جامعة القدس المفتوحة

عاشقة خلف الكواليس.. بقلم الطالبة وفاء إبراهيم ابريوش- فرع الخليل

نشر بتاريخ: 12-09-2012

أصوات و جموع أفزعت الأشجار، أجهضت الثمار، صفارات الموت القادمة من السيارات العسكرية، تقضّ مضجع التراب مثيرة غبار الوجع في سماء الأزمة.

لا تُدخلوا أمه عليه.

الأصوات تتعالى.

العتب مرفوع، فليلزم كل منكم الصمت. إنه ابني ملكي. ألقُ حضوره لي. ألم جوعه لي. سلام روحه وضجيجها لي.

تبتعد الحشود. يدخل الشهيد ميدان الوداع، يستلقي على الدعاء والمشاعر المنكسرة. يتوضأ بالدموع الطاهرة.

يقول عمه: لا تدخلي يا أم محمد. احتفظي بعينيه القدسيتين المخضرّتين ربيع زيتون. تذكريه جميلا.

تنظر إليه الأم نظرة تختزل حجم المأساة وكأنّها تقول: اصمت أرجوك! وبرعب المفاجأة أزالت الغطاء عنه خوف إيقاظه، وببطء الموت وذهول القلب كشفت عن وجهه. من يملك قدرة على لقاء الحبيب نائماً في عاصمة الموت، لا يملك كفناً أبيض، بل بعض شراشف مستشفى تكفنه مكتوب عليها بالعبرية بأحرف ملتوية ككيدهم ومكرهم. بثقل يدين عليهما ألف خوف، وبحبّ مقتول يتأرجح على مشنقة اللحظات التي تفصل بينها و بين اللقاء الأخير بابنها الوحيد: صرخة من قاع جبال الهمّ تهتك ستر الجريمة.

هذا ليس ولدي!

تتأمل الجسد المسجى ثانية باحثة عن محمد اليتيم المفقود منذ أسبوع، وقد أطلق الاحتلال عليه الرصاص، وشاهد الجميع مراسم جرّه على الأرض من قبل جنديين من كتفي سترته الشتوية، ليتلو هذه الصفحة المشؤومة، حضور مروحية عسكرية تنقله إلى إحدى المسالخ الصهيونية؛ ليرجع بعدها في نسخة نصف إنسان، مُقتلع العينين حيث استبدل مكانهما قطن أبيض، مجروح الشفتين مخلّع الأسنان منزوع البسمة الملائكية، بمرتبة جرح  من أعلى  الذقن و حتى أسفل البطن، ظاهر بوضوح أنه قد تمت خياطته على عجل.

تتنهد، وتبكي طويلاً بانهيار وبلا صوت، فالكتمان بضاعة الهزيمة المظفرة، تستجمع قواها تهذي:

محمد؛ أعتذر يا حبيبي عن هذا اللقاء الفج. تغيرت ملامحك كثيراً، لكن يدك دائماً كانت تشي بك. أتذكر حين قلت لك إنك إذا ضعت سأعرفك من ندبة يدك التي سببتها لك؟

مواسم الزيتون والعودة، الصبر بي كافر، والرضا فجر هذا المصير، استغفر الله من كل حزن وضيق.

ثمّ تصمت قليلاً ثم تواصل حديثها سراً إليه: أنا المرأة التي خاطت أثواب نساء القرية؛ لتصير طبيب أمك والعالم، من خاط جراحك بهذه الفظاظة، وعندي ألوان الحرير و يداي تشققتا من زينة النساء؟ هل هي خطايا القماش إذ تمزّقه المقصّات والإبر؟ من انتهك حرمة جسدك المكرم؟ من أخذ جوف شعورك و قد تربى برحم انتظاري ومعاناتي؟ الله الذي أنزل خفق قلبك فيّ اقتلعه بهذه الهمجية؟ في أية زنزانة حقود سيُسجن ثانية لينبض بالعداء؟ من قصّ أضلاعك واطلع على أسرارك واقتلع الطهر  الساكن من الشريان إلى الشريان؟ من اجتث الحبّ متأصلا كخيل عربي كان يجري في مضماري؟ أراهن على بره بصلاة الفجر في المساجد؟ من زرع البياض الأسود في محجر عينيك اللوزيتين الربيعيتين كأوراق العنب المتقطرة نظرات عشق؟ محمد ألن تنظر إليّ بعد الآن وقد حِكْتُ لك في هذا الشتاء شال حنان من صوف الفقر، وصموداً من وجع المقاومة؟ هل نقضت نسلي رياح الركود العربي، و داست أملي الشرعية الدولية؟

تدافعت الجموع لتختطف الشهيد من بين يديها والكل في حالة تسمر وذهول. تشبثت به الأم. ضمت جسداً خاوياً من داخله. أرعبها الملمس، لجأت إلى إغماءة قهر مرغمة على الغياب في حضرة الرحيل.

 صمم الغزاة على دفنه سريعا، فالكتمان والدفن السريع لقضايا الأمة انتصار لهزيمتنا، وشرب نخب الذل حد إدمان الطأطأة.

انقطعت الكهرباء عن القرية، تسارعت الجموع ثانية نحو المقبرة، بدأت الفوانيس القديمة بالظهور على ساحة الحدث، لتكون مقارنة بين أوجاع جيلين، يوسدون شهيدهم التراب. 

تدخل الجنود في التفصيل الأخير بوضع الإسمنت المسلح على القبر. غادر الجميع تحت تهديد السلاح، فكان الحزن مطارداً والأمان مهجراً في السلام الأخير.

من يؤوي قلب أم ثكلى هذا المساء؟ تنظر في المدى البعيد تخاطب صور الراحلين على الجدران. تدرس ملامح الوجه والذكرى في محاضرة واحدة للافتقاد. من يستوعب هذا الزخم في فصل واحد للحرمان! تبحث عن خطواته على الحصير المتمزق قدماً. تعود إلى الصراخ من جديد وهي تتذكر محمداً بلا محمد. تنهار من جديد. تحتضنها الآيات المنبعثة من فضاء الله. هو وحده يعلم تفاصيل وجعها، وهو سيقتص لها، فلا أمل في النداء للجهاد من خارج الحدود.

 تنادي ابنها الشهيد: أنت في شراييني عواء ذئاب وليل موحش، وحوش ضارية تتنقل بين أعصابي بلا حواجز عسكرية منصوبة للتحقق من هوية الوجع، ذعر يلاحق نبضاتي المستباحة حتى النخاع لآلامي وأوهامي. كفأر مرعوب أتقوقع في جسدي، انحسر في ذاتي، فالمد والجزر اللذان لطماني بالمصائب، علماني الهرب إلى الجفاف اتقاء لفتنة الغرق في اللامعقول والكفر بالرضا.

  يمر اليوم تلو اليوم وهي في حالة قراءة منتظمة لملامحه، لتصحو فجأة على صوت إطلاق نار وصراخ. تتساءل في نفسها: هل هو اجتياح جديد أم طريدة تبحث عنها قطعان الإجرام؟ يتعالى الطرق على الباب، يأخذها بعض الفزع، و يتنفس الحقد في صدرها ورغبة الانتقام.

حملت سكيناً و بهدوء سألت: من بالباب؟  

خالتي، أنا مروان صديق محمد. افتحي الباب، إنني ملاحق.

فتحت الباب سريعاً وكأنها سترى ابنها يرافقه راجعاً إليها. كان صوت أنفاسه يخترق السكون، وعوده الرقيق يكاد ينكسر من وقع الملاحقة الشرسة، وهو يحمل معه حقيبة متوسطة الحجم. سحبته وأغلقت الباب.

خبئيني يا خالة. الحقيبة يا خالة يجب إخفاؤها.

نظرت حولها تستنجد بأيّ أمان فخطر لها خاطر: تعال يا مروان في بيت ماكينة الخياطة.

جلس القرفصاء ورمت عليه بعض قطع القماش، وتركت الباب الصغير مفتوحاً حتى لا يثير الشك، ثم خرجت على مهل من باب المطبخ الخلفي، ووضعت الحقيبة في غرفة الطابون، وألقت عليها روث الأغنام الجاف وعادت سريعا إلى البيت.

بعد قليل تدافعت الطرقات الفظة والشتائم من خلف الباب مطالبة بفتحه، استجمعت ألمها وغضبها، وبعصبية الانتقام فتحت الباب وصرخت 5في وجوههم:

نعم، ماذا تريدون؟ محمد قتلتموه. لم يبق لديّ أحد، فماذا تريدون؟

ارتجف الجنود رغم أسلحتهم العامرة بالموت، لكنّهم دفعوها بهمجية من يقتل للتسلية ويأخذه كابوس غداة خوف مفاجئ، دخلوا الغرفتين الوحيدتين  فقالت لهم بسخرية:

إياكم أن تتوهوا في سراديب الألم والتوبة فلقد أخلي البيت من مرافقه العشقية.

نظر إليها أحد الجنود، وكأنه يرى بها لعنة، وبلغة مكسرة قال لها:

«انت تسكت ولا بفرِّغ الرصاص براسك»؟

ضحكت: لقد فرغتموها قبلاً، فأنا ميتة مع وقف التنفيذ. وظلت تنظر إلى النافذة حتى لا تخونها عين الرجاء بالنظر إلى بيت الماكينة. وبعد قليل تنهدت وقالت بصوت ملؤه الرضا و الشكر:

الحمد لله خرجوا بفظاظة دخولهم، وكأن الهلع يطاردهم؛ فسلاحهم مصوّب إلى العتمة والظل الماشي خلفهم. خفافيش رادار حياتهم القتل، لكنهم بغضب الله دائما يرتطمون ويتساقطون في ذل معيشتهم نحو الحياة نحو الموت مقهورين وربّ الكعبة.

أغلقت الباب وأحكمت قفله، وخرج مروان وهو عاقدٌ حاجبيه، وكأنه يشقّ طريقه نحو الغموض  بصياغة هدف ثابت.

آسف يا خالة، عرضتك للخطر.

نظرت إليه بحنان متعب، وكأنها تتوسم فيه إشراقة محمد:

لا تعتذر و إلا سلمتك لهم، و تبسمت بهدوء الحزن الرقراق من الطهر.

يجب أن أخرج سريعاً.

إلى أين والجنود ما زالوا في البلد؟

 يجب أن أتحرّك.

مروان قل لي ما بك؟ ولماذا تصرّ على الخروج. إن كان هناك أمر فقله.

لا شيء يا خالة، لكن حتى لا تتورّطي معي أكثر.

وحقّ من أبدع في جبينك رسم السجود، هناك أمر أنت تخفينه.

حلفتني بمن لا أخون حقّ جلاله، معي في الحقيبة حزام ناسف يجب أن أوصله إلى استشهاديّ ينتظرني على مشارف القدس.

وهل ستخرج وأنت ملاحق يا بني، والبلد مطوقة؟

سأحاول وإن كلفني ذلك حياتي.

اصمت مروان، فأنت لا تعلم  كيف تجاهد الأمهات خلف الكواليس بعد الرحيل. لديّ فكرة أفضل من فكرتك.

أسعفيني يا خالة. يجب أن أكون مع خيوط الفجر الأولى قد سلمت الحقيبة للاستشهادي وألبسته الحزام.

سوف تلبسني الحزام يا مروان، وأنا سأخرج لنثر قلوبهم المحشوة سواداً.

مستحيل يا خالة، ماذا تقولين!

أنا اعرف شوارع القدس، ومواقف السيارات فيها، ولي رباطة جأش وتسليم.

قال برجاء المستضعف: لكن يا خالة!

أرجوك. أريد لقاء محمد هذا الصباح.

لكن..

هات يدك أقبّلها. أرجوك. اشتقت للسكون بين يدي الإله. لم يعد لي على الأرض سكن، لكنني لست مسافرة، فأنا سأزرع نفسي أشلاء في هذه الأرض.

يا خالة، الأمر شاقّ عليك.

مروان، يكفيني أن أتذكر محمداً بلا عينين، وستجدني مهرة عربية أصيلة تجري نحو القدس.

أطرق قليلا ثم قال: حسنا. حفظك الإله يا أمي.

الله ما أجمل هذه الكلمة. اشتقتها. افتقدتها. نادني ثانية بها يا مروان.

أمي.. أمي.

هيا مروان، فلتكن الطاعة للأم.

ألبسها الحزام الناسف المفخّخ بكميات من المتفجرات و المسامير، ودموعه تغمر وجهه رأفة وألما لهذه العاشقة المقتولة بتهمة الوطن. ابتسم لها وقال: هناك شرط لإتمام الصفقة هذه يا خالة، ولن أدلك على طريقة التفجير حتى تعديني.

تفضل. أنا مهاجرة يا مروان، ولن يهمني شيء.

أخاف أن تخلفي الوعد.

ابتسمت: أنت تدبر لمزحة يا مروان. تكلم!

عندما ترين محمداً عند مليك مقتدر، وترين الجنة، لا تنسينا من الشفاعة، وإلا نقضت الاتفاق معك.

قالت بضحكة الواثقة المقدمة على مجد: لا تقلق. إذا ما تقبلني الله شهيدة عنده.

خالة، إن للشهيد كرامات. إن الله يغفر له مع أول قطرة من دمه.

وأثر الموت كوخزة بسيطة. إنها تجارة رابحة. يا الله، عليك حولي واعتصامي.

خالة، لم أكن لأقول لك هذا الأمر: هناك كولونيل كبير في الحافلة هو من تم نقل قلب محمد إليه.

ماذا تقول؟ سأقتل محمد مرتين؟

كلا بل عليك أخذ قلب محمد إليه حتى لا يظلّ مسجوناً في صدر قاتل. عليك تحريره!

خبر عاجل: القناة الإسرائيلية الأولى ـ عملية إرهابية تمت صباح هذا اليوم في القدس من قبل انتحارية. لم تُعرف بعدُ معرفة هويتها، راح ضحيتها كولونيل كبير وجنود ومجندات من الجيش.