جامعة القدس المفتوحة

مذكّرات ذكرى.. بقلم الطالبة عايدة عطا الله سويدات- فرع أريحا

نشر بتاريخ: 12-09-2012

أصبحنا وأصبح الملك لله. هذا اليوم سيكون أول يوم لدوامنا في الجامعة، وأنا متلهفة جدا لألتقي بأصدقاء جدد، وأرى المعلمين الجدد وأشعر بأنه أجمل يوم في حياتي. والشمس ساطعة هذا الصباح،  وقد تأملت شروق الشمس رويداً رويداً. ما أجمل الشفق الأحمر وشعاع الشمس الأصفر: إنه يذهلني جداً. وأنا استيقظت الساعة الخامسة صباحاً، وكنت نشيطة ومليئة بالسعادة، والآن سأذهب كي أعد الفطور لأهلي. 

 بعدما تناولنا الفطور ذهبت لأعدّ نفسي للذهاب إلى الجامعة، ولم أكدْ أكمل ارتداء ملابسي إلا بوصول ابن عمي الذي سأذهب معه. إنه يدرس سنة تحضيرية. اسمه محمد، وأنا اعتبره شقيقاً لأنه درس معي، في السنوات الأولى من عمري، والأهم أنه درس الثانوية العامة معي، وهو الآن يدرس معي في الجامعة نفسها.

كان من حسن حظنا ونحن نمضي في طريقنا إلى موقف السيارات أنه لم يمرّ علينا في السير سوى بضع دقائق، حتى وجدنا سيارة عند مفترق طرق. وعندما وصلنا إلى المدينة توجهنا إلى الجامعة. هناك استمتعت كثيراً ولم يقصر أحد معنا، كان أستاذ اسمه محمد لطيفا، وبادر إلى مساعدتنا بكل شي.

الآن حان موعد العودة إلى المنزل، فتذكرت ونحن في وسط البلد إن أخي الأصغر «أيلول» طلب مني قبل بدء الدوام ببضعة أيام أن أحضر له معي بعض المسليات، ووعدته بذلك. اشتريت له شبسات وجلي وساندوش فلافل من المطعم الشعبي، وأثناء ذلك ذهب محمد إلى الحسبة كي يشتري الخضار لعائلته.

عندما أصبحت جاهزة، ذهبت إلى كراج السيارات. وبعد برهة عاد ابن عمي مصعب من مكتب الجوازات، لأنه كان يجهز جوازه كي يسافر إلى الأردن كي يرى خالتي وأخته غدير التي تزوجت مند عام ونصف العام. في الطريق سألني عن تخصصي وما هو رأيي في الجامعة؟ فقلت:

رأيي هو إنها جميلة وعندي هاجس أنها ستكون أجمل مع مرور الوقت.

كان أيلول ينتظرني بلهفة على الشرفة، وكانت السعادة تغمره، وظهرت في عينيه، وبخاصة عندما رأى الأشياء التي أحضرتها له.

أنا مرهقة جداً. كان نهاري متعباً وشاقاً. مند قليل استمعت إلى نشرة أخبار الثامنة على قناة فلسطين، وهم يتحدثون عن أحقية وطننا في الانضمام إلى عضوية الأمم المتحدة، وعن أن الرئيس سيبذل جهوده لتحقيق هذا المطلب السامي. إنني أميل إلى أن تكون هذه إشارة أو بشارة لتحقيق استقلال البلاد وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. لقد تمزّقت أوصال البلاد والسهول الخضراء أصبحت شاحبة ويابسة، كل هذا بفعل الاحتلال، فلعل هذا يكون الحل والمفتاح الصحيح، لأننا في هذه الأيام نخطئ ولا نصيب.

 

اليوم: السبت، الموافق: 3/9 ـ الساعة:8:45 مساء

 

بعد قليل سأذهب إلى بيت أختي. لقد اشتقت لرؤيتها كثيرًا. في ضحى هذا اليوم زارتنا الجارة أم خضر، وكالمعتاد أثناء الجلسة تناولنا الحديث عن السياسة والوطن وإسرائيل إلى أن وصلنا إلى الوضع الراهن الذي يمر به الوطن والشعب بأسره واستحقاق أيلول. كالمعتاد أبدت جارتنا اعتراضها ورأيها في الخلاف السائد بين فتح وحماس.

لا أعلم من هو على حقّ أو على صواب، ولا أستطيع المشاركة في الحوار، لأنه لا يمكننا التخلي عن النظر إلى أمي أو جارتنا وملامح وجهيهما التي توحي بحماسة الحديث وحرارة الشعور بأهمية حرية الوطن وفكّ أغلاله. كلّ ذلك يشعرني بمسؤولية تجاه الوطن، لكنني عاجزة عن المبادرة أو عمل شيء بسيط له، حتى لو كان لا يذكر في التاريخ، من أجل أن أشعر بالرضا الداخلي عن نفسي. لكنني في كلّ صلاة أطلب من الله أن ينور هذا الوطن بنوره، ويرفع عنه الحصار والأغلال.

