسها، والطول، وحتى العيون نفسها والأهداب، لدرجة أن الناس يعتقدون دائماً أنهما توأمان، لتكون المفارقة بعينها: لا تدع غلاف الكتاب يخدعك! وبالرغم من كل ذلك فهما مثل الروح الواحدة، ما تفتقده إحداهما تكمّله الأخرى.

الهدوء ما زال مسيطراً على الأشياء، والساعة المدوّرة المعلقة على الحائط تسير ببطء. نظرت سلمى إليها ثم نهضت من أمام التلفاز، ومضت نحو الممرّ الضيق الطويل الذي يقع أمام الغرفتين لتصل إلى النافذة الصغيرة. مرّت من أمام جدتها رحيل، التي تشاهد التلفاز بصمتٍ، كما كانت وكما ستكون? والتفسير المنطقيّ لتصرّفها هو أنّه إذا كان التلفاز صامتاً فسوف يستهلك كهرباء أقل. هذا ما قالته الجدة لسلمى عندما سألتها مرة ًعن الأمر.

بعد خطوتين أمام الباب الثاني، ها هي رحيل تنادي حفيدتها:

سلمى ? تعالي.

نعم يا جدتي، ماذا تريدين؟

تعالي اجلسي وسترين.

ماذا أرى يا جدتي؟

نظرت سلمى إلى التلفاز الصامت، فوجدت أن جدتها كانت تشاهد خطاب الرئيس عن إعلان الدولة. شفتا الرئيس تتحرّكان، وجميع الحضور يستمع إليه بإصغاء، وبين الفينة والأخرى يصفقون له أحزاباً? فحزبٌ يصفق بحماسةٍ وقوّة، وآخرُ بالكاد يحرّك يديه أو يصدر صوتاً.

أترين كم يصفقون له!

نعم? لقد صفقوا له كثيراً. دعينا نرفع صوت التلفاز لنسمع ما يقول.

ترفع الجدة صوت التلفاز، ثم تبادر مرة ً أخرى:

ما الذي يقوله؟ أنا لا أفهم شيئاً.

إنه يتكلم عن الدولة يا جدتي. رئيسنا يطالب بدولةٍ تكون لنا كغيرنا من الشعوب والأمم.

هل هذا يعني أننا سوف نعود؟

من المفروض.

وسوف يصبح لدينا عملة وجيش مثل الجيش الأردنيّ وغيره، وسوف نذهب ونأتي كما نريد.

إن شاء الله يا جدتي? فليسمع الله كلامك.

الأصوات تتعالى في الخارج والمكان، كأن الفوضى تعمّه،ُ والجدة تلاحظ.

ماذا هناك؟ من أين يأتي هذا الصوت؟

إنهم شباب المخيم يتظاهرون من أجل الدولة. لقد قرّروا. يريدون دولة.

فليَحمِهم الله وليُقوِّهم. ولكن كأن الصوت صار يعلو. يعلم ُ الله ماذا يحدث هناك!

ماذا يحدث يا جدتي؟ أنت تعرفين الشباب وتعرفين فوضاهُم.

أين أخواك سراج وحسن؟ لا أسمع لهم صوتاً.

أين سيكونان يا حبيبتي! مؤكّدٌ أنهما في النادي مع أصدقائهم. كنت ذاهبةً قبل قليل لأطلّ من النافذة على الحارة، ولأرى إن كانوا فيها أم لا، لكنك ناديتني قبل أن أفعل.

اذهبي الآن وانظري.

تتجه سلمى مرةً أخرى نحو النافذة وتزيح الستارة المهترئة وتطلُّ برأسها. تنظر هنا وهناك في جميع الاتجاهات ولتريْ أحداً، لكنها تصغي لصوت الهواء الذي تسمعه بهذا الوضوح لأول مرةٍ، وكأنه يَمُدّ يده ليصافح شعورها. تقف هناك بلا حراك، وتستغرق في الخيالات والظلال والأصوات، فهي لا تفهم سوى هذه اللغة الكليّة، كما تسمّيها، ثم تعود إلى الواقع على صوت جدتها تنادي:

سلمى? ما بك تأخرت؟ كلّ هذا ترين إذا كانوا في الخارج أم لا؟ يبدو أنك سرحتِ بخيالك بعيداً.

تتردد سلمى في خطواتها ثم تعود إلى الغرفة وتجلس على الكرسي الحديديّ قرب الباب.

إذن أين هم؟

ليسوا في الخارج. مؤكدٌ أنهم في النادي كما قلت لك.

تعود سلمى لتفكّر في صوت الهواء وما أحسّت به لأول مرة، ثم يخطر على بالها أن تسأل جدتها:

جدتي!

نعم يا حبيبتي.

لماذا سمّوكِ ?رحيل?؟

تصمت الجدّة وتحدّق في الأرض دون أن تنبس ببنت شفة. تحسّ سلمى بأنها اقترفت خطأً فادحاً بطرح السؤال، لكن الحمّى أصابتها وانتهى الأمر، وهي الآن تريد أن تعرف الإجابة. لذلك تنتظر وتحدّق هي بدورها في الصورة التي طالما كانت هناك وسط الحائط الإسمنتي القديم. كانت صورةً لثماني صبايا يقطفن البرتقال أو يلتقطنه في بيارة من بيارات يافا، وقد كتب أسفلها: بيّارات يافا: فلسطينيات بالأثواب الشعبية لمنطقة يافا في موسم قطف البرتقال.

كلما كانت سلمى تريد النظر إلى شيء لا تنظر إلا إلى هذه الصورة الجميلة. لم تكلّ منها يوماً ولم تملّ، وطالما تمنت أن تكون واحدة ً منهن. أدارت وجهها نحو جدّتها فإذا بها تنظر إلى الصورة نفسها وتقول:

أترينهُنّ! أنا كنت أجمل. كان شعري تحت خاصرتي وأسودَ أسودَ مثل الليل. كانت الفتيات يقلْن لي: شعرك خيليّ، أي مثل شعر الخيل، وكنت أملك عينينِ واسعتين شهلاوين أي ملونتين ووجهاً مدوّراً مثل البدر.

عادت الجدة وصمتت، وسلمى لا تزال تصغي بكل إخلاص ثم قالت:

أكملي يا جدتي. أحبّ قصصك وحكاياتكِ عن الماضي وأيام البلاد.

آه ٍ يا حبيبتي? ماذا أقول لك وماذا لا أقول؟ لقد كبرت في العمر وتغيّرت ولم أعد مثل قبل? لا أعلم ماذا أقول ولا أعلم ماذا أفعل، حتى إن سمعي أصبح ضعيفاً. سقا الله تلك الأيام!

تعود الجدة وتتنهد تنهيدة حارة ثم تكمل: رحم الله تلك الأيام كم كانت جميلة.

فوجئت  سلمى عندما عادت جدتها وأجابت على السؤال الأول: كانوا يريدون تسميتي ?زكيّة?، لكن أمي قبل أن تنجبني بيومين أتتها امرأةٌ في الحلم وقالت لها: ابنتك في اليوم الذي ستطلب يدها للزواج سوف ترحلون، وهكذا سمّوني رحيل، والجميع يعرف بقصة اسمي. وحقاً لما صار عمري خمسة عشر عاماً، كنت أزرع الأرض بندورة مع والدي. قدمت الفتيات وقلن لي: تعالي إلى البيت، لقد جاءك عريس.

