جامعة القدس المفتوحة

من عطر النار إلى رحيل..بقلم الطالبة تهاني فتحي سوالمه- فرع طوباس

نشر بتاريخ: 12-09-2012

الثالث والعشرون من أيلول من السّنة.....، لا يَهُم في أيِّة سنة، لأن ما حدث قد حدث في وقتٍ من الأوقات ليس ببعيد. المخيّم يطغى عليه الهدوء، وكلُّ شيءٍ صامتٌ إلا صوت آذان المغرب الذي يتردّد صداه في كلّ زاوية من زوايا المكان مُضفياً على المشهد لمسةً من الخشوع وكأنه تفصيلٌ أبديٌّ من تفاصيل تاريخ هذا المخيم. وكغيره من الأيام كان يوم الجمعة ذاك يوماً عادياً، لكنّ كلّ شيءٍ كان على وشك أن يتغيّر بالنسبة لعائلة عُمَر أبو سراج.

الساعة السابعة مساءً، والجدة العجوز تلازم غرفتها كعادتها، تشاهد التلفاز الصامت، دون أن تفهم مما تراه شيئا والزوجة مستلقيةٌ على السرير الذي يتوسّط الغرفة الكبيرة نصف نائمة ونصف مستيقظة، و سلمى ابنة عمر الكبرى جالسةً أمام التلفاز في الغرفة نفسها، تشاهده بكل عمقٍ وانفعال، خالقةً إزعاجاً لغفوة أمّها الليلية، بينما سعاد أختها الصغرى تغطُّ في النوم من ساعةٍ مبكّرة في زاوية من زوايا الغرفة، لأنّ عليها النهوض باكراً للذهاب إلى عملها المعهود في روضةٍ تقع على مَقرُبةٍ من بيتهم الصغير مسافة عشرين قدماً، وهي تقوم هناك برعاية الأطفال الرُضّع لقاء أجرٍ زهيد آخر كل شهر.

سلمى ابنة الواحد والعشرين ربيعاً، وسعاد ابنة التسعة عشر ربيعاً تختلفان كلياً عن بعضهما بعضاً في أغلب الأمور، كطريقة التفكير أو التصرّف، ففي حين أنّ سلمى فتاةٌ عميقة وغامضة ولا تطفو على السطح أبداً فإنّ أختها فتاةٌ بسيطة وواقعيّة، وما يدور داخلها مترجمٌ دائماً ولا يحتاج إلى تفسير؛ لا يَهُمُهَا في هذه الحياة شيءٌ سوى أن تجد كل يوم ٍ مالاً تصرفه على نفسها، وطعاماً تأكلهُ، وملابس جديدة تقارن بها نفسها ببقية فتيات المخيم؛ إلا أنّ لهما الملامح نفسها، والطول، وحتى العيون نفسها والأهداب، لدرجة أن الناس يعتقدون دائماً أنهما توأمان، لتكون المفارقة بعينها: لا تدع غلاف الكتاب يخدعك! وبالرغم من كل ذلك فهما مثل الروح الواحدة، ما تفتقده إحداهما تكمّله الأخرى.

الهدوء ما زال مسيطراً على الأشياء، والساعة المدوّرة المعلقة على الحائط تسير ببطء. نظرت سلمى إليها ثم نهضت من أمام التلفاز، ومضت نحو الممرّ الضيق الطويل الذي يقع أمام الغرفتين لتصل إلى النافذة الصغيرة. مرّت من أمام جدتها رحيل، التي تشاهد التلفاز بصمتٍ، كما كانت وكما ستكون والتفسير المنطقيّ لتصرّفها هو أنّه إذا كان التلفاز صامتاً فسوف يستهلك كهرباء أقل. هذا ما قالته الجدة لسلمى عندما سألتها مرة ًعن الأمر.

بعد خطوتين أمام الباب الثاني، ها هي رحيل تنادي حفيدتها:

سلمى تعالي.

نعم يا جدتي، ماذا تريدين؟

تعالي اجلسي وسترين.

ماذا أرى يا جدتي؟

نظرت سلمى إلى التلفاز الصامت، فوجدت أن جدتها كانت تشاهد خطاب الرئيس عن إعلان الدولة. شفتا الرئيس تتحرّكان، وجميع الحضور يستمع إليه بإصغاء، وبين الفينة والأخرى يصفقون له أحزاباً فحزبٌ يصفق بحماسةٍ وقوّة، وآخرُ بالكاد يحرّك يديه أو يصدر صوتاً.

أترين كم يصفقون له!

نعم لقد صفقوا له كثيراً. دعينا نرفع صوت التلفاز لنسمع ما يقول.

ترفع الجدة صوت التلفاز، ثم تبادر مرة ً أخرى:

ما الذي يقوله؟ أنا لا أفهم شيئاً.

إنه يتكلم عن الدولة يا جدتي. رئيسنا يطالب بدولةٍ تكون لنا كغيرنا من الشعوب والأمم.

هل هذا يعني أننا سوف نعود؟

من المفروض.

وسوف يصبح لدينا عملة وجيش مثل الجيش الأردنيّ وغيره، وسوف نذهب ونأتي كما نريد.

إن شاء الله يا جدتي فليسمع الله كلامك.

الأصوات تتعالى في الخارج والمكان، كأن الفوضى تعمّه،ُ والجدة تلاحظ.

ماذا هناك؟ من أين يأتي هذا الصوت؟

إنهم شباب المخيم يتظاهرون من أجل الدولة. لقد قرّروا. يريدون دولة.

فليَحمِهم الله وليُقوِّهم. ولكن كأن الصوت صار يعلو. يعلم ُ الله ماذا يحدث هناك!

ماذا يحدث يا جدتي؟ أنت تعرفين الشباب وتعرفين فوضاهُم.

أين أخواك سراج وحسن؟ لا أسمع لهم صوتاً.

أين سيكونان يا حبيبتي! مؤكّدٌ أنهما في النادي مع أصدقائهم. كنت ذاهبةً قبل قليل لأطلّ من النافذة على الحارة، ولأرى إن كانوا فيها أم لا، لكنك ناديتني قبل أن أفعل.

اذهبي الآن وانظري.

تتجه سلمى مرةً أخرى نحو النافذة وتزيح الستارة المهترئة وتطلُّ برأسها. تنظر هنا وهناك في جميع الاتجاهات ولتريْ أحداً، لكنها تصغي لصوت الهواء الذي تسمعه بهذا الوضوح لأول مرةٍ، وكأنه يَمُدّ يده ليصافح شعورها. تقف هناك بلا حراك، وتستغرق في الخيالات والظلال والأصوات، فهي لا تفهم سوى هذه اللغة الكليّة، كما تسمّيها، ثم تعود إلى الواقع على صوت جدتها تنادي:

سلمى ما بك تأخرت؟ كلّ هذا ترين إذا كانوا في الخارج أم لا؟ يبدو أنك سرحتِ بخيالك بعيداً.

تتردد سلمى في خطواتها ثم تعود إلى الغرفة وتجلس على الكرسي الحديديّ قرب الباب.

إذن أين هم؟

ليسوا في الخارج. مؤكدٌ أنهم في النادي كما قلت لك.

تعود سلمى لتفكّر في صوت الهواء وما أحسّت به لأول مرة، ثم يخطر على بالها أن تسأل جدتها:

جدتي!

نعم يا حبيبتي.

لماذا سمّوكِ رحيل ؟

تصمت الجدّة وتحدّق في الأرض دون أن تنبس ببنت شفة. تحسّ سلمى بأنها اقترفت خطأً فادحاً بطرح السؤال، لكن الحمّى أصابتها وانتهى الأمر، وهي الآن تريد أن تعرف الإجابة. لذلك تنتظر وتحدّق هي بدورها في الصورة التي طالما كانت هناك وسط الحائط الإسمنتي القديم. كانت صورةً لثماني صبايا يقطفن البرتقال أو يلتقطنه في بيارة من بيارات يافا، وقد كتب أسفلها: بيّارات يافا: فلسطينيات بالأثواب الشعبية لمنطقة يافا في موسم قطف البرتقال.

