جامعة القدس المفتوحة

كفّ عدس.. بقلم الطالبة خلود موسى الدرابيع- فرع دورا

نشر بتاريخ: 12-09-2012

كانت سيارة الإسعاف تسير مسرعة نحو المستشفى، وصوتها المرتفع يدوي لينذر الجميع، وكأنه جاء يقول: افسحوا الطريق. يريده أن يبقى على قيد الحياة!

أما هي، فجلست إلى جوار رأسه تراقبه بصمت، وتتأمل تلك القسمات الساكنة بهدوء، وفي ذاتها راحت تسبّ ذاتها الضعيفة, وتمنت لو بيدها تنزع تلك العبوة عن فمه وأنفه فيموت، وتنتهي بموته مأساتها وكابوس رعبها إلى الأبد.

نظرت من نافذة السيارة المسرعة إلى كل الأشياء التي تمر بها في لحظات: إلى الأشجار على جنبات الطرقات، إلى الناس وإشارات المرور, وواجهات المحلات والدكاكين، والسيارات المارة, حيث لا تلبث هذه الأشياء أن تختفي عن زجاج  نافذة الإسعاف لتحلّ مكانها أشياء أخرى جديدة. خيل لها أنها جميعآ قد انتصبت بحزم، وأسفرت عن وجه غاضب, لتنعتها بالغبية الضعيفة، فأسرعت في اضطراب تسترجع ما حدث معها قبل ثوان معدودات:

كان كعادته يصرخ. يكسر كلّ شيء, ويضرب بيده كل ما حال بينه وبينها, لتسرع هاربة خائفة تبحث عن أشياء تداريها عنه, أو تدفع عنها بعض الضربات دون أن تعرف ـ كالعادة ـ ما الذي يغضبه تحديداً. وفي رعب، كانت تحدّق في تلك العصا التي لا تكاد تفارق يديه, وتبكي بحرارة، وتصرخ: «حلّ عني» بأعلى صوت، وتتمنى لو أن العالم كلّه أمامها لتركض هاربة إلى نهايته. لكنها وجدت نفسها في تلك الزاوية اللعينة من البيت، حيث يحدث دائماً كلّ شيء.

وقفت هناك مذهولة مرعوبة، تسترجع في حدّة شريط اليوم: «والله ما قلت ولا كلمة! ولا طلعت بره الباب! ولا لعبت بالمصاري! ولا حتى أجا لعندي حدا!»

كان يتجه إليها، يصرخ ويشتم ويتوعد، ويتفوه بكلمات لم تفهم منها إلا «ليش». ودت لو تمتلك جرأة لتسال: «ليش شو»؟. «طبْ لمّن تعرف لم تضرب؟» طب لم هو غاضب؟ طب بلكي مش ذنبي أنا»؟  أما هو، فجنونه في أكمل مراحله الآن، وفي عينيه  شرٌّ لا يزول قبل أن يتمّ المشهد وينتهي على جسدها المنهك من شدة الضرب والإعياء, ويترك بصمات زرقاء وكدمات لا تهدأ حتى تتجدد!

توسلت إليه قبل أن يمسّها, فزاد غضبه، وارتفع صراخه, فراحت تبكي في صمت وعبرات وجهها تفيض ألماً وتوسلا. وراحت تضرب نفسها بنفسها وبكلتيْ يديها. كانت تكرّر الصفع على خديها الهزيلين، وتشدّ شعرها كلما رأته يقترب، وتضرب رأسها بالحائط، لكنها لم تتفوّه بكلمة, لأنها إن فعلت فسيبدأ هو في ضربها دون رحمة. ثمّ سقطت جاثمة على قدميه تقبلهما كي يتركها.

كانت على استعداد تام لتقبيل حتى حذائه للخلاص، فلا شيء يهمها إلا الخلاص. جلست على ركبتيها وأمالت رأسها, تمسك بقدمه دون أن تنطق بحرف واحد. كان عليها البكاء، فقط البكاء، وكان عليه هو إن يفهم! لكنه هذه المرة لم يفهم، بل سقط جاثيآ على قدميه هو الآخر.

كانت يده تلتصق بصدره بشدة. وازداد احمرار وجهه لدرجة السواد. وبدا واضحاً أنه يعاني من ألم شديد. راح يصرخ: «ساعديني»! أما هي فنهضت في ذهول وراحت تراقبه وترتجف.

لم تفكر في شيء آخر، شيء أحادي الطرف. أو هي بالأحرى لم تنتبه إلى أنها فرصتها السانحة للهرب، وسمعته وهو يقول: «الإسعاف...اطلبي الإسعاف»! ودون تفكير أسرعت وطلبت الإسعاف كما طلب. «ماء أحضري ماء»، وفي تلقائية تامة كانت تصب الماء في حلقه وعلى وجهه، وتمسح بيدها المبللة على جبينه الملتهب، إلى أن لمع في رأسها ذلك السؤال: ما الذي أفعله؟ أنا انقده! وانتبهت لنفسها أخيراً، وانتصبت بحزم، ورفعت الماء بيدها بعد أن شعرت أنّها قوية الآن, وهمت بأخذ المفتاح من جيب زوجها الذي يشارف على الموت.

لكنّ الموقف تبدّل وأصبحت الأحداث تجري, لتثبت لها أنها أضاعت منحة ذهبية من القدر للخلاص, ولا يمكن لهذه المنحة أن تتكرّر مرة أخرى، فقد أصبحت سيارة الإسعاف أمام المنزل الآن.

«يبدو بأنك قلقة لأجله. لا تخافي! أحسنت صنعاً باتصالك بنا سريعاً، وإلا كنت ستفقدينه».

همست لنفسها قائلة: اللي بدري بدري واللي ما بدري بقول كف عدس. غير أنها تجربة لا إرادية. ثنت رأسها وعادت تحدق في زوجها ذابل الملامح، التقت عيناهما، برهة فاجأها بريق غريب ينطلق من عينيه، بريق مشحون بمشاعر شتى: ألفة ومحبة وشعور بالذنب وندم عميق لا قرار له، تسمرت عيناها نحو وجهه الحزين، جذبتها اشراقة لم تعهدها لفترة طويلة، وراودها إحساس غريب بأن سِفْرَ معاناتها يُطوى صفحة تلو أخرى لتحل محلها صفحة جديدة موشاة بالأمل والمسامحة.. امتدت أناملها لتلتقطها أنامله بشوق غريب، ولهفة غامرة وترءة أمام ناظريها في تلك اللحظة حُلمٌ بدأت براعمه تتفتح وسط ركام من المواجع والأحزان.