وماذا حدث بعد ذلك؟

عندما عدت من الأرض وجدتُ جدّك حسن. كان قد طلب يدي، وكان من عائلةٍ محترمة، والكلّ يعرفهم، وأنا أعرف شقيقته، فلقد كانت صديقتي. لذلك وافق والداي. وفي اليوم نفسه، دخل اليهود علينا في الليل مثل العصابات، وأخذوا يطلقون الرصاص، والذي لم يكن يستجب لمطالبهم ويخرج من أرضه وبيته، كانوا يقتلونه أمام ناظري جميع أفراد عائلته، من الكبير حتى الصغير، وهم لم يفرقوا بين شيخٍ أو امرأةٍ أو طفلٍ أو شابّ? فمنهم من استشهد ومنهم من خرج من أجل عائلته، لأنه داعمها الوحيد. ونحن خرجنا وتركنا وراءنا كلّ شيء من الذهب والمال والفراش حتى الأرض والبيت حالنا كحال الكثيرين، حتى أن قلوبنا تركناها هناك.

علمت سلمى أنّ جدّتها سوف تكمل، لذلك نظرت إليها بكل محبةٍ وتابعت إصغاءها:

من ذلك اليوم حتى يومنا هذا لم نعرف طعم الفرح، وإن عرفناه لا نحس بطعمه. لم يعد شيء يفرق، فالذي كان يهمنا ذهب في لحظة ظلمٍ واحدة، وحتى اليوم ما زلت أرى نفسي هناك واقفةٌ وسط الأرض أزرعها مع أبي، والشمس تلفح وجهي.

ارتفعت الأصوات في الخارج من جديد لكن هذه المرة كان هناك صوت إطلاق رصاص ودويّهُ سُمِعَ في كلّ الأرجاء. اندفعت سلمى نحو النافذة لترى ما الذي يحصل، فوجدت الناس يركضون ويتدافعون نحو مكان ٍ بعيدٍ عن المنزل. حينها أحسّت بالخوف وشعرت بأن شيئاً سيئاً قد وقع.

عادت إلى الغرفة فسألتها الجدة:

ماذا هنالك؟ لقد سمعت صوت رصاص.

لا أعلم يا جدتي? أنا ذاهبة لأرى أبي وأعلم منه.

اتجهت نحو غرفتهم الكبيرة فوجدت أمّها جالسة على السرير وسعاد تناولها كأساً من الماء فسألت:

سعاد ماذا حصل؟

لا أعلم يا أختي، ولكنني استيقظت من نومي على صوت الرصاص، ووجدت أمي قد استيقظت لتوّها، لكنّها كانت تبكي.

ما بكِ يا أمي؟

أنا خائفة على شقيقيكِ وأبيكِ يا ابنتي? فهم لم يعودوا حتى الآن.

لا تخافي. كلّ شيءٍ سيكون على ما يرام بإذن الله? تعرفين أبي. مؤكّد أنه لدى الجيران يشرب القهوة مع أصدقائه ويتكلمون في السياسة والتجارة، أما سراج وحسن فهما في النادي كالعادة.

ولكنني رأيت حلماً مزعجاً? اللهمّ ألطف بنا!

نظرت سلمى وسعاد إلى بعضهما بعضاً، ثم نظرتا إلى أمهما، وبدأت سلمى:

ماذا رأيت؟

لا أعلم ولا أتذكر? لكنني أحس بضيق في صدري وأشعر بأن مكروهاً سيحدث.

هوّني عليكِ? إن شاء الله كلّ شيء سيكون بخير.

إن شاء الله يا ابنتي? إن شاء الله.

اقتربت سعاد وجلست بجانب أختها فأحست سلمى بارتعاش في جسدها ونظرت إليها:

ما بكِ? هل أنتِ خائفة؟

نعم أنا خائفة يا سلمى? خائفة مما سيحدث.

وأنا خائفةَ أيضاً، لكن عليكِ أن تكوني قوية من أجل أمكِ والجميع? نحن لم نعد طفلتين.

مؤكدٌ أن الجنود الإسرائيليين هم من فعلوا ذلك.

نعم? ومن غيرهم سيطلق الرصاص ويأتي بمصيبةِ كعادته؟

في تلك اللحظة سمع الجميع صوت الباب وهو يُفتَح فتَنَبَهوا له، ثم دخل أبو سراج إلى الغرفة بكلّ هدوء، وجلس على الكرسيّ في الزاوية دونَ أن ينطق بحرفٍ واحد، وعائلته تحدّق فيه وتنتظر، وكل واحدٍ منهم خائفٌ أن يسأل. لحظات ٌ معدودة وإذا بالجدّة واقفةٌ هناك. لم يشعر أحدٌ بقدومها.

أخبرني يا حبيبي? ما الذي حصل؟ أخبرني والله لقد توقف قلبي.

لكن ابنها لا يجيب، والانتظار مستمرٌ وقاتل، ولا أحد غير الجدة لديه الجرأة أن يسأله وهو في هذه الحالة من الصمت المطبق. وتعود رحيل:

أخبرني يا عُمَر ماذا جرى? بحقّ الله أجبني.

وتابع أبو سراج سكونه وعزلته، ثم لاحظ الجميع مُتحلقين حوله كالطوق، وكل العيون التي تحدّق تطرح مئاتٍ من الأسئلة? فقرر أن يجيب عن سؤال أمه، مجيباً بذلك عن أسئلة الجميع:

أنتم تعلمون أنه كانت هناك مظاهرة واحتفالية في المخيم.

أجاب الجميع بصوتٍ واحد

نعم.

لم أعلم أن سراج وحسن ذهبا للمشاركة فيها. كنت أظن أنهما ذهبا إلى النادي كعادتهما للقاء أصدقائهما والسهر قليلاً.

أخذ أبو سراج نفساً عميقاً طويلاً ثم تابع كلامه:

وأنتم تعلمون أيضاً أن الجنود الإسرائيليين لا يفارقون المخيم، فهم يأتون كل يوم في منتصف الليل ليبحثوا عن ذلك الشاب المطلوب لديهم. ويبدو أن أحداً أخبرهم أنّ الشاب سيكون هنا، وسيشارك في المظاهرة والاحتفالية، فالشباب كانوا يهتفون بأعلى صوتهم وينشدون الأغاني الوطنية، وهكذا يبدو أن إخباريةً وصلت للجنود فجاءوا الليلة على غير عادتهم خلسةً، وما كاد الشاب ينضمّ إلى المظاهرة حتى باغته الجنود وانهالوا عليه وعلى الجميع من كل جانب، مخلّفين وراءهم الشاب شهيدا.ً وقد اعتقلوا ثلاثةً من الشباب الآخرين.

عاد الأب إلى صمته عند آخر كلمةٍ قالها، وما لبث أن توقف عن الكلام حتى عَلِمَ كل ُ من في الغرفة أن سراج وحسن تم اعتقالهما. أطرقت الزوجة رأسها إلى الأسفل وبدأت بالنشيج ثم تمتمت قائلة:

لا أصدق ما حدث. حقاً لا أصدق. ولكن لماذا؟

وبقيت تردد هذا السؤال بصوتٍ منخفض حتى سألت سلمى:

أبي? ماذا سيحصل الآن؟ أعني هل سيعود أخي سراج وحسن؟

لا أعلم يا ابنتي. صدقاً لا اعلم.

سراج وحسن هما شقيقا سلمى التوأمان? يبلغان من العمر ستة عشر ربيعاً، ولقد حصلا على بطاقتيهما الشخصيتين للتوّ? أما سلمى التي حزنت فحزنها كان مختلفاً بعض الشيء عن حزن البقية، فبينها وبين سراج علاقةٌ أخوية فريدة، هي أقرب إلى الأمومة منها إلى الأخوة، وسائر من يعرفهما يعلم ذلك، فسراج كان رجلاً أكثر من أن كونه شابا،ً وتصرّفاته كانت دائما ً تثير إعجاب من حوله، حتى توأمه حسن الذي كان يعتبره قدوةً أكثر منه أخاً. أما حسن نفسه فكان شخصيةً تطابق شخصية سعاد? فهو بسيط ٌ وواقعيّ، لكنه يحبّ تقليد أخيه ليصبح في نظر الناس رجلاً لا فتىً صغيراً كما تعامله الأغلبية.

