جامعة القدس المفتوحة

عيون الوطن.. بقلم الطالب ياسر عمر عمارة- فرع طولكرم

نشر بتاريخ: 12-09-2012

أشرقت الشمسُ في الصباح. إنه يوم شتوي مشمس، ويبدو الطقس رائعا هذا اليوم. هذا ما كانت تقوله رجاء، الفتاة الفلسطينية، البالغة من العمر عشرين عاماً، وتقيم في العاصمة الأردنية عمان، فهي طالبة في الجامعة الأردنية. كانت تتحدّث إلى زميلتها في السكن، وهي تقف أمام المرآة، تسرّح شعرها الأسود الطويل المنسدل بلمعان على ظهرها.

كانت صديقتها تحدق في هذا الشعر الجميل حين قالت:

إن شعرك جميل جداً، أرى أنه من الأنسب أن لا تغطيه بالحجاب، فلو كان شعري كشعرك لسرّحته بطريقة رائعة، وأظهرت جماله.

ابتسمت رجاء وقالت وهي تضع الدبوس بين أسنانها، وتشدّ الحجاب إلى رأسها:

وهل وجد الحجاب لتغطية الشعر غير الجميل؟ لا يا عزيزتي، فأنا ارتدي الحجاب لأنه الأفضل وليس لشيء آخر.

تنهدت صديقتها قائلة:  آه يا رجاء، تعرفين دائما كيف تجيبين، ولكن كيف لي أن أحصل على شعر كشعرك؟

ضحكت رجاء وهي تحمل حقيبتها، ثم التفتت إلى صديقتها ومدّت لها لسانها مداعبة:

لن تحصلي على مثله أبدا، فجمال شعري بفضل زيت الزيتون الفلسطينيّ.

يا إلهي يكاد لا يخلو حديث لك من كلمة فلسطين.

يا صديقتي العزيزة إن فلسطين تسكن قلبي، وعقلي، ويبدو أنها تسري في عروقي مع الدم.

 ثم مالت بكتفها إلى حافة الباب قائلة: حسنا هل يمكنني أن أعرف سبب تأخرك في ارتداء ملابسك؟

هذا لأنني لن أذهب اليوم إلى الجامعة، فانا أشعر بتوعك .

إذا سأذهب الآن، وداعاً.

خرجت رجاء سعيدة، فالجوّ اليوم يشعرها بالنشاط أكثر من أيّ وقت آخر، وعلى باب البناية كان يجلس الجار الطيب أبو محمود:

صباح الخير عمي أبو محمود

 صباح الخير يا أطيب فتاة في الكون.

 أطيب فتاة في الكون! هذا كثير علي. كيف أنت اليوم؟

ما دمت رأيتك اليوم فأنا بخير.

إذا لا تحرمنا من دعائك .

 أنا أدعو لك دائما يا رجاء، وأدعو لأهلنا في فلسطين أن يعجل لهم النصر والفرج .

آه يا عم أبو محمود كم يسعدني هذا، منذ أن جئت إلى هنا والتقيت بكم شعرت بأننا لم نكن وحدنا في فلسطين، فانتم دائما إلى جانبنا ولو بالدعاء.

أطلَّت من باب البناية (زينة) الطفلة الصغيرة ابنة الجيران بعد أن وقفت حافلة المدرسة أمام البناية مطلقة النفير إشارة بوصولها.

 صباح الخير عمو أبو محمود، صباح الخير رجاء، هل أنت ذاهبة إلى الجامعة؟

 صباح الخير حبيبتي، نعم أنا ذاهبة إلى الجامعة.

عندما أكبر سنذهب معا إلى الجامعة، أليس كذلك؟

  قالتها وهي تصعد إلى الحافلة.  ضحكت رجاء وقالت: سأكون مدرّستك إذا!

لوّحت زينة بيدها والحافلة تتحرّك، ولوّحت لها رجاء أيضا بيدها. لم يمرّ كثير من الوقت،مجرّد  دقائق قليلة حين توقّف (التاكسي) لتركب فيه متوجهة إلى الجامعة.

كان (التاكسي) فارغاً، فجلست في المقعد الخلفيّ، وبدأت تراقب الشارع من النافذة، وكان يبدو كخلية النحل، الكل استيقظ بنشاط، طلاب المدارس، وأصحاب المحال التجارية، والسيارات. وفجأة توقف التاكسي ليقل راكباً آخر.

إنه شاب، لم تر وجهه، لأنه كان يقف في الجهة الأخرى من السيارة، واستطاعت فقط أن ترى جزءاً من جسمه، من الصدر حتى ركبتيه. أرادت أن تدير وجهها إلى النافذة بجوارها، لتتابع مراقبة الشارع، لكن شدّت انتباهها الكوفية السوداء التي يرتديها الشاب حول عنقه، وتتدلى على صدره، هذه الكوفية التي تعشقها. ما إن ركب الشاب وجلس في المقعد الأمامي، حتى أحست بقلبها يتوقف عن النبض وجحظت عيناها، وأحست بان العالم في الخارج توقف عن الحركة، بدت مصدومة، تشدّ بيدها على حافة النافذة كما كانت في ذاك اليوم تشدّ على القضبان الحديدية لنافذة غرفتها في فلسطين، مصدومة، مليئة بالحزن، وعيونها مسمرة بنعش حبيبها الذي حمله المئات يشيعونه إلى مثواه الأخير.

إنه يشبهه كثيراً، بل كادت تناديه باسم حبيبها لشدة الشبه، إنه بالملامح نفسها، والقامة وتلك العيون التي طالما سحرتها، و الابتسامة التي طالما عشقتها.

في ذلك اليوم، عندما كان حبيبها مسجى على نعشه، كانت تلك الابتسامة مرسومة أيضا على وجهه. كانت تراقب وجهه وملامحه تختفي شيئا فشيئا كلما ابتعدت الجنازة. لقد رحل حبيبها، وطالما حلمت برحيلها معه، لكنه رحل وحده تاركاً كل الذكريات معها. صرخت في أعماقها: أرجعوه، أبقوه عندي! ودت لو تخرج صرختها ليسمعها حبيبها. كان حزنها بصمت، ونداؤها بصمت. كان الألم أكبر منها، وأقوى. سقطت على الأرض فلم تعد رجلاها قادرتين على حملها. هرعت أختها إليها، وضمتا بعضهما باكيتين.

 لقد رحل إلى الأبد وتركني وحدي.

لا يا شقيقتي، لا تقولي هذا، كلنا معك كلنا نحبك.

لكنني أريده أن يكون إلى جانبي، أريد أن أراه كلّ صباح يقف بانتظار رؤيتي، وأنا ذاهبة إلى المدرسة. كيف أحيا الآن بدونه؟

إنه شهيد يا عزيزتي، شهيد، اليوم عرسه.

لكنني كنت أريده عريساً لي. أنا كنت أريد عرساً لي وله.

ضمّتها شقيقتها بقوة، ولكنها لم تستطع أن تخفي دموعها.  لقد بكت بشدة، وبكتْ رجاء  بحرقة.

في اليوم التالي ارتدت زيّ المدرسة، وحملت كتبها، وكان الحزن بادياً على وجهها، والدموع لم تجفّ من عينيها طوال الليل.

سارت بخطوات تائهة، كانت الدنيا على سعتها ضيقة، فوجدت نفسها متجهة إلى المقبرة.

لن أذهب إلى المدرسة، سأذهب لأرى حبيبي.

 لم يكن من الصعب إيجاد القبر، فأكاليل الورد تلفه. جلست رجاء محدّقة في القبر، وبدأت دموعها تتساقط كأنها لآلئ. كانت تبكي بصمت، وبدأت تشعر بضيق في التنفس. لديها الكثير لتقوله، ولكن هل يسمعها حبيبها؟ إن في صدرها كلاما أتعبها حبسه؟ وهناك كلمة اشتاقت أن تتفوه بها: أحبك! لماذا تركتني هكذا وبهذه السرعة؟، ألا تعرف أنني أحبك ولا أستطيع العيش بدونك؟ لقد أخبرتك أكثر من مرة بهذا، ولكنك تركتني، لماذا لم تأخذني معك؟ لماذا لم نرحل معا كما وعدتني؟

الآن تغير كل شيء. بدت السماء أكثر حزنا، وانطفأت شمس حياتي. لم تعد الطيور تقف على نافذتي، ولم يعد يطل منها القمر. رحلْتَ ورحل معك كل شيء، رحلت الفراشات، والابتسامات، وأزهار اللوز اقتلعتها الريح. ريح الألم تعصف بكل شيء، وقلبي الصغير لم يعد قادراً على التحمل. لم تغب عني سوى يوم واحد، ولكني أعلم جيدا أنك لن تعود بعد هذا اليوم، وأن غيابك سيطول إلى الأبد، وسيمد الحزن جذوره إلى أعماقي، ليغرس أشجاره التي لن تنفك أن تثمر الألم والدموع.

رحلتَ حبيبي تاركاً كل الذكريات الجميلة. راودتها فكرة أن تنبش القبر لتراه ولو لآخر مرة، فهي مشتاقة إلى وجهه الجميل، ولكنها سرعان ما أخرجت الفكرة من رأسها. أرادت أن تظلّ اليوم بأكمله جالسة إلى جوار قبره، ولكن لا بد أن تعود إلى البيت. عادت تجر خلفها أرتالا من الحزن والألم.

وبصعوبة استطاعت النوم، وتمنت لو أن نومها طال أكثر. لقد رأت حبيبها يقف أمام بيت جميل مبتسماً لها كعادته. قال لها إنه سعيد جداً، وطلب منها أن تهتمّ بنفسها، وأن تدرس جيداً. وقال إنه مازال يحبها. ثم اقترب منها وقال: انظري في عيني. كانت صورتها في عين، وفي العين الأخرى صورة قبة الصخرة المشرفة. ثم ابتعد عنها، ولوّح لها بيده قائلا: أنت الوطن يا رجاء، والوطن في عيني.

هكذا سردت رؤيا ها لأختها، وجلست والفرح يرتسم على وجهها، ثم التفتت إلى أختها سائلة: هل هذه رؤيا حقيقية؟ لا بد أنها حقيقية، لطالما سمعت أن رؤيا الأموات حقيقية.

نعم أنا أيضا أظنها حقيقية.

هذا يعني أنه يحبني؟

وهل شككت يوما بذلك؟

أبدا لم أشك يوماً في حبه، ولكنني أتساءل هل يستمرّ الحب بعد الموت؟ هل يمكننا الزواج في الحياة الآخرة؟

لا أعرف. قد يكون صواباً ما تعتقدين، لا بد أن تسألي أحداً عنده علم.

انتهى حديثهما عند هذا الحدّ، ومرت الأيام، وكانت رجاء تعمل لتحقيق ما طلبه حبيبها منها في الرؤيا: لقد ثابرت حتى نجحت بتفوق، وناضلت من أجل قضيتها، وشاركت الجماهير في المقاومة. كانت رجاء تعشق وطنها كما تعشق حبيبها، كانت هي أيضا تحمل صورة حبيبها في عين، والعين الأخرى يرتسم فيها الوطن.

مرّ عامان، وهاهي تتابع دراستها في دولة شقيقة، وما زالت على وعدها.  كلّ هذه الذكريات تحركت في رأسها وقلبها وهي في (التاكسي)، ما أشعرها بالتعب، وانتبهت للدموع التي تسيل دافئة على وجنتيها الباردتين.

توقف (التاكسي) أمام الجامعة. وما إن نزلت رجاء منه لتقف على رجليها، حتى دارت الأرض بها، ووقعت فاقدة الوعي.

ركض ليرى  ما حدث. رفع رأسها عن الأرض، واضعاً  ذراعه تحت رأسها، وبدأ محاولا إيقاظها.
بصعوبة فتحت عينيها لترى هذا الوجه المألوف لديها، الذي طالما أحبت النظر إليه، وأحست بالذراع القوية ذاتها تحت رأسها. بقيت عيناها ثابتتين، تنظران إلى وجهه وهو يشير بيده الأخرى إلى الذين تجمهروا، محاولاً إبعادهم لتستطيع تنفس الهواء. كانت لا تسمع شيئاً إلا صوته، وكان كل شيء يتحرك ببطء حولها.
أغمضت عينيها مرة أخرى، ومشاعرها تضطرب بداخلها لا تعرف ماذا تتمنى: أن يكون ما تراه مجرد حلم، وعندما تفتح عينيها مرة أخرى يكون قد انتهى، أم أنها تتمنى أن يكون حقيقة ويستمر. هي لا تعرف هل من تراه أمامها ملامح حبيبها رسمتها مخيلتها على وجه هذا الشاب، أم أنه فعلا يشبهه إلى هذا الحد.

فتحت عينيها مرة أخرى لتجد نفسها في عيادة الجامعة، ممدّدة على سرير، وصديقاتها بجانبها. تلفتت يميناً ويساراً باحثة بلهفة عن حبيبها، عن الشاب الذي كان معها، لكنها لم تجده.  لم تجرؤ على السؤال عنه، فهي خجولة جