جامعة القدس المفتوحة

كنا صغارًا.. بقلم الطالبة ميسا سمير راضي سوقي- تخصص أنظمة المعلومات الحاسوبية- فرع جنين

نشر بتاريخ: 12-09-2012

 كنا صغارًا نلهو ونلعب في البساتين والسهول الخضراء، نتفيأ ظلال أشجار الزيتون والبرتقال والليمون، لنتحدث ونقص القصص التي سمعناها من أجدادنا..

نركض حول الأشجار، فرحين بالمناظر الجميلة من حولنا؛ شمس صافية، خضرة يانعة، وهواء يرد الروح.

نجتمع أغلب الأيام في هذا المكان الذي عشقناه وألفناه، اقتسمنا البستان الواسع فيما بيننا، كلٌّ له حصته وزاويته، يحددها بسلاسل حجرية؛ ينظفها، يحافظ عليها، وكأنها أصبحت وطنًا أبديًّا يقطنه، ولم يعد مقتصرًا على لعبة أحببناها.

اتخذنا كل زاوية مدينة، ونسبنا لكل واحدة منها اسمًا من أسماء مدن فلسطين، كي نشعر بلذة الحياة هنا، وعلى هذه الأرض، وبأحضان تلك الطبيعة الجميلة.

نتبادل الزيارات بين المدينة والأخرى، بانتقالنا من زاوية لزاوية. في حين يبقى ما توسط من الأرض مشتركًا، تمامًا كما هو البيت، في كل زاوية غرفة وحكاية، كذلك حال فلسطين الذي اعتدناه. البيت الدافئ والأم الحنون لشتى مدنها وقراها.

أحببنا اللعبة كثيرًا، وكبرت معنا، كأنها حياة اخترناها لنا نعيشها واقعًا يوميًّا. سعدنا بها جدًّا، لكنا لم نعلم أن لهونا الذي فرحنا به زمنًا طويلاً سيكون ألمًا وشبحًا يطارد مستقبلنا.

مرت الأيام وكبرنا، أصبحنا أكثر وعيًا لما يجري ويدور حولنا.

لم نعد أطفالاً نريد أن نقطع سلسلة الحجارة لنزور مدينة أخرى. غادرت تلك الطفولة عالمنا.

نحن أبناء اليوم. نريد حقًّا أن نزور حيفا ونصلي في القدس.

نريد أن نتفيأ برتقال يافا، ونداعب نسمات البحر في عكا.

نريد أن نرى بقية أراضي فلسطين. أجميلة كهذه أم أجمل؟ نريد.. ونريد!

لكن، ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. هنا عقمت حكايتنا، ولاذ مرادنا لعالم المجهول، مشحونًا بأمل يغشيه خوف مما هو آتٍ.

قالوا إننا منعنا من دخول مدننا، فهي الآن بيد المحتل، الذي قيدها فأحكم قيدها، ومنع كل فلسطيني من دخولها، إلا بتصاريح أمنية، قد تنالها، وقد لا تشم رائحتها.

زرعت الأرض بحواجز عسكرية، فرقت شمل كل مدينة عن الأخرى، وغدت فلسطين مقسمةً كرغيف خبز.؛ قسم لك وقسم أنت محروم منه. لتصبح بذلك أجمل المناطق وأكثر البقاع اخضرارًا.

لمْ نعلم أن تلك الحجارة التي حملناها من مكان وصففناها في مكان، ستغدو قطعًا حديدية يصعب دفعها وإزاحتها.

لمْ نعلم أن تلك القسمة التي اقتسمناها باتت واقعًا مريرًا يخنق فلسطين، ساعيًا وراء دفنها وإلغاء وجودها.

لِمَ لَمْ تخبرونا أن فلسطين واحدة، ترفض القسمة؟!

لِمَ تركتمونا فرحين بخطأ اللعبة، لنبكي لاحقاً على ما ينتظرنا؟!

نتقطع حرقة كلما سمعنا "أراضي 48"، و"أراضي داخل الخط الأخضر"!

أين ذهبت عكا، يافا، الرملة؟

هل نسيتم حيفا والناصرة؟

أجيبوني؛ ما عدتم تذكرون تل الربيع وزهرها..؟!

لِمَ قبلتم بهذه الأسماء البالية؟

لِمَ سمحتم لتلك الحدود بأن تقوم؟ لِمَ رضيتم بالعزلة والحواجز؟

آه كم أشتاق لرائحة البرتقال يا يافا.

وكم أحن لرؤية جمالك حيفا.

أريد تقبيل تراب اللد، والمشي في شوارع الرملة.

أتوق لصلاة أبكي بها في أحضانك يا قدس..

آه وألف آه تصرخ بداخلنا.

ليتنا أبقينا السهل بوسعه.

ليتنا لم نصف حجارة بيننا.

ليتنا لم نلعب ونلهُ بتلك اللعبة.

ربما كان واقعنا وأرضنا الآن أفضل.

إلى متى ستبقى الصور هي ما يضمد ألم الفراق؟!

إلى متى ستبقى هي الذكرى الوحيدة في ذاكرتنا؟!

متى سأكحل عينيّ برؤيتها، وأردد: الحمد لله الذي أكرمني بزيارتها؟