سلمى تفكر في إخوتها وتتساءل في قرارة نفسها: هل سيكون هناك أسوأ من هذا؟ وأمها ما زالت تطرق برأسها وتبكي وتقول: يا حبيبايْ يا سراج وحسن? يا ترى ماذا تفعلان الآن، وماذا يفعل معكما هؤلاء القساة؟ يا إلهي ألهمني الصبر حتى أتحمل فراقهما.

لكن سلمى قالت فجأة ً وبصوتٍ عالٍ أجفل الجميع:

أبي ? أليس علينا أن نفعل مثلما فعلت عمتي عندما سُجِن ابنها? فهي وكلت محامياً يدافع عنه، فخفّف الحكم عنه كثيراً. وأمر آخر? سراج وحسن لم يفعلا شيئٍا. أنا متأكدة من ذلك، وهذا سيساعدهما كثيراً.

ولكن يا ابنتي كيف؟ ومِن أين؟

تابعت سلمى كلامها دون أن تستمع إلى أبيها:

وهكذا يا أبي إن وكَّلنا محامياً، وبما أنهما لم يقترفا أيَّ خطأ، فإن هذا كفيلٌ بإخراجهما? أليس كذلك؟

ولكن يا ابنتي من أين؟  ألا تعرفين أن المحامي من أجل قضيةٍ كهذه يحتاج مالاً كثيراً؟ ولا تنسيْ أن عمتك دفعت الآلاف من النقود للمحامي ولغيرهِ حتى خفّفَ الحكم عنه لمدة ثلاث سنواتٍ ونصف السنة. كما أنني لا أعلم أين هما الآن وما الذي يتوجب عليّ فعله. أحسّ كأنني وسط كابوسٍ فظيع ولا أستطيع الخروج منه.

هَوّن عليك يا أبي? فلنصبر هذه الليلة، وبإذن الله غداً سنرى ماذا سنفعل. وما بعد الشدّة إلا الفرج.

ذهبت العائلة إلى النوم عند منتصف الليل، إلا أن العائلة نسيت أن تنام وكما قال درويش للجندية التي سألته: ألم أقتلك البارحة? فأجابها: نعم? ولكنني نسيت أن أموت.

في صبيحة اليوم التالي استيقظت العائلة وكأنّ كلّ واحدٍ منهم قد ضربَ للتوّ على رأسه بصخرةٍ كبيرة، فهو مشوّش التفكير ومخدّر لا يستطيع فهم شيء من حوله.

استيقظت الجدة أولاً وجلست تأكل لقيماتِ زيت الزيتون المعدودة أمام التلفاز الأخرس كعادتها، ثم استيقظت سعاد لتذهب إلى عملها لكنّها ما لبثت أن عادت لأنها لم تستطع العمل حسب قولها. أما الزوجة فبقيت في سريرها طوال ذلك اليوم تبكي وتتضرع? بينما خرج الأب ليسير في طرق قدره باحثاً علّهُ يجد أحداً يساعده في العثور على الإجابة عن سؤاله: كيف؟

سلمى مازالت نائمة وغير نائمة، وحين انتصف النهار دَنَت منها سعاد وسألتها كما سألتها ذات مرة السؤال نفسه بالضبط:

ماذا تفعلين؟

أنا نائمة.

ولماذا تحبين النوم إلى هذه الدرجة؟

لأنني به أذهب إلى عالمي الآخر الذي ينتظرني هناك حيث النعاس يجعلني أطير.

أيُّ عالمٍ هذا الذي تتحدثين عنه؟

عالم الكلام.

وهل هناك عالمٌ للكلام؟

نعم. حيث كلّ شيءٍ ممكن.

آه يا سلمى، لقد عدتِ إلى كلامك المليء بالألغاز هذا. انهضي الآن، فنحن نحتاجك لتستمعي إلينا.

حسناً? حسناً، ها أنا أنهض.

بقية ذلك اليوم لم تحفل بالكثير? فبعد أن سَكَنَ كل واحدٍ منهم إلى نفسه? ذهبت سلمى وجلست على أرضية الممرّ الباردة، تكتب ُ أشياءً لا يعلمها أحد وتفكر بأشياء أخرى? فذلك كان ركنها الخاص الذي تعثر فيه على نفسها. فكّرت قليلا ثم اندفعت مرةً واحدة نحو أمّها تسألها:

أمي ? لقد استشهد ذلك الشاب الذي كان مطلوباً? أليس كذلك؟

نعم. رَحِمَهُ الله وأسكنه فسيح جنّاتهِ.

وهل تعرفين اسمه؟

نعم. لقد سمعته مراتٍ عدة من نسوة الجيران لكنني لا أتذكره? اسألي أباكِ. أكيد هو يعرفه.

ألن تذهبي إلى بيت أهله يا أمي لتقومي بالواجب؟

بلى. سأذهب ولكن عندما يعود أبوكِ.

مرّت الأيام سريعاً بالمخيم، وتقلبت أحواله من حالٍ إلى حال، إلا أنّها كانت تخطو زاحفةً بطيئة ببيت عائلة أبو سراج المقهور والغاضب من كل شيء.

وبعد أن تقرر ما عليهم فِعلُه لمساعدة ابنيهما? ازداد عُمَر غضباً وقهراً من الأوضاع الصعبة التي كانت تحيط به وتحاصره غير تاركةً له أيَّ منفذ. وذات يوم وسلمى تبحث عن أبيها لتجري نقاشها المعتاد معه? سمعتهُ يتكلم مع أحدهم فاقتربت من الباب وأسندت رأسها بلطف إلى الحائط.

كان أبو سراج يجلس ُ في الفناء الأمامي للبيت هو وجاره ?أبو أحمد? ويتحدثان معاً ومما سمعتهُ سلمى:

والله لا أعلم ما الذي عليََ فعله ُ يا أبا أحمد? لقد ضاقت بيَ الدنيا بما رحبت.

ولكن لماذا كل هذا اليأس والتشاؤم يا أبا سراج؟

أنت تعلم أن العين بصيرة واليد قصيرة وإن كان هنالك من حلّ فأشِر عليَّ به رغم أنه لم يبق شيءٌ إلا فكّرت فيه لدرجة أنّني أحسّ بأن رأسي سينفجر في أية لحظة.

اسمع! لقد سمعت شيئاً قبل فترة وسأخبرك به. أظنّ أنه الحل الوحيد لديك.

وما هو؟ أخبرني.

لقد سمعت أن الشخص الذي يبيع بطاقة لجوئه (كرت المؤن) لوكالة الغوث نفسها يحصل على خمسين ألف دولار مقابلها، وهذا مبلغٌ يحلّ مشكلة أبنيك ويزيد، وتستطيع أن تؤسس منه تجارتك الخاصة بك.

ماذا تقول يا رجل؟ أتريدني أن أبيع هويتي وضميري قبل كل شيء. ماذا حلّ بعقلك يا رجل؟.

إنه هذا أو أن تترك أبنيك مثلهما مثل غيرهما من شباب هذا الوطن يقضون حكمهم مهما كان.

أهْوَنُ عليَّ أن أموت من أن أبيع الورقة الوحيدة التي تثبت للعالم أنّ لي حقٌا هناك يقطن بعيداً عني? سأعود له في يوم من الأيام، وإن لم أعد له سيعود أحفادي أو أحفاد أحفادي. وما ضاع حقٌ وراءه مطالبٌ يا أبا أحمد.

أنت حرّ يا أبا سراج افعل ما شئت? أنا أخبرتك وفعلت ما عليّ.

في المساء? ذهبت سلمى وجلستُ إلى جانب أبيها ثم بادرته قائلةً، بعد أن انتهى من تناول عشائه:

أبي. أريد أن أسألك شيئا ً

ماذا تريدين الآن يا عطر النار؟

كان هذا هو الاسم الثاني لسلمى الذي أطلقه عليها والدها، وكانت دائماً تسعدُّ وتسرّ عندما تسمعه ينادي عليها بهذا الاسم.

ماذا كان يريد منك جارنا أبو أحمد الثرثار؟

ولماذا تقولين عنه هذا يا ابنتي؟

لأنه ثرثارُ ? ثرثارٌ ? ثرثار. وأنا لا أحبّه.

لا عليك? لم يرد مني شيئاً. ناقشني في موضوعٍ لكنني نسيته.

سلمى تعلم لماذا نسيَ أبوها الموضوع أو بالأحرى تناساه فهذا هو طبعه.

حسنا ً يا أبا سراج ويا أبي الحبيب? آخر سؤال.

تفضلي يا عطري الجميل.

ماذا كان اسم الشاب الذي استشهد في تلك الليلة؟

رحمهُ الله? كان اسمه ?نور?، ولكن لماذا تسألين؟

لأنني أريد أن أتذكره عندما ينساه الجميع.

يا لك ِ من فتاةٍ غريبة يا ابنتي.

لا أحد يعلم ماذا حصل مع عائلة أبي سراج بعد ذلك?هل حلّت مشكلتهم، أم بقي الحال على ما هو عليه؟ لكن الأغلب أن سراج وحسن ما زالا في السجن مثلهما مثل أيّ سجين آخر، بينما عائلتهما تعود إلى طبيعتها يوماً وراء يوم: سلمى عند جدتها تستمع إلى قصصها وحكاياتها، وسعاد من العمل إلى البيت، والأم تدفن نفسها بين أكوام العمل المنزليّ حتى تنسى، والأب ما بين السياسة والتجارة والتفكير، حتى جاء ذلك اليوم: مرضت الجدة وتعبت. جلس الابن وزوجته وسعاد إلى جانبها، وسلمى مازالت نائمة في الغرفة الكبيرة، لكن (رحيلاً) طلبتها. أسرعت سعاد ونادتها:هيا انهضي. جدتي تريد أن تراكِ.

وعندما أصبحت الحفيدة الكبرى إلى جانبها? تبللت عينا سلمى بالدموع ثم بالكاد قالت:

جدتي? ما بك؟ِ أخبريني? هل تتألمين؟ دعينا نأخذكِ إلى الطبيب.

أنا لا أحتاج إلى طبيب. لا تخافي فأنا لا أتألم.

لكن ماذا بكِ إذاً يا جدتي? أرجوكِ قولي لي.

لا شيء يا سلمى، ولكن يبدو أن اسمي لن يفقد معناه، وقد آن أوان رحيلي. لا تنسي أن تعتني بالصورةِ والتلفاز من بعدي، وأما التلفاز فلا تجعليه يصمت بعد الآن. دعيه يحكي لكِ قصصاً عني.

وذهبت رحيل بصمت على غير عادتها هذه المرة? وما زالت حفيدتها تذكرها حتى وجدت سعاد يوماً ورقةً مطوية إلى جانب كتب سلمى قد كتبت فيها تقول: من عطر النار إلى رحيل. أنا اسمع صوتكِ كل يوم من صوت كل شيء. أعلم انكِ الآن هناك تقطفين البرتقال معهن. سأتذكركِ يا جدتي الحبيبة دائماً? يا تجاعيد اختزلت حكاية شعبِ بأكمله!


 

حنين: طفلة الصمود

إسلام خالد حريزات

                                                                         مركز يطا الدراسي

تحت ظلال أشجار الزيتون المستديرة، وبين أزهار الحنَّون والعشب الأخضر، كانت تجلس حنين متمسكة بقلمها البني ودفتر الرسام الأخضر. كانت تنظر إلى الشمس المتلألئة في السماء تارة وتارة أخرى إلى هناك، إلى الأمام حيث كل الأحلام الجميلة، حيث الحبّ والشوق والحنين، تحتار ماذا ترسم في دفترها الصغير. دون أي تفكير رسمت ما كانت تنظر إليه، شي عجيب حدث داخل قلبها الصغير جعل قلمها ينثر أسراراً. كانت ترسم على صفحات دفترها قبة صفراء برّاقة تبهر العيون بلمعانها، وجدراناً صلبة شاخت، ولم تتعب من حملها، وأشجار زيتون مباركة رفضت أن تفارقها، وأناسا طيبين يرنون إليها.

كل ذلك الحب الكبير كان داخل قلب حنين الصغير، الطفلة التي لم تتجاوز التاسعة من عمرها. زرعت لفلسطين وللقدس الشريف كلّ الحب والاشتياق كباقي أطفال الوطن العظيم.

سألتها المعلّمة: ما هذا الذي ترسمينه يا حنين؟

إنها القدس يا معلمتي الفاضلة.

رغم صغر سنّك، إلا أنك طفلة ذكية. نعم، إن حب الوطن أجمل بكثير.

لم لا نذهب لزيارتها يا معلمتي، فأنا مشتاقة لها كثيراً؟

قريباً جداً سنذهب، فها نحن نطالب بها، ولن نيأس طالما كان هناك قادة نفتخر بهم.

لم لا نذهب الآن؟

هذا مستحيل، فالعدو يمنعنا من ذلك، وقد أقاموا ذلك الجدار المرعب ليعزلوها عنا، ونحن ننتظر حتى يتحقق القرار.

لا بأس نذهب أنا وأنت وأبي وباقي الطلبة ونضربهم حتى يهربوا.

ردّت المعلمة مبتسمة: أنت فتاه قوية! حفظك الله ورعاك. لكن تأكدي أننا بصبرنا وإرادتنا وعزمنا سننتصر.

حضنت حنين ذلك الرسم بقوة وأغمضت عينيها الصغيرتين متمنية أن يتحقق ما قالته المعلمة. وبعد أن عادت إلى المنزل جلست قرب جدّها، وأطلعته على ما رسمت، فقبل رأسها وقال: بارك الله فيك. إنه أجمل رسم على الإطلاق.

وبينما كانت جالسة دار حوار بين عمها أحمد وجدها.

أحمد: ما رأيك بالقرار الجديد الذي اتخذه الرئيس يا أبي؟

الجد: إنه الحق الذي طالب به أهله.

أحمد: ترى هل سيوافقون على هذا القرار يا أبي؟

الجد: وإن رفضوا سنعيد المطالبة بحقوقنا مرة ومرة ومرة أخرى. لن نيأس حتى لو كان على حساب أرواحنا، فنحن أصحاب القضية.

أحمد: حفظ الله رئيسنا وحمى أبطال هذا الشعب العظيم.

أحمد: هل رأيت الدموع الممزوجة بالفرح في عيون الناس حين ألقي الرئيس خطابه أمام ملايين البشر في هذا العالم؟

الجد: يا الله، إنها لحظات يعجز الإنسان عن وصفها؟

حنين: عم تتحدثون يا جدي؟

الجد: عن القدس. ألم تخبرني أنك تتمنين زيارتها؟

حنين: نعم يا جدي.

الجد: حسنا، إن شاء الله سيتحقق لك ما ترغبين.

ولأن حنين طفلة عنيدة تتمنى دائماً أن تحقق ما تريد قالت لعمها: عمي، دعنا نذهب الآن، وإن رفضوا أن نعبر فارفعني بيديك كي أعبر الجدار وأنت الحق بي.

قال العم متبسماً: وكيف ألحق بك؟

حنين: (وبعد تفكير عميق) بالسلّم؛ فلدينا في المدرسة سلّم خشبي صغير. تسَلَقَّه أنت وجدي وأبي. حينها ندخل القدس.

العم: (بعد أن قبلها) أنت ذكية يا حنين، حفظك الله، لكن أتمنى لو كان بإمكاننا ذلك، اذهبي يا صغيرتي للنوم.

لكن تلك الأفكار بالعودة إلى القدس لم تفارق خيال حنين، وعزمت على أن تنفذ فكرتها للذهاب بكل براءة دون أي إدراك للخطر الذي ينتظرها هناك. ذهبت إلى المدرسة في اليوم التالي وأخذت بصحبتها السلّم الخشبي الصغير.

كانت فتاة قوية، فاستطاعت سحبه إلى الجدار القريب من منزلها، عازمة على الصعود، معتقدة أن سلماً صغيراً سيمكنها من عبور جدار كبير. قلبها الصغير لا يعرف معنى الخوف، وهي تحضن بين ذراعيها الصغيرين رسماً أرادت أن تراه دون الورق، لكنها قبل أن تخطو خطوتها الأولى على السلم اخترق صدرها رصاص العدو اللعين، فسقطت على أرض الوطن ساكبة دمها الأحمر الطاهر على تلك اللوحة.

نامت بكل براءة في أحضان رسمتها الصغيرة، طفلة لم تتجاوز التاسعة من عمرها. هي حاولت، وها نحن جميعاً بإرادتنا وعزمنا نحاول حتى تعلو راية الحق، فهي ليست الطفلة الأولى، ولن تكون الأخيرة من شهداء فلسطين حتى يتحقق الحلم.


 

مذكّرات ذكرى

عايدة عطا الله سويدات

                                                                        فرع أريحا

 

أصبحنا وأصبح الملك لله. هذا اليوم سيكون أول يوم لدوامنا في الجامعة، وأنا متلهفة جدا لألتقي بأصدقاء جدد، وأرى المعلمين الجدد وأشعر بأنه أجمل يوم في حياتي. والشمس ساطعة هذا الصباح،  وقد تأملت شروق الشمس رويداً رويداً. ما أجمل الشفق الأحمر وشعاع الشمس الأصفر: إنه يذهلني جداً. وأنا استيقظت الساعة الخامسة صباحاً، وكنت نشيطة ومليئة بالسعادة، والآن سأذهب كي أعد الفطور لأهلي.                                                                                           

بعدما تناولنا الفطور ذهبت لأعدّ نفسي للذهاب إلى الجامعة، ولم أكدْ أكمل ارتداء ملابسي إلا بوصول ابن عمي الذي سأذهب معه. إنه يدرس سنة تحضيرية. اسمه محمد، وأنا اعتبره شقيقاً لأنه درس معي، في السنوات الأولى من عمري، والأهم أنه درس الثانوية العامة معي، وهو الآن يدرس معي في الجامعة نفسها.

كان من حسن حظنا ونحن نمضي في طريقنا إلى موقف السيارات أنه لم يمرّ علينا في السير سوى بضع دقائق، حتى وجدنا سيارة عند مفترق طرق. وعندما وصلنا إلى المدينة توجهنا إلى الجامعة. هناك استمتعت كثيراً ولم يقصر أحد معنا، كان أستاذ اسمه محمد لطيفا، وبادر إلى مساعدتنا بكل شي.

الآن حان موعد العودة إلى المنزل، فتذكرت ونحن في وسط البلد إن أخي الأصغر «أيلول» طلب مني قبل بدء الدوام ببضعة أيام أن أحضر له معي بعض المسليات، ووعدته بذلك. اشتريت له شبسات وجلي وساندوش فلافل من المطعم الشعبي، وأثناء ذلك ذهب محمد إلى الحسبة كي يشتري الخضار لعائلته.

عندما أصبحت جاهزة، ذهبت إلى كراج السيارات. وبعد برهة عاد ابن عمي مصعب من مكتب الجوازات، لأنه كان يجهز جوازه كي يسافر إلى الأردن كي يرى خالتي وأخته غدير التي تزوجت مند عام ونصف العام. في الطريق سألني عن تخصصي وما هو رأيي في الجامعة؟ فقلت:

رأيي هو إنها جميلة وعندي هاجس أنها ستكون أجمل مع مرور الوقت.

كان أيلول ينتظرني بلهفة على الشرفة، وكانت السعادة تغمره، وظهرت في عينيه، وبخاصة عندما رأى الأشياء التي أحضرتها له.

أنا مرهقة جداً. كان نهاري متعباً وشاقاً. مند قليل استمعت إلى نشرة أخبار الثامنة على قناة فلسطين، وهم يتحدثون عن أحقية وطننا في الانضمام إلى عضوية الأمم المتحدة، وعن أن الرئيس سيبذل جهوده لتحقيق هذا المطلب السامي. إنني أميل إلى أن تكون هذه إشارة أو بشارة لتحقيق استقلال البلاد وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. لقد تمزّقت أوصال البلاد والسهول الخضراء أصبحت شاحبة ويابسة، كل هذا بفعل الاحتلال، فلعل هذا يكون الحل والمفتاح الصحيح، لأننا في هذه الأيام نخطئ ولا نصيب.

 

اليوم: السبت، الموافق: 3/9 ـ الساعة:8:45 مساء

بعد قليل سأذهب إلى بيت أختي. لقد اشتقت لرؤيتها كثيرًا. في ضحى هذا اليوم زارتنا الجارة أم خضر، وكالمعتاد أثناء الجلسة تناولنا الحديث عن السياسة والوطن وإسرائيل إلى أن وصلنا إلى الوضع الراهن الذي يمر به الوطن والشعب بأسره واستحقاق أيلول. كالمعتاد أبدت جارتنا اعتراضها ورأيها في الخلاف السائد بين فتح وحماس.

لا أعلم من هو على حقّ أو على صواب، ولا أستطيع المشاركة في الحوار، لأنه لا يمكننا التخلي عن النظر إلى أمي أو جارتنا وملامح وجهيهما التي توحي بحماسة الحديث وحرارة الشعور بأهمية حرية الوطن وفكّ أغلاله. كلّ ذلك يشعرني بمسؤولية تجاه الوطن، لكنني عاجزة عن المبادرة أو عمل شيء بسيط له، حتى لو كان لا يذكر في التاريخ، من أجل أن أشعر بالرضا الداخلي عن نفسي. لكنني في كلّ صلاة أطلب من الله أن ينور هذا الوطن بنوره، ويرفع عنه الحصار والأغلال.

هذا أهم حدث أثر في نفسي هذا اليوم بالرغم من أنني كنت مشغولة بالجلوس مع أمي  والجارة أم ألبي نداء أخي الأكبر، وكلهم ينادي: ذكرى.... ذكرى!

غدا سأذهب إلى الجامعة. لا أعلم ماذا ينتظرني، وستبدأ أولى المحاضرات. سأذهب كي أحضر حقيبتي التي سآخدها معي.

 

 اليوم: الجمعة، الموافق: 9/9/2011 ـ الساعة الخامسة مساء

اليوم في المجمل لا بأس به، لأنه كشف البرقع عن هواجسي التي كنت أتخوّف منها دائما، وأخشى أن تحدث معي. قال لنا أستاذ اللغة الإنجليزية عن أهمية المتابعة اليومية للمادة حتى لا تتراكم بسبب الظروف المقبلة والحصار وانقطاع الطرق. شعرتُ والأستاذ يتحدث بوخزة في قلبي كادت تقتلني، وبدأت الرياح تلعب بشراع سفينتي.         

بينما كنت سارحة في هواجسي، شدّ انتباهي أخي أيلول. كان جالساً ومعه دفتر وقلم ويكتب، فسألته ماذا يفعل؟ فقال: إنني أكتب مذكراتي مثلك تماماً. واقترب منني وسألني: ماذا يعني استحقاق أيلول؟ وللحظات أخذت أتفرس في ملامح وجهه اللطيف وقلت: يا أخي إنه حق الدولة الفلسطينية في حصولها على العضوية في الأمم المتحدة لتصبح من الدول المعترف بها وتحمل الرقم 194.        

قال: كنت أظنه شخصاً يدعى أيلول تابعاً في السجون الإسرائيلية، وأن الاستحقاق يعني الخروج من السجن، والعيش بكرامة.

 

 اليوم  السبت: الموافق 10/9/2011 ـ الساعة 10.00 مساء

عمت المدينة مظاهرة كبيرة، وكان أخي الأكبر معهم والتقى امرأة عرافة قالت له ومضت: إن استحقاق أيلول يا بني قد ينجح والنصر لنا.

انقضّ الجيش الإسرائيلي على المتظاهرين واعتقلوا عديداً منهم، وأخذوا يضربونهم بشدة، ويلقون عليهم الغاز المسيل الدموع. كانت بينهم امرأة حامل لم تستطع الفرار، فأنجبت أربعة أطفال أسمتهم على اسماء زوجها وأخيها وابن عمّها، أما الرابع فعلى اسم أيلول لأنه الرجل الوحيد الذي بقي إلى جانبها. لقد وصفته بأنه رجل بالرغم من صغر سنه. إنه في الصف السادس، وهو مثل حلم جميل إن دلّ على شيء فسيدلّ على أن هذه الأرض لن تموت، وأن فيها نساء و رجالاً ينجبون أشبالاً لا تأبه  لما يصيبها حرصاً عل الحفاظ على تراب مملكتها.

اليوم رأيت بوادر الانتصار كأنّها ستخيم فوق جباهنا. أنا لا أظنّ الأمل سيختنق مرة أخرى في صدور الفلسطينيين. في اليوم الماضي ألقى الرئيس خطاباً مهماً أشعر العالم بإصرارنا الذي لن يتوقف، وحظي باحترامه. ولا شكّ في أن الطريق سوف يكتمل.

 

اليوم الجمعة: الموافق 30/9 ـ الساعة 9.30

انطفأت شعلة الإصرار لوهلة، والنار التي تضطرم في قلبي تزداد احمراراً ووهجاً. أنا لا أعلم ماذا أكتب. هل أدع الدموع تتحدث أم حروفي التي تبعثرت؟ إنني أقف حائرة أمام هذا المنظر وقفة توحي بالعجز. ماذا أفعل؟

هل الأيام ستتحدث أم الرؤساء أم المساجين؟ مسعى الرئاسة مطروح على الطاولة في دفاتر تنتظر من يزيل الغبار عنها أو حتى من ينظر إليها. لا أعلم ماذا أكتب. أظنّ أن أيلول ذهب وتلاه الذي يليه. هكذا ستمضي الأيام والساعات ونحن ننتظر إلى أن يحين ميعادنا. هكذا ستمضي الأيام.

اليوم الاثنين: الموافق 10/10 الساعة 3.40    

؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟


 

عاشقة خلف الكواليس

وفاء إبراهيم ابريوش

                                                                                              فرع الخليل

 

أصوات و جموع أفزعت الأشجار، أجهضت الثمار، صفارات الموت القادمة من السيارات العسكرية، تقضّ مضجع التراب مثيرة غبار الوجع في سماء الأزمة.

لا تُدخلوا أمه عليه.

الأصوات تتعالى.

العتب مرفوع، فليلزم كل منكم الصمت. إنه ابني ملكي. ألقُ حضوره لي. ألم جوعه لي. سلام روحه وضجيجها لي.

تبتعد الحشود. يدخل الشهيد ميدان الوداع، يستلقي على الدعاء والمشاعر المنكسرة. يتوضأ بالدموع الطاهرة.

يقول عمه: لا تدخلي يا أم محمد. احتفظي بعينيه القدسيتين المخضرّتين ربيع زيتون. تذكريه جميلا.

تنظر إليه الأم نظرة تختزل حجم المأساة وكأنّها تقول: اصمت أرجوك! وبرعب المفاجأة أزالت الغطاء عنه خوف إيقاظه، وببطء الموت وذهول القلب كشفت عن وجهه. من يملك قدرة على لقاء الحبيب نائماً في عاصمة الموت، لا يملك كفناً أبيض، بل بعض شراشف مستشفى تكفنه مكتوب عليها بالعبرية بأحرف ملتوية ككيدهم ومكرهم. بثقل يدين عليهما ألف خوف، وبحبّ مقتول يتأرجح على مشنقة اللحظات التي تفصل بينها و بين اللقاء الأخير بابنها الوحيد: صرخة من قاع جبال الهمّ تهتك ستر الجريمة.

هذا ليس ولدي!

تتأمل الجسد المسجى ثانية باحثة عن محمد اليتيم المفقود منذ أسبوع، وقد أطلق الاحتلال عليه الرصاص، وشاهد الجميع مراسم جرّه على الأرض من قبل جنديين من كتفي سترته الشتوية، ليتلو هذه الصفحة المشؤومة، حضور مروحية عسكرية تنقله إلى إحدى المسالخ الصهيونية؛ ليرجع بعدها في نسخة نصف إنسان، مُقتلع العينين حيث استبدل مكانهما قطن أبيض، مجروح الشفتين مخلّع الأسنان منزوع البسمة الملائكية، بمرتبة جرح  من أعلى  الذقن و حتى أسفل البطن، ظاهر بوضوح أنه قد تمت خياطته على عجل.

تتنهد، وتبكي طويلاً بانهيار وبلا صوت، فالكتمان بضاعة الهزيمة المظفرة، تستجمع قواها تهذي:

محمد؛ أعتذر يا حبيبي عن هذا اللقاء الفج. تغيرت ملامحك كثيراً، لكن يدك دائماً كانت تشي بك. أتذكر حين قلت لك إنك إذا ضعت سأعرفك من ندبة يدك التي سببتها لك؟

مواسم الزيتون والعودة، الصبر بي كافر، والرضا فجر هذا المصير، استغفر الله من كل حزن وضيق.

ثمّ تصمت قليلاً ثم تواصل حديثها سراً إليه: أنا المرأة التي خاطت أثواب نساء القرية؛ لتصير طبيب أمك والعالم، من خاط جراحك بهذه الفظاظة، وعندي ألوان الحرير و يداي تشققتا من زينة النساء؟ هل هي خطايا القماش إذ تمزّقه المقصّات والإبر؟ من انتهك حرمة جسدك المكرم؟ من أخذ جوف شعورك و قد تربى برحم انتظاري ومعاناتي؟ الله الذي أنزل خفق قلبك فيّ اقتلعه بهذه الهمجية؟ في أية زنزانة حقود سيُسجن ثانية لينبض بالعداء؟ من قصّ أضلاعك واطلع على أسرارك واقتلع الطهر  الساكن من الشريان إلى الشريان؟ من اجتث الحبّ متأصلا كخيل عربي كان يجري في مضماري؟ أراهن على بره بصلاة الفجر في المساجد؟ من زرع البياض الأسود في محجر عينيك اللوزيتين الربيعيتين كأوراق العنب المتقطرة نظرات عشق؟ محمد ألن تنظر إليّ بعد الآن وقد حِكْتُ لك في هذا الشتاء شال حنان من صوف الفقر، وصموداً من وجع المقاومة؟ هل نقضت نسلي رياح الركود العربي، و داست أملي الشرعية الدولية؟

تدافعت الجموع لتختطف الشهيد من بين يديها والكل في حالة تسمر وذهول. تشبثت به الأم. ضمت جسداً خاوياً من داخله. أرعبها الملمس، لجأت إلى إغماءة قهر مرغمة على الغياب في حضرة الرحيل.

 صمم الغزاة على دفنه سريعا، فالكتمان والدفن السريع لقضايا الأمة انتصار لهزيمتنا، وشرب نخب الذل حد إدمان الطأطأة.

انقطعت الكهرباء عن القرية، تسارعت الجموع ثانية نحو المقبرة، بدأت الفوانيس القديمة بالظهور على ساحة الحدث، لتكون مقارنة بين أوجاع جيلين، يوسدون شهيدهم التراب. 

تدخل الجنود في التفصيل الأخير بوضع الإسمنت المسلح على القبر. غادر الجميع تحت تهديد السلاح، فكان الحزن مطارداً والأمان مهجراً في السلام الأخير.

من يؤوي قلب أم ثكلى هذا المساء؟ تنظر في المدى البعيد تخاطب صور الراحلين على الجدران. تدرس ملامح الوجه والذكرى في محاضرة واحدة للافتقاد. من يستوعب هذا الزخم في فصل واحد للحرمان! تبحث عن خطواته على الحصير المتمزق قدماً. تعود إلى الصراخ من جديد وهي تتذكر محمداً بلا محمد. تنهار من جديد. تحتضنها الآيات المنبعثة من فضاء الله. هو وحده يعلم تفاصيل وجعها، وهو سيقتص لها، فلا أمل في النداء للجهاد من خارج الحدود.

 تنادي ابنها الشهيد: أنت في شراييني عواء ذئاب وليل موحش، وحوش ضارية تتنقل بين أعصابي بلا حواجز عسكرية منصوبة للتحقق من هوية الوجع، ذعر يلاحق نبضاتي المستباحة حتى النخاع لآلامي وأوهامي. كفأر مرعوب أتقوقع في جسدي، انحسر في ذاتي، فالمد والجزر اللذان لطماني بالمصائب، علماني الهرب إلى الجفاف اتقاء لفتنة الغرق في اللامعقول والكفر بالرضا.

  يمر اليوم تلو اليوم وهي في حالة قراءة منتظمة لملامحه، لتصحو فجأة على صوت إطلاق نار وصراخ. تتساءل في نفسها: هل هو اجتياح جديد أم طريدة تبحث عنها قطعان الإجرام؟ يتعالى الطرق على الباب، يأخذها بعض الفزع، و يتنفس الحقد في صدرها ورغبة الانتقام.

حملت سكيناً و بهدوء سألت: من بالباب؟  

خالتي، أنا مروان صديق محمد. افتحي الباب، إنني ملاحق.

فتحت الباب سريعاً وكأنها سترى ابنها يرافقه راجعاً إليها. كان صوت أنفاسه يخترق السكون، وعوده الرقيق يكاد ينكسر من وقع الملاحقة الشرسة، وهو يحمل معه حقيبة متوسطة الحجم. سحبته وأغلقت الباب.

خبئيني يا خالة. الحقيبة يا خالة يجب إخفاؤها.

نظرت حولها تستنجد بأيّ أمان فخطر لها خاطر: تعال يا مروان في بيت ماكينة الخياطة.

جلس القرفصاء ورمت عليه بعض قطع القماش، وتركت الباب الصغير مفتوحاً حتى لا يثير الشك، ثم خرجت على مهل من باب المطبخ الخلفي، ووضعت الحقيبة في غرفة الطابون، وألقت عليها روث الأغنام الجاف وعادت سريعا إلى البيت.

بعد قليل تدافعت الطرقات الفظة والشتائم من خلف الباب مطالبة بفتحه، استجمعت ألمها وغضبها، وبعصبية الانتقام فتحت الباب وصرخت 5في وجوههم:

نعم، ماذا تريدون؟ محمد قتلتموه. لم يبق لديّ أحد، فماذا تريدون؟

ارتجف الجنود رغم أسلحتهم العامرة بالموت، لكنّهم دفعوها بهمجية من يقتل للتسلية ويأخذه كابوس غداة خوف مفاجئ، دخلوا الغرفتين الوحيدتين  فقالت لهم بسخرية:

إياكم أن تتوهوا في سراديب الألم والتوبة فلقد أخلي البيت من مرافقه العشقية.

نظر إليها أحد الجنود، وكأنه يرى بها لعنة، وبلغة مكسرة قال لها:

«انت تسكت ولا بفرِّغ الرصاص براسك»؟

ضحكت: لقد فرغتموها قبلاً، فأنا ميتة مع وقف التنفيذ. وظلت تنظر إلى النافذة حتى لا تخونها عين الرجاء بالنظر إلى بيت الماكينة. وبعد قليل تنهدت وقالت بصوت ملؤه الرضا و الشكر:

الحمد لله خرجوا بفظاظة دخولهم، وكأن الهلع يطاردهم؛ فسلاحهم مصوّب إلى العتمة والظل الماشي خلفهم. خفافيش رادار حياتهم القتل، لكنهم بغضب الله دائما يرتطمون ويتساقطون في ذل معيشتهم نحو الحياة نحو الموت مقهورين وربّ الكعبة.

أغلقت الباب وأحكمت قفله، وخرج مروان وهو عاقدٌ حاجبيه، وكأنه يشقّ طريقه نحو الغموض  بصياغة هدف ثابت.

آسف يا خالة، عرضتك للخطر.

نظرت إليه بحنان متعب، وكأنها تتوسم فيه إشراقة محمد:

لا تعتذر و إلا سلمتك لهم، و تبسمت بهدوء الحزن الرقراق من الطهر.

يجب أن أخرج سريعاً.

إلى أين والجنود ما زالوا في البلد؟

 يجب أن أتحرّك.

مروان قل لي ما بك؟ ولماذا تصرّ على الخروج. إن كان هناك أمر فقله.

لا شيء يا خالة، لكن حتى لا تتورّطي معي أكثر.

وحقّ من أبدع في جبينك رسم السجود، هناك أمر أنت تخفينه.

حلفتني بمن لا أخون حقّ جلاله، معي في الحقيبة حزام ناسف يجب أن أوصله إلى استشهاديّ ينتظرني على مشارف القدس.

وهل ستخرج وأنت ملاحق يا بني، والبلد مطوقة؟

سأحاول وإن كلفني ذلك حياتي.

اصمت مروان، فأنت لا تعلم  كيف تجاهد الأمهات خلف الكواليس بعد الرحيل. لديّ فكرة أفضل من فكرتك.

أسعفيني يا خالة. يجب أن أكون مع خيوط الفجر الأولى قد سلمت الحقيبة للاستشهادي وألبسته الحزام.

سوف تلبسني الحزام يا مروان، وأنا سأخرج لنثر قلوبهم المحشوة سواداً.

مستحيل يا خالة، ماذا تقولين!

أنا اعرف شوارع القدس، ومواقف السيارات فيها، ولي رباطة جأش وتسليم.

قال برجاء المستضعف: لكن يا خالة!

أرجوك. أريد لقاء محمد هذا الصباح.

لكن..

هات يدك أقبّلها. أرجوك. اشتقت للسكون بين يدي الإله. لم يعد لي على الأرض سكن، لكنني لست مسافرة، فأنا سأزرع نفسي أشلاء في هذه الأرض.

يا خالة، الأمر شاقّ عليك.

مروان، يكفيني أن أتذكر محمداً بلا عينين، وستجدني مهرة عربية أصيلة تجري نحو القدس.

أطرق قليلا ثم قال: حسنا. حفظك الإله يا أمي.

الله ما أجمل هذه الكلمة. اشتقتها. افتقدتها. نادني ثانية بها يا مروان.

أمي.. أمي.

هيا مروان، فلتكن الطاعة للأم.

ألبسها الحزام الناسف المفخّخ بكميات من المتفجرات و المسامير، ودموعه تغمر وجهه رأفة وألما لهذه العاشقة المقتولة بتهمة الوطن. ابتسم لها وقال: هناك شرط لإتمام الصفقة هذه يا خالة، ولن أدلك على طريقة التفجير حتى تعديني.

تفضل. أنا مهاجرة يا مروان، ولن يهمني شيء.

أخاف أن تخلفي الوعد.

ابتسمت: أنت تدبر لمزحة يا مروان. تكلم!

عندما ترين محمداً عند مليك مقتدر، وترين الجنة، لا تنسينا من الشفاعة، وإلا نقضت الاتفاق معك.

قالت بضحكة الواثقة المقدمة على مجد: لا تقلق. إذا ما تقبلني الله شهيدة عنده.

خالة، إن للشهيد كرامات. إن الله يغفر له مع أول قطرة من دمه.

وأثر الموت كوخزة بسيطة. إنها تجارة رابحة. يا الله، عليك حولي واعتصامي.

خالة، لم أكن لأقول لك هذا الأمر: هناك كولونيل كبير في الحافلة هو من تم نقل قلب محمد إليه.

ماذا تقول؟ سأقتل محمد مرتين؟

كلا بل عليك أخذ قلب محمد إليه حتى لا يظلّ مسجوناً في صدر قاتل. عليك تحريره!

خبر عاجل: القناة الإسرائيلية الأولى ـ عملية إرهابية تمت صباح هذا اليوم في القدس من قبل انتحارية. لم تُعرف بعدُ معرفة هويتها، راح ضحيتها كولونيل كبير وجنود ومجندات من الجيش.

 


 

كفّ عدس

خلود موسى الدرابيع

                                                                              فرع دورا

 

كانت سيارة الإسعاف تسير مسرعة نحو المستشفى، وصوتها المرتفع يدوي لينذر الجميع، وكأنه جاء يقول: افسحوا الطريق. يريده أن يبقى على قيد الحياة!

أما هي، فجلست إلى جوار رأسه تراقبه بصمت، وتتأمل تلك القسمات الساكنة بهدوء، وفي ذاتها راحت تسبّ ذاتها الضعيفة, وتمنت لو بيدها تنزع تلك العبوة عن فمه وأنفه فيموت، وتنتهي بموته مأساتها وكابوس رعبها إلى الأبد.

نظرت من نافذة السيارة المسرعة إلى كل الأشياء التي تمر بها في لحظات: إلى الأشجار على جنبات الطرقات، إلى الناس وإشارات المرور, وواجهات المحلات والدكاكين، والسيارات المارة, حيث لا تلبث هذه الأشياء أن تختفي عن زجاج  نافذة الإسعاف لتحلّ مكانها أشياء أخرى جديدة. خيل لها أنها جميعآ قد انتصبت بحزم، وأسفرت عن وجه غاضب, لتنعتها بالغبية الضعيفة، فأسرعت في اضطراب تسترجع ما حدث معها قبل ثوان معدودات:

كان كعادته يصرخ. يكسر كلّ شيء, ويضرب بيده كل ما حال بينه وبينها, لتسرع هاربة خائفة تبحث عن أشياء تداريها عنه, أو تدفع عنها بعض الضربات دون أن تعرف ـ كالعادة ـ ما الذي يغضبه تحديداً. وفي رعب، كانت تحدّق في تلك العصا التي لا تكاد تفارق يديه, وتبكي بحرارة، وتصرخ: «حلّ عني» بأعلى صوت، وتتمنى لو أن العالم كلّه أمامها لتركض هاربة إلى نهايته. لكنها وجدت نفسها في تلك الزاوية اللعينة من البيت، حيث يحدث دائماً كلّ شيء.

وقفت هناك مذهولة مرعوبة، تسترجع في حدّة شريط اليوم: «والله ما قلت ولا كلمة! ولا طلعت بره الباب! ولا لعبت بالمصاري! ولا حتى أجا لعندي حدا!»

كان يتجه إليها، يصرخ ويشتم ويتوعد، ويتفوه بكلمات لم تفهم منها إلا «ليش». ودت لو تمتلك جرأة لتسال: «ليش شو»؟. «طبْ لمّن تعرف لم تضرب؟» طب لم هو غاضب؟ طب بلكي مش ذنبي أنا»؟  أما هو، فجنونه في أكمل مراحله الآن، وفي عينيه  شرٌّ لا يزول قبل أن يتمّ المشهد وينتهي على جسدها المنهك من شدة الضرب والإعياء, ويترك بصمات زرقاء وكدمات لا تهدأ حتى تتجدد!

توسلت إليه قبل أن يمسّها, فزاد غضبه، وارتفع صراخه, فراحت تبكي في صمت وعبرات وجهها تفيض ألماً وتوسلا. وراحت تضرب نفسها بنفسها وبكلتيْ يديها. كانت تكرّر الصفع على خديها الهزيلين، وتشدّ شعرها كلما رأته يقترب، وتضرب رأسها بالحائط، لكنها لم تتفوّه بكلمة, لأنها إن فعلت فسيبدأ هو في ضربها دون رحمة. ثمّ سقطت جاثمة على قدميه تقبلهما كي يتركها.

كانت على استعداد تام لتقبيل حتى حذائه للخلاص، فلا شيء يهمها إلا الخلاص. جلست على ركبتيها وأمالت رأسها, تمسك بقدمه دون أن تنطق بحرف واحد. كان عليها البكاء، فقط البكاء، وكان عليه هو إن يفهم! لكنه هذه المرة لم يفهم، بل سقط جاثيآ على قدميه هو الآخر.

كانت يده تلتصق بصدره بشدة. وازداد احمرار وجهه لدرجة السواد. وبدا واضحاً أنه يعاني من ألم شديد. راح يصرخ: «ساعديني»! أما هي فنهضت في ذهول وراحت تراقبه وترتجف.

لم تفكر في شيء آخر، شيء أحادي الطرف. أو هي بالأحرى لم تنتبه إلى أنها فرصتها السانحة للهرب، وسمعته وهو يقول: «الإسعاف...اطلبي الإسعاف»! ودون تفكير أسرعت وطلبت الإسعاف كما طلب. «ماء أحضري ماء»، وفي تلقائية تامة كانت تصب الماء في حلقه وعلى وجهه، وتمسح بيدها المبللة على جبينه الملتهب، إلى أن لمع في رأسها ذلك السؤال: ما الذي أفعله؟ أنا انقده! وانتبهت لنفسها أخيراً، وانتصبت بحزم، ورفعت الماء بيدها بعد أن شعرت أنّها قوية الآن, وهمت بأخذ المفتاح من جيب زوجها الذي يشارف على الموت.

لكنّ الموقف تبدّل وأصبحت الأحداث تجري, لتثبت لها أنها أضاعت منحة ذهبية من القدر للخلاص, ولا يمكن لهذه المنحة أن تتكرّر مرة أخرى، فقد أصبحت سيارة الإسعاف أمام المنزل الآن.

«يبدو بأنك قلقة لأجله. لا تخافي! أحسنت صنعاً باتصالك بنا سريعاً، وإلا كنت ستفقدينه».

همست لنفسها قائلة: اللي بدري بدري واللي ما بدري بقول كف عدس. غير أنها تجربة لا إرادية. ثنت رأسها وعادت تحدق في زوجها ذابل الملامح، التقت عيناهما، برهة فاجأها بريق غريب ينطلق من عينيه، بريق مشحون بمشاعر شتى: ألفة ومحبة وشعور بالذنب وندم عميق لا قرار له، تسمرت عيناها نحو وجهه الحزين، جذبتها اشراقة لم تعهدها لفترة طويلة، وراودها إحساس غريب بأن سِفْرَ معاناتها يُطوى صفحة تلو أخرى لتحل محلها صفحة جديدة موشاة بالأمل والمسامحة.. امتدت أناملها لتلتقطها أنامله بشوق غريب، ولهفة غامرة وترءة أمام ناظريها في تلك اللحظة حُلمٌ بدأت براعمه تتفتح وسط ركام من المواجع والأحزان.