هذا أهم حدث أثر في نفسي هذا اليوم بالرغم من أنني كنت مشغولة بالجلوس مع أمي  والجارة أم ألبي نداء أخي الأكبر، وكلهم ينادي: ذكرى.... ذكرى!

غدا سأذهب إلى الجامعة. لا أعلم ماذا ينتظرني، وستبدأ أولى المحاضرات. سأذهب كي أحضر حقيبتي التي سآخدها معي.

 

 اليوم: الجمعة، الموافق: 9/9/2011 ـ الساعة الخامسة مساء

 

اليوم في المجمل لا بأس به، لأنه كشف البرقع عن هواجسي التي كنت أتخوّف منها دائما، وأخشى أن تحدث معي. قال لنا أستاذ اللغة الإنجليزية عن أهمية المتابعة اليومية للمادة حتى لا تتراكم بسبب الظروف المقبلة والحصار وانقطاع الطرق. شعرتُ والأستاذ يتحدث بوخزة في قلبي كادت تقتلني، وبدأت الرياح تلعب بشراع سفينتي.         

بينما كنت سارحة في هواجسي، شدّ انتباهي أخي أيلول. كان جالساً ومعه دفتر وقلم ويكتب، فسألته ماذا يفعل؟ فقال: إنني أكتب مذكراتي مثلك تماماً. واقترب منني وسألني: ماذا يعني استحقاق أيلول؟ وللحظات أخذت أتفرس في ملامح وجهه اللطيف وقلت: يا أخي إنه حق الدولة الفلسطينية في حصولها على العضوية في الأمم المتحدة لتصبح من الدول المعترف بها وتحمل الرقم 194.        

قال: كنت أظنه شخصاً يدعى أيلول تابعاً في السجون الإسرائيلية، وأن الاستحقاق يعني الخروج من السجن، والعيش بكرامة.

 

 اليوم  السبت: الموافق 10/9/2011 ـ الساعة 10.00 مساء

 

عمت المدينة مظاهرة كبيرة، وكان أخي الأكبر معهم والتقى امرأة عرافة قالت له ومضت: إن استحقاق أيلول يا بني قد ينجح والنصر لنا.

انقضّ الجيش الإسرائيلي على المتظاهرين واعتقلوا عديداً منهم، وأخذوا يضربونهم بشدة، ويلقون عليهم الغاز المسيل الدموع. كانت بينهم امرأة حامل لم تستطع الفرار، فأنجبت أربعة أطفال أسمتهم على اسماء زوجها وأخيها وابن عمّها، أما الرابع فعلى اسم أيلول لأنه الرجل الوحيد الذي بقي إلى جانبها. لقد وصفته بأنه رجل بالرغم من صغر سنه. إنه في الصف السادس، وهو مثل حلم جميل إن دلّ على شيء فسيدلّ على أن هذه الأرض لن تموت، وأن فيها نساء و رجالاً ينجبون أشبالاً لا تأبه  لما يصيبها حرصاً عل الحفاظ على تراب مملكتها.

اليوم رأيت بوادر الانتصار كأنّها ستخيم فوق جباهنا. أنا لا أظنّ الأمل سيختنق مرة أخرى في صدور الفلسطينيين. في اليوم الماضي ألقى الرئيس خطاباً مهماً أشعر العالم بإصرارنا الذي لن يتوقف، وحظي باحترامه. ولا شكّ في أن الطريق سوف يكتمل.

 

اليوم الجمعة: الموافق 30/9 ـ الساعة 9.30

 

انطفأت شعلة الإصرار لوهلة، والنار التي تضطرم في قلبي تزداد احمراراً ووهجاً. أنا لا أعلم ماذا أكتب. هل أدع الدموع تتحدث أم حروفي التي تبعثرت؟ إنني أقف حائرة أمام هذا المنظر وقفة توحي بالعجز. ماذا أفعل؟

هل الأيام ستتحدث أم الرؤساء أم المساجين؟ مسعى الرئاسة مطروح على الطاولة في دفاتر تنتظر من يزيل الغبار عنها أو حتى من ينظر إليها. لا أعلم ماذا أكتب. أظنّ أن أيلول ذهب وتلاه الذي يليه. هكذا ستمضي الأيام والساعات ونحن ننتظر إلى أن يحين ميعادنا. هكذا ستمضي الأيام.