جامعة القدس المفتوحة

حلم بلا وطن.. بقلم وسام نبيل المدني- فرع رفح

نشر بتاريخ: 12-09-2012

أشرقت شمس الصباح بأشعتها المخملية تحمل في عباءتها الأمل والنور" وبعثرت الدفء على أطراف المخيم، بعد أن أرّق عيونه برد الانتظار وثوانيه الثقيلة. أعلنت بشروقها بدء يوم جديد. وأيّ يوم هذا" أنه يوم أحمد الذي طال الشوق للقائه " إنه مهده المنتظر" وحلمه الذي رافقه منذ نعومة أظافره.

راح يرتدي ملابسه بسرعة، يسابق الزمن" ثم انطلق يشقّ طريقه بين البيوت وأكياس القمامة والمجارير التي تنبع من كلّ فجّ. ألقى تحية الصباح على المارة من النساء اللواتي يحملن الأوعية والجرار في طريقهن إلى بئر الماء.

"تاكسي"! نعم، ولم لا؟ فاليوم يوم غير عاديّ، وهو يحتاج إلى طقوس غير عادية. اليوم لن يركب إلا التاكسي.

راحت الظلال تتراقص على جانبي الطريق، تارة تظهر، وتارة تختفي، وعينه لا تكاد ترى. لقد طغت عليه نشوة ممتعة" أطاحت بذلك اليأس الذي كان يخيّم عليه كلما دخل المخيم. اليوم يحترم نفسه أكثر من كلّ شيء" نفسه التي تعبت وكدّت حتى وصلت إلى هذه المرحلة من النصر والتفاؤل. اليوم يصافح الدنيا بعد أن فقد الأمل في لقائها. راح يرى الجامعة تقترب رويداً رويداً منه بأبوابها الفارهة" المملكة التي طالما حلم بزيارتها: أبنية شاهقة تنبع من كلّ زاوية؛ فتيات وفتيان من شتّى الأماكن، يستدلّ عليهم من ثيابهم، يكاد يلمح الذكاء والفطنة تبرق من عيونهم؛ قاعات ومكتبات ضخمة؛ عالم بأكمله طالما حلم به. لم يعد يرى المخيم المرّ وأيامه القاحلة، لا لترفّع ينصرف بنظره عنه ولا لكبرياء" ولا جحوداً لفضله وفضل أهله ولا جفاء" بل إن الفرح الجبّار أخرج نفسه عن دائرة نفوذ المخيم، وعلا به عن بساطته سلطانه" ذلك المخيم الذي قضى على كل نسمة فرح مرّت على أيامه، وكان كالثلج يثقل أطرافه.

اليوم نتيجة الثانوية العامة، وهو بالتأكيد سينجح. ألم يكدَّ ويتعب، وعلى أضواء الشموع قضى الليالي الطويلة يدرس ويثابر؟

راح يتذكر ما قالته أمه قبل أن ترحل صريعة الفقر والتلوّث والمرض: أريد أن تصبح طبيباً يا ولدي لتداوي أهلك.

وقد سألها ببراءة: لماذا لا نرحل من هنا يا أمي، فيذهب عنا المرض؟

ردّت بإعياء: لا لن نرحل يا ولدي. سنموت هنا في المخيم، بالقرب من وطن ننتظر العودة أو نفاد الأجل. عدني أن تصبح طبيباً لتساعد أبناء وطنك. عدني يا ولدي.

كان حلم أمه بعيداً عنه، بينهما ما بين السماء والأرض مجازاً وفعلاً" جعله سماويّاً من شدّة صعوبته، وجعل نفسه أرضيّاً لا يملك أن يحقّقه.

أما اليوم، وبعد الكدّ والتعب، فقد أصبح كلّ شيء وردياً يشعّ بالأمل. سيحمل شهادته إلى الجامعة، وسيدرس الطبّ بإعفاء، لتفوّقه، فمجموعه كبير، وهو متميز. سيصبح طبيباً يساعد أهله في المخيم، ولن يموت أحد من المرض بعد اليوم.

لماذا أضحى الطريق طويلاً؟ غرق بين التململ واللهفة حتى وصل. خرج من ذكرياته وأحلامه وراح يجري نحو المدرسة. حمل الشهادة فخوراً بها. مَجموعه مشرِّف، وسيدخل به أفضل جامعة. راح يمشي في الطريق بخطوات سعيدة ليكمل حلمه. مرّة يرى أمّه بثوبِها المطرز بالنقشة الفلسطينية تقبّل وجنته" وأخرى يرى نفسه، وقد صار طبيباً يعتلي سيارته باهظة الثمن" ويذهب بها صوب المخيم ليساعد أهله بالمجان.

وهو غارق في أحلامه، متبختر، يرى الأشجار الكثيفة على جانبي الطريق تتمايل لتحييه بأوراقها وأغصانها، مستمتع  بوشوشتها وحفيفها" أحسّ بين الغصون المتهدلة  كأنّ وجه أمّه الرقيق الطاهر يرقبه ويحدثه. راح يرمق الشهادة في نشوة بلا خمر" ثم يرفع رأسه صوبَ الأفق البعيد، متخيّلاً والده خلف السياج في المعتقل حين يسمع هذا الخبر"  فيشعّ وجهه بنور كنور القمر" إذا أشرق لم ينافسه في السماء كوكب: "أحسنت يا ولدى. بارك الله بك". كلمة يتوق لسماعها رغم أنه يدرك أنها حلم لن يتحقق في الأجل القريب.

فجأة، سمع صراخاً غطّى على صوت الحفيف والوشوشة" هو خليط بين استغاثة ونهر" وصيحات مبهمة  تحمل بين طياتها ألماً"تارة بالعبرية وتارة بالعربية، أعقبها صراخٌ طويلٌ جعله يظنّ أن أحدهم يحتضر. راح يجري صوب الصوت ليستكشف الأمر" وإذا به أمام رجلٍ عجوز متشبّثٍ بشجرة زيتون، يصرخ وسط أحدَ الحقول" ومن حوله المستوطنون، بسيماهم المعروفة وثيابهم السوداء، يركلونه من كلّ صوب، ويحاولون خلعه بعيداً عن الشجرة صارخين: ابتعد أيها الأحمق. إنها لنا! ليردّ عليهم: لا! إنها أرضي وأرض والدي. لن أتركها. سأعيش وأموت بين ترابها.

حمل أحمد شهادته بيده اليسرى واندفع يبعد المستوطنين عن الرجل بيده اليمنى وباقي جسده، صارخاً فيهم: لن يخرج. لن تخرجوه من أرضه كما أخرجتمونا من أرضنا. أما كفاكم كلّ ما حدث؟ سرقتم الأرض والوطن وتنازعوننا على فتات لم تعد تسدّ رمق الأمل؟

وقبل أن يكمل جملته، تغبّر المكان، وانبعث دخانٌ كثيفٌ مصحوبٌ بضجّة عارمة" فالتفت مشدوها ليجد سيارات جيش الاحتلال وجرافاته وقد ملأت المكان. وقبل أن يفيق من صدمته شعر بقبضة من حديد تلقيه جانباً. ولم يكد يستدير ليعرف ما حدث، حتى أغرق ملابسه ووجنتيه شلال دماء ساخن. رصاصة غادرة  مزّقت جسد العجوز وهو على حاله متشبثا؛ أعقبتها أخرى وأخرى بلا رحمة. خرجت آهة رغم أنف الرجل" وبين يدي أحمد سقط: أرجوك يا ولدي؛ أخبر أولادي بما حدث، وقل لهم: "والدكم استشهد من أجل هذه الأرض، فلا تتركوها للمحتلّ. هذا وطنكم رغم أنفهم، ولا قيمة للحياة بلا وطن". قال كلماته الأخيرة وهو يلفظ أنفاسه، وراحت عيناه تغلقان أبوابهما، وأنفاسه المتصارعة تحتضر، ثم رحل.

راح أحمد يرمق وجهَ الرجل ودموعه تنهمر. منهكَ الأعصابِ خائرَ القوى، وجدَ نفسه الهائمة تعود إلى الوطن" لتستعيد صورة الحقل وصورة الجدّ كما وصفه له والده حين قتل على باب بيته، وصورة المحتلّ الذي هدم الفرحة في عيون الأطفال" فكسر الزيتونة وفتت الحجر، وطردهم برصاصه ودبابته بعيدا، بلا وطن. راح شريط حياته يجري أمام عينيه: موت أمه وأسر والده وزجّه في المعتقل" ودموع إخوته. أيام من اليتم والفقر والعذاب والألم.

غاب الأمل في بهمة الليل. مستتراً كالأشباح، مستغفراً نادماً يلهبه الأسى" تهاوت أحلامه في الدروب الموحلة. ماذا حدث؟!

تباً! طارت الأحلام الوردية. سقطت الأشياء من حوله. لحظة أعادته إلى الحياة الصارمة. لم يكد يدرك قطار الأماني حتى فاته. ذهب وحمل معه كلّ أمتعته. حمل معه أحلام الطفولة، وصهيل الروح الذي يشتعل في الرأس منذ الخلق. أخذ معه أمنية ضعيفة لسيدة ملقاة على أرض المخيم العفنة تحتضر، من شدة الظلم والمرض.

ما كان من الفتى إلا أن أطلق قبضته" لتطير الشهادة الملطّخة بدماء الرجل، تحملها الرياح إلي حيث لا مكان ولا زمان" لتحلق بعيداً حاملة معها أحلامه وبهجة الصبح، وبضع ذرات من الأمل. لقد تركها تسافر لتكون وثيقة إدانة لجرائم المحتلّ، تعبر الحدود، وتصل إلى أبعد مدى، كحمامة زاجلة تحمل في أطرافها رسالة، تطير بها" تعتلي صهوات السهول حتى تصل.

راح يرمقها  بعيون دامعة من شدة الألم: سنين من الكدّ والعناء أضحت أرواحاً هائمة لا تجد لها مرقداً. أدرك أن هناك أحلاماً أهمّ لابد أن تحقق: والده ما زال في الأسر رغم مضيّ كل هذه السنين. هو وإخوته مازالوا في بيت مشقق بلا سطح" يغرق كلّ شتاء بالبرد والمطر" يرقد في مخيّم موحل ملبّد بالقمامة لا يتحسن الحال فيه مهما مرّ عليه الزمن، مزدحم يكاد ينفجر. أعمامه وأخواله في بلاد الله الواسعة، مشتتون معذّبون يطلبون الشفقة والعطف من قلوب أعيتها القسوة. وأخيراً هذا العجوز الطيب الذي حاولوا سلخه بالقوّة عن أرضه، فدفع الثمن حين رفض.

لا يعرف كيف حدث ما حدث، لكن تلك الحادثة فصلته عن أحلامه" وجعلته يدرك أنه لا خيار له ولا حياة" وانه لم يعد يحتاج إلا للوطن. 

أفاق من الصدمة على صرخات قويّة وتدافعٍ من كل صوب، أثار نقعاً شديداً لفح وجهه" فرفع رأسه ليجد شباب المنطقة يدفعون المحتلّ خارج الأرض بكلّ قوتهم غير مكترثين لأسلحته ورصاصاته التي تشقّ طريقها بينهم بلا تمييز حتى تجد لها مستقرّا.

"لن تجدي الفقيد الدموع، ولا إتقان الرثاء، بل الحفاظ على الأرض التي مات من أجلها". هذا ما دار بسرعة في ذهنه" فما كان منه إلا أن وضع العجوز برفق على الأرض، ثم نفض آثار الحزن عن كاهله، واندفع ليؤدّي دوره نحو الرجل الذي دفعه ليتلقّى عنه الرصاصة" ودوره أن يحاول المحافظة على ما تبقى من وطن.

اندفع مع الشباب صوب جنود الاحتلال كيدٍ واحدة وبإرادة صلبة، يخرجونهم من الحقل" وفي مشهد يبشر برؤيا النصر" ألقوا بأنفسهم عليهم مثل قاذفات اللهب فما كان أمامهم وأمام المستوطنين سوى الهروب، بعد أن أسقطوا شباباً عدة" فراحوا يجرّون أذيال الهزيمة أمام شباب عزل مسلحين بالأمل " مسلحين بحقهم في وطنهم، ولا يرون غيره حلماً.

جاءت سيارات الإسعاف لتحمل المصابين" وحمل أحمد والشباب الرجل العجوز وكلّ من سقط شهيدا على أكتافهم، بعد أن كفنوهم بالعلم، وساروا في موكب جلل" سدَّ الأفق، بعد أن انضم لهم كل من في الطريق، وراحوا يرددون صيحات النصر بصوت كالرعد: يا شهيد ويا مجروح؛ دمك هدر ما بيروح! يا صهيوني صبرك صبرك؛ ابن الأقصى هيحفر قبرك!

