جامعة القدس المفتوحة

حنين: طفلة الصمود.. بقلم إسلام خالد حريزات- فرع يطا

نشر بتاريخ: 12-09-2012

تحت ظلال أشجار الزيتون المستديرة، وبين أزهار الحنَّون والعشب الأخضر، كانت تجلس حنين متمسكة بقلمها البني ودفتر الرسام الأخضر. كانت تنظر إلى الشمس المتلألئة في السماء تارة وتارة أخرى إلى هناك، إلى الأمام حيث كل الأحلام الجميلة، حيث الحبّ والشوق والحنين، تحتار ماذا ترسم في دفترها الصغير. دون أي تفكير رسمت ما كانت تنظر إليه، شي عجيب حدث داخل قلبها الصغير جعل قلمها ينثر أسراراً. كانت ترسم على صفحات دفترها قبة صفراء برّاقة تبهر العيون بلمعانها، وجدراناً صلبة شاخت، ولم تتعب من حملها، وأشجار زيتون مباركة رفضت أن تفارقها، وأناسا طيبين يرنون إليها.

كل ذلك الحب الكبير كان داخل قلب حنين الصغير، الطفلة التي لم تتجاوز التاسعة من عمرها. زرعت لفلسطين وللقدس الشريف كلّ الحب والاشتياق كباقي أطفال الوطن العظيم.

سألتها المعلّمة: ما هذا الذي ترسمينه يا حنين؟

إنها القدس يا معلمتي الفاضلة.

رغم صغر سنّك، إلا أنك طفلة ذكية. نعم، إن حب الوطن أجمل بكثير.

لم لا نذهب لزيارتها يا معلمتي، فأنا مشتاقة لها كثيراً؟

قريباً جداً سنذهب، فها نحن نطالب بها، ولن نيأس طالما كان هناك قادة نفتخر بهم.

لم لا نذهب الآن؟

هذا مستحيل، فالعدو يمنعنا من ذلك، وقد أقاموا ذلك الجدار المرعب ليعزلوها عنا، ونحن ننتظر حتى يتحقق القرار.

لا بأس نذهب أنا وأنت وأبي وباقي الطلبة ونضربهم حتى يهربوا.

ردّت المعلمة مبتسمة: أنت فتاه قوية! حفظك الله ورعاك. لكن تأكدي أننا بصبرنا وإرادتنا وعزمنا سننتصر.

حضنت حنين ذلك الرسم بقوة وأغمضت عينيها الصغيرتين متمنية أن يتحقق ما قالته المعلمة. وبعد أن عادت إلى المنزل جلست قرب جدّها، وأطلعته على ما رسمت، فقبل رأسها وقال: بارك الله فيك. إنه أجمل رسم على الإطلاق.

وبينما كانت جالسة دار حوار بين عمها أحمد وجدها.

أحمد: ما رأيك بالقرار الجديد الذي اتخذه الرئيس يا أبي؟

الجد: إنه الحق الذي طالب به أهله.

أحمد: ترى هل سيوافقون على هذا القرار يا أبي؟

الجد: وإن رفضوا سنعيد المطالبة بحقوقنا مرة ومرة ومرة أخرى. لن نيأس حتى لو كان على حساب أرواحنا، فنحن أصحاب القضية.

أحمد: حفظ الله رئيسنا وحمى أبطال هذا الشعب العظيم.

أحمد: هل رأيت الدموع الممزوجة بالفرح في عيون الناس حين ألقي الرئيس خطابه أمام ملايين البشر في هذا العالم؟

الجد: يا الله، إنها لحظات يعجز الإنسان عن وصفها؟

حنين: عم تتحدثون يا جدي؟

الجد: عن القدس. ألم تخبرني أنك تتمنين زيارتها؟

حنين: نعم يا جدي.

الجد: حسنا، إن شاء الله سيتحقق لك ما ترغبين.

ولأن حنين طفلة عنيدة تتمنى دائماً أن تحقق ما تريد قالت لعمها: عمي، دعنا نذهب الآن، وإن رفضوا أن نعبر فارفعني بيديك كي أعبر الجدار وأنت الحق بي.

قال العم متبسماً: وكيف ألحق بك؟

حنين: (وبعد تفكير عميق) بالسلّم؛ فلدينا في المدرسة سلّم خشبي صغير. تسَلَقَّه أنت وجدي وأبي. حينها ندخل القدس.

العم: (بعد أن قبلها) أنت ذكية يا حنين، حفظك الله، لكن أتمنى لو كان بإمكاننا ذلك، اذهبي يا صغيرتي للنوم.

لكن تلك الأفكار بالعودة إلى القدس لم تفارق خيال حنين، وعزمت على أن تنفذ فكرتها للذهاب بكل براءة دون أي إدراك للخطر الذي ينتظرها هناك. ذهبت إلى المدرسة في اليوم التالي وأخذت بصحبتها السلّم الخشبي الصغير.

كانت فتاة قوية، فاستطاعت سحبه إلى الجدار القريب من منزلها، عازمة على الصعود، معتقدة أن سلماً صغيراً سيمكنها من عبور جدار كبير. قلبها الصغير لا يعرف معنى الخوف، وهي تحضن بين ذراعيها الصغيرين رسماً أرادت أن تراه دون الورق، لكنها قبل أن تخطو خطوتها الأولى على السلم اخترق صدرها رصاص العدو اللعين، فسقطت على أرض الوطن ساكبة دمها الأحمر الطاهر على تلك اللوحة.

نامت بكل براءة في أحضان رسمتها الصغيرة، طفلة لم تتجاوز التاسعة من عمرها. هي حاولت، وها نحن جميعاً بإرادتنا وعزمنا نحاول حتى تعلو راية الحق، فهي ليست الطفلة الأولى، ولن تكون الأخيرة من شهداء فلسطين حتى يتحقق الحلم.