كلما كانت سلمى تريد النظر إلى شيء لا تنظر إلا إلى هذه الصورة الجميلة. لم تكلّ منها يوماً ولم تملّ، وطالما تمنت أن تكون واحدة ً منهن. أدارت وجهها نحو جدّتها فإذا بها تنظر إلى الصورة نفسها وتقول:

أترينهُنّ! أنا كنت أجمل. كان شعري تحت خاصرتي وأسودَ أسودَ مثل الليل. كانت الفتيات يقلْن لي: شعرك خيليّ، أي مثل شعر الخيل، وكنت أملك عينينِ واسعتين شهلاوين أي ملونتين ووجهاً مدوّراً مثل البدر.

عادت الجدة وصمتت، وسلمى لا تزال تصغي بكل إخلاص ثم قالت:

أكملي يا جدتي. أحبّ قصصك وحكاياتكِ عن الماضي وأيام البلاد.

آه ٍ يا حبيبتي ماذا أقول لك وماذا لا أقول؟ لقد كبرت في العمر وتغيّرت ولم أعد مثل قبل لا أعلم ماذا أقول ولا أعلم ماذا أفعل، حتى إن سمعي أصبح ضعيفاً. سقا الله تلك الأيام!

تعود الجدة وتتنهد تنهيدة حارة ثم تكمل: رحم الله تلك الأيام كم كانت جميلة.

فوجئت  سلمى عندما عادت جدتها وأجابت على السؤال الأول: كانوا يريدون تسميتي زكيّة ، لكن أمي قبل أن تنجبني بيومين أتتها امرأةٌ في الحلم وقالت لها: ابنتك في اليوم الذي ستطلب يدها للزواج سوف ترحلون، وهكذا سمّوني رحيل، والجميع يعرف بقصة اسمي. وحقاً لما صار عمري خمسة عشر عاماً، كنت أزرع الأرض بندورة مع والدي. قدمت الفتيات وقلن لي: تعالي إلى البيت، لقد جاءك عريس.

وماذا حدث بعد ذلك؟

عندما عدت من الأرض وجدتُ جدّك حسن. كان قد طلب يدي، وكان من عائلةٍ محترمة، والكلّ يعرفهم، وأنا أعرف شقيقته، فلقد كانت صديقتي. لذلك وافق والداي. وفي اليوم نفسه، دخل اليهود علينا في الليل مثل العصابات، وأخذوا يطلقون الرصاص، والذي لم يكن يستجب لمطالبهم ويخرج من أرضه وبيته، كانوا يقتلونه أمام ناظري جميع أفراد عائلته، من الكبير حتى الصغير، وهم لم يفرقوا بين شيخٍ أو امرأةٍ أو طفلٍ أو شابّ فمنهم من استشهد ومنهم من خرج من أجل عائلته، لأنه داعمها الوحيد. ونحن خرجنا وتركنا وراءنا كلّ شيء من الذهب والمال والفراش حتى الأرض والبيت حالنا كحال الكثيرين، حتى أن قلوبنا تركناها هناك.

علمت سلمى أنّ جدّتها سوف تكمل، لذلك نظرت إليها بكل محبةٍ وتابعت إصغاءها:

من ذلك اليوم حتى يومنا هذا لم نعرف طعم الفرح، وإن عرفناه لا نحس بطعمه. لم يعد شيء يفرق، فالذي كان يهمنا ذهب في لحظة ظلمٍ واحدة، وحتى اليوم ما زلت أرى نفسي هناك واقفةٌ وسط الأرض أزرعها مع أبي، والشمس تلفح وجهي.

ارتفعت الأصوات في الخارج من جديد لكن هذه المرة كان هناك صوت إطلاق رصاص ودويّهُ سُمِعَ في كلّ الأرجاء. اندفعت سلمى نحو النافذة لترى ما الذي يحصل، فوجدت الناس يركضون ويتدافعون نحو مكان ٍ بعيدٍ عن المنزل. حينها أحسّت بالخوف وشعرت بأن شيئاً سيئاً قد وقع.

عادت إلى الغرفة فسألتها الجدة:

ماذا هنالك؟ لقد سمعت صوت رصاص.

لا أعلم يا جدتي أنا ذاهبة لأرى أبي وأعلم منه.

اتجهت نحو غرفتهم الكبيرة فوجدت أمّها جالسة على السرير وسعاد تناولها كأساً من الماء فسألت:

سعاد ماذا حصل؟

لا أعلم يا أختي، ولكنني استيقظت من نومي على صوت الرصاص، ووجدت أمي قد استيقظت لتوّها، لكنّها كانت تبكي.

ما بكِ يا أمي؟

أنا خائفة على شقيقيكِ وأبيكِ يا ابنتي فهم لم يعودوا حتى الآن.

لا تخافي. كلّ شيءٍ سيكون على ما يرام بإذن الله تعرفين أبي. مؤكّد أنه لدى الجيران يشرب القهوة مع أصدقائه ويتكلمون في السياسة والتجارة، أما سراج وحسن فهما في النادي كالعادة.

ولكنني رأيت حلماً مزعجاً اللهمّ ألطف بنا!

نظرت سلمى وسعاد إلى بعضهما بعضاً، ثم نظرتا إلى أمهما، وبدأت سلمى:

ماذا رأيت؟

لا أعلم ولا أتذكر لكنني أحس بضيق في صدري وأشعر بأن مكروهاً سيحدث.

هوّني عليكِ إن شاء الله كلّ شيء سيكون بخير.

إن شاء الله يا ابنتي إن شاء الله.

اقتربت سعاد وجلست بجانب أختها فأحست سلمى بارتعاش في جسدها ونظرت إليها:

ما بكِ هل أنتِ خائفة؟

نعم أنا خائفة يا سلمى خائفة مما سيحدث.

وأنا خائفةَ أيضاً، لكن عليكِ أن تكوني قوية من أجل أمكِ والجميع نحن لم نعد طفلتين.

مؤكدٌ أن الجنود الإسرائيليين هم من فعلوا ذلك.

نعم ومن غيرهم سيطلق الرصاص ويأتي بمصيبةِ كعادته؟

في تلك اللحظة سمع الجميع صوت الباب وهو يُفتَح فتَنَبَهوا له، ثم دخل أبو سراج إلى الغرفة بكلّ هدوء، وجلس على الكرسيّ في الزاوية دونَ أن ينطق بحرفٍ واحد، وعائلته تحدّق فيه وتنتظر، وكل واحدٍ منهم خائفٌ أن يسأل. لحظات ٌ معدودة وإذا بالجدّة واقفةٌ هناك. لم يشعر أحدٌ بقدومها.

أخبرني يا حبيبي ما الذي حصل؟ أخبرني والله لقد توقف قلبي.

لكن ابنها لا يجيب، والانتظار مستمرٌ وقاتل، ولا أحد غير الجدة لديه الجرأة أن يسأله وهو في هذه الحالة من الصمت المطبق. وتعود رحيل:

أخبرني يا عُمَر ماذا جرى بحقّ الله أجبني.

وتابع أبو سراج سكونه وعزلته، ثم لاحظ الجميع مُتحلقين حوله كالطوق، وكل العيون التي تحدّق تطرح مئاتٍ من الأسئلة فقرر أن يجيب عن سؤال أمه، مجيباً بذلك عن أسئلة الجميع:

أنتم تعلمون أنه كانت هناك مظاهرة واحتفالية في المخيم.

أجاب الجميع بصوتٍ واحد

نعم.

لم أعلم أن سراج وحسن ذهبا للمشاركة فيها. كنت أظن أنهما ذهبا إلى النادي كعادتهما للقاء أصدقائهما والسهر قليلاً.

أخذ أبو سراج نفساً عميقاً طويلاً ثم تابع كلامه:

وأنتم تعلمون أيضاً أن الجنود الإسرائيليين لا يفارقون المخيم، فهم يأتون كل يوم في منتصف الليل ليبحثوا عن ذلك الشاب المطلوب لديهم. ويبدو أن أحداً أخبرهم أنّ الشاب سيكون هنا، وسيشارك في المظاهرة والاحتفالية، فالشباب كانوا يهتفون بأعلى صوتهم وينشدون الأغاني الوطنية، وهكذا يبدو أن إخباريةً وصلت للجنود فجاءوا الليلة على غير عادتهم خلسةً، وما كاد الشاب ينضمّ إلى المظاهرة حتى باغته الجنود وانهالوا عليه وعلى الجميع من كل جانب، مخلّفين وراءهم الشاب شهيدا.ً وقد اعتقلوا ثلاثةً من الشباب الآخرين.

عاد الأب إلى صمته عند آخر كلمةٍ قالها، وما لبث أن توقف عن الكلام حتى عَلِمَ كل ُ من في الغرفة أن سراج وحسن تم اعتقالهما. أطرقت الزوجة رأسها إلى الأسفل وبدأت بالنشيج ثم تمتمت قائلة:

لا أصدق ما حدث. حقاً لا أصدق. ولكن لماذا؟

وبقيت تردد هذا السؤال بصوتٍ منخفض حتى سألت سلمى:

أبي ماذا سيحصل الآن؟ أعني هل سيعود أخي سراج وحسن؟

لا أعلم يا ابنتي. صدقاً لا اعلم.

سراج وحسن هما شقيقا سلمى التوأمان يبلغان من العمر ستة عشر ربيعاً، ولقد حصلا على بطاقتيهما الشخصيتين للتوّ أما سلمى التي حزنت فحزنها كان مختلفاً بعض الشيء عن حزن البقية، فبينها وبين سراج علاقةٌ أخوية فريدة، هي أقرب إلى الأمومة منها إلى الأخوة، وسائر من يعرفهما يعلم ذلك، فسراج كان رجلاً أكثر من أن كونه شابا،ً وتصرّفاته كانت دائما ً تثير إعجاب من حوله، حتى توأمه حسن الذي كان يعتبره قدوةً أكثر منه أخاً. أما حسن نفسه فكان شخصيةً تطابق شخصية سعاد فهو بسيط ٌ وواقعيّ، لكنه يحبّ تقليد أخيه ليصبح في نظر الناس رجلاً لا فتىً صغيراً كما تعامله الأغلبية.

سلمى تفكر في إخوتها وتتساءل في قرارة نفسها: هل سيكون هناك أسوأ من هذا؟ وأمها ما زالت تطرق برأسها وتبكي وتقول: يا حبيبايْ يا سراج وحسن يا ترى ماذا تفعلان الآن، وماذا يفعل معكما هؤلاء القساة؟ يا إلهي ألهمني الصبر حتى أتحمل فراقهما.

لكن سلمى قالت فجأة ً وبصوتٍ عالٍ أجفل الجميع:

أبي أليس علينا أن نفعل مثلما فعلت عمتي عندما سُجِن ابنها فهي وكلت محامياً يدافع عنه، فخفّف الحكم عنه كثيراً. وأمر آخر سراج وحسن لم يفعلا شيئٍا. أنا متأكدة من ذلك، وهذا سيساعدهما كثيراً.

ولكن يا ابنتي كيف؟ ومِن أين؟

تابعت سلمى كلامها دون أن تستمع إلى أبيها:

وهكذا يا أبي إن وكَّلنا محامياً، وبما أنهما لم يقترفا أيَّ خطأ، فإن هذا كفيلٌ بإخراجهما أليس كذلك؟

ولكن يا ابنتي من أين؟  ألا تعرفين أن المحامي من أجل قضيةٍ كهذه يحتاج مالاً كثيراً؟ ولا تنسيْ أن عمتك دفعت الآلاف من النقود للمحامي ولغيرهِ حتى خفّفَ الحكم عنه لمدة ثلاث سنواتٍ ونصف السنة. كما أنني لا أعلم أين هما الآن وما الذي يتوجب عليّ فعله. أحسّ كأنني وسط كابوسٍ فظيع ولا أستطيع الخروج منه.

هَوّن عليك يا أبي فلنصبر هذه الليلة، وبإذن الله غداً سنرى ماذا سنفعل. وما بعد الشدّة إلا الفرج.

ذهبت العائلة إلى النوم عند منتصف الليل، إلا أن العائلة نسيت أن تنام وكما قال درويش للجندية التي سألته: ألم أقتلك البارحة فأجابها: نعم ولكنني نسيت أن أموت.

في صبيحة اليوم التالي استيقظت العائلة وكأنّ كلّ واحدٍ منهم قد ضربَ للتوّ على رأسه بصخرةٍ كبيرة، فهو مشوّش التفكير ومخدّر لا يستطيع فهم شيء من حوله.

استيقظت الجدة أولاً وجلست تأكل لقيماتِ زيت الزيتون المعدودة أمام التلفاز الأخرس كعادتها، ثم استيقظت سعاد لتذهب إلى عملها لكنّها ما لبثت أن عادت لأنها لم تستطع العمل حسب قولها. أما الزوجة فبقيت في سريرها طوال ذلك اليوم تبكي وتتضرع بينما خرج الأب ليسير في طرق قدره باحثاً علّهُ يجد أحداً يساعده في العثور على الإجابة عن سؤاله: كيف؟

سلمى مازالت نائمة وغير نائمة، وحين انتصف النهار دَنَت منها سعاد وسألتها كما سألتها ذات مرة السؤال نفسه بالضبط:

ماذا تفعلين؟

أنا نائمة.

ولماذا تحبين النوم إلى هذه الدرجة؟

لأنني به أذهب إلى عالمي الآخر الذي ينتظرني هناك حيث النعاس يجعلني أطير.

أيُّ عالمٍ هذا الذي تتحدثين عنه؟

عالم الكلام.

وهل هناك عالمٌ للكلام؟

نعم. حيث كلّ شيءٍ ممكن.

آه يا سلمى، لقد عدتِ إلى كلامك المليء بالألغاز هذا. انهضي الآن، فنحن نحتاجك لتستمعي إلينا.

حسناً حسناً، ها أنا أنهض.

بقية ذلك اليوم لم تحفل بالكثير فبعد أن سَكَنَ كل واحدٍ منهم إلى نفسه ذهبت سلمى وجلست على أرضية الممرّ الباردة، تكتب ُ أشياءً لا يعلمها أحد وتفكر بأشياء أخرى فذلك كان ركنها الخاص الذي تعثر فيه على نفسها. فكّرت قليلا ثم اندفعت مرةً واحدة نحو أمّها تسألها:

أمي لقد استشهد ذلك الشاب الذي كان مطلوباً أليس كذلك؟

نعم. رَحِمَهُ الله وأسكنه فسيح جنّاتهِ.

وهل تعرفين اسمه؟

نعم. لقد سمعته مراتٍ عدة من نسوة الجيران لكنني لا أتذكره اسألي أباكِ. أكيد هو يعرفه.

ألن تذهبي إلى بيت أهله يا أمي لتقومي بالواجب؟

بلى. سأذهب ولكن عندما يعود أبوكِ.

مرّت الأيام سريعاً بالمخيم، وتقلبت أحواله من حالٍ إلى حال، إلا أنّها كانت تخطو زاحفةً بطيئة ببيت عائلة أبو سراج المقهور والغاضب من كل شيء.

وبعد أن تقرر ما عليهم فِعلُه لمساعدة ابنيهما ازداد عُمَر غضباً وقهراً من الأوضاع الصعبة التي كانت تحيط به وتحاصره غير تاركةً له أيَّ منفذ. وذات يوم وسلمى تبحث عن أبيها لتجري نقاشها المعتاد معه سمعتهُ يتكلم مع أحدهم فاقتربت من الباب وأسندت رأسها بلطف إلى الحائط.

كان أبو سراج يجلس ُ في الفناء الأمامي للبيت هو وجاره أبو أحمد ويتحدثان معاً ومما سمعتهُ سلمى:

والله لا أعلم ما الذي عليََ فعله ُ يا أبا أحمد لقد ضاقت بيَ الدنيا بما رحبت.

ولكن لماذا كل هذا اليأس والتشاؤم يا أبا سراج؟

أنت تعلم أن العين بصيرة واليد قصيرة وإن كان هنالك من حلّ فأشِر عليَّ به رغم أنه لم يبق شيءٌ إلا فكّرت فيه لدرجة أنّني أحسّ بأن رأسي سينفجر في أية لحظة.

اسمع! لقد سمعت شيئاً قبل فترة وسأخبرك به. أظنّ أنه الحل الوحيد لديك.

وما هو؟ أخبرني.

لقد سمعت أن الشخص الذي يبيع بطاقة لجوئه (كرت المؤن) لوكالة الغوث نفسها يحصل على خمسين ألف دولار مقابلها، وهذا مبلغٌ يحلّ مشكلة أبنيك ويزيد، وتستطيع أن تؤسس منه تجارتك الخاصة بك.

ماذا تقول يا رجل؟ أتريدني أن أبيع هويتي وضميري قبل كل شيء. ماذا حلّ بعقلك يا رجل؟.

إنه هذا أو أن تترك أبنيك مثلهما مثل غيرهما من شباب هذا الوطن يقضون حكمهم مهما كان.

أهْوَنُ عليَّ أن أموت من أن أبيع الورقة الوحيدة التي تثبت للعالم أنّ لي حقٌا هناك يقطن بعيداً عني سأعود له في يوم من الأيام، وإن لم أعد له سيعود أحفادي أو أحفاد أحفادي. وما ضاع حقٌ وراءه مطالبٌ يا أبا أحمد.

أنت حرّ يا أبا سراج افعل ما شئت أنا أخبرتك وفعلت ما عليّ.

في المساء ذهبت سلمى وجلستُ إلى جانب أبيها ثم بادرته قائلةً، بعد أن انتهى من تناول عشائه:

أبي. أريد أن أسألك شيئا ً

ماذا تريدين الآن يا عطر النار؟

كان هذا هو الاسم الثاني لسلمى الذي أطلقه عليها والدها، وكانت دائماً تسعدُّ وتسرّ عندما تسمعه ينادي عليها بهذا الاسم.

ماذا كان يريد منك جارنا أبو أحمد الثرثار؟

ولماذا تقولين عنه هذا يا ابنتي؟

لأنه ثرثارُ ثرثارٌ ثرثار. وأنا لا أحبّه.

لا عليك لم يرد مني شيئاً. ناقشني في موضوعٍ لكنني نسيته.

سلمى تعلم لماذا نسيَ أبوها الموضوع أو بالأحرى تناساه فهذا هو طبعه.

حسنا ً يا أبا سراج ويا أبي الحبيب آخر سؤال.

تفضلي يا عطري الجميل.

ماذا كان اسم الشاب الذي استشهد في تلك الليلة؟

رحمهُ الله كان اسمه نور ، ولكن لماذا تسألين؟

لأنني أريد أن أتذكره عندما ينساه الجميع.

يا لك ِ من فتاةٍ غريبة يا ابنتي.

لا أحد يعلم ماذا حصل مع عائلة أبي سراج بعد ذلك هل حلّت مشكلتهم، أم بقي الحال على ما هو عليه؟ لكن الأغلب أن سراج وحسن ما زالا في السجن مثلهما مثل أيّ سجين آخر، بينما عائلتهما تعود إلى طبيعتها يوماً وراء يوم: سلمى عند جدتها تستمع إلى قصصها وحكاياتها، وسعاد من العمل إلى البيت، والأم تدفن نفسها بين أكوام العمل المنزليّ حتى تنسى، والأب ما بين السياسة والتجارة والتفكير، حتى جاء ذلك اليوم: مرضت الجدة وتعبت. جلس الابن وزوجته وسعاد إلى جانبها، وسلمى مازالت نائمة في الغرفة الكبيرة، لكن (رحيلاً) طلبتها. أسرعت سعاد ونادتها:هيا انهضي. جدتي تريد أن تراكِ.

وعندما أصبحت الحفيدة الكبرى إلى جانبها تبللت عينا سلمى بالدموع ثم بالكاد قالت:

جدتي ما بك؟ِ أخبريني هل تتألمين؟ دعينا نأخذكِ إلى الطبيب.

أنا لا أحتاج إلى طبيب. لا تخافي فأنا لا أتألم.

لكن ماذا بكِ إذاً يا جدتي أرجوكِ قولي لي.

لا شيء يا سلمى، ولكن يبدو أن اسمي لن يفقد معناه، وقد آن أوان رحيلي. لا تنسي أن تعتني بالصورةِ والتلفاز من بعدي، وأما التلفاز فلا تجعليه يصمت بعد الآن. دعيه يحكي لكِ قصصاً عني.

وذهبت رحيل بصمت على غير عادتها هذه المرة وما زالت حفيدتها تذكرها حتى وجدت سعاد يوماً ورقةً مطوية إلى جانب كتب سلمى قد كتبت فيها تقول: من عطر النار إلى رحيل. أنا اسمع صوتكِ كل يوم من صوت كل شيء. أعلم انكِ الآن هناك تقطفين البرتقال معهن. سأتذكركِ يا جدتي الحبيبة دائماً يا تجاعيد اختزلت حكاية شعبِ بأكمله!