مضى معهم أحمد، وقد عزم ألا لن يكمل طريقه الأول إلا بعد أن يعيد والده مع كلّ المعتقلين إلى أحضان أولادهم" وبعد أن تبزغ شمس النصر حاملة على أكتافها إعلان قيام دولة فلسطين وعودة الوطن. وفي الطريق توقف برهة، وضاعت عيناه في الأفق" فلاح له ظلّ القبّة الذهبيّة على أطراف المدينة من بعيد؛ فابتسم. حياها بنظرة تشعّ بالأمل" وأرسل لها مع النسيم قسما: لا تخـافي. عائدون لنرفع عنك الظلم. عائدون لك مسلحين بحقنا في العودة. عائدون لكلّ أرجاء الوطن!

لقد أدرك أحمد أن طريقه هو ذلك الطريق الذي سلكه أسلافه: فلا خيار لأيّ فلسطينيّ، ولا حياة، بلا وطن.

i-theme" "#tm""""J";color:black;mso-bidi-language:AR-YE'>أدارت رجاء رأسها باتجاه صديقتها، ولكنها فوجئت، ولم تنطق بكلمة واحدة، وتماسكت لئلا يحدث معها شيء مما حدث بالأمس. لقد كان ذلك الشاب. نعم، إنه يشبهه جدا. لم أكن أحلم، ولم أتخيل الشبه إذن!

 

كان يقف متأنقاً، وما زالت الكوفية السوداء تزيّن عنقه وصدره. كان يحمل بيده ورودا بيضاء .

صباح الخير.

قالها مبتسما. كانت أسنانه البيضاء جميلة جداً كما اعتادت أن تراها:

صباح الخير.

قالتها متلعثمة.

كيف أنت اليوم؟ لقد أخفتنا بالأمس، وأحببت أن أطمئن عليك. أتمنى أن تكوني بخير.

أنا بخير، وشكرا لك.

هذه الورود لك.

شكرا لك، سأقبلها لأنني أعتبرها لطفا منك، وليكون بمثابة شكر لك لمساعدتك.

هل يمكننا الجلوس؟

يمكنك أن تنضم لنا جميعاً.

حسنا، لا أريد أن أتسبب لك بإحراج.

إن جلسنا لوحدنا سيكون محرجاً لي أكثر.

نعم فهمت.

كانت رجاء غير مصدقة لما تراه وتسمعه، مع كلّ التحفظ الذي لم يكن غريباً عليها، إلا أنها كانت تودّ لو تضمه لدقيقة واحدة. كانت تحاول أن لا تلفت إليها الأنظار حين تحدق به، وهو يقف بين زملائها. ثم سألته: هل أنت فلسطيني الأصل؟

نعم أنا فلسطيني، لكنني مولود هنا بالأردن، فأسرتي هاجرت إلى هنا عام "" .

ألهذا ترتدي الكوفية؟

نعم فأنا أعتز بها، ووطني يسكن قلبي، وكم أشتاق إلى زيارته والمشي فوق ترابه.

ألم تزره من قبل؟

مرة واحدة قبل أكثر من "" سنوات، وكانت زيارة رائعة، لا يمكنني وصف مشاعري عندما رأيت قبة الصخرة. ما زالت صورتها مرسومة في عيني حتى الآن.

وقعت هذه الكلمات في أذنها كالرصاص، لقد تذكرت قبة الصخرة في عين حبيبها عندما رأته في نومها. لم تستطع إخفاء الدموع التي بدأت تترقرق في مقلتيها.

ما بك؟ ألهذه الدرجة يؤثر فيك ذكر قبة الصخرة؟

أنا فلسطينية أيضا، لا بدّ أنك لم تعرف بعد!

حقاً؟ هل أنت فلسطينية حقاً؟

نعم، حتى النخاع، ولكنني لاجئة في الوطن.

لم يعرف أحد سرّ السعادة التي ارتسمت على وجه الشاب، ولكنه حين همّ بالمغادرة قال عبارة جعلت قلبها يخفق بشدة، وأنفاسها تتسارع. قال وهو يلتفت إليها مبتسما: الآن أصبح لي رجاء في الوطن، وأعرف كم هي جميلة عيون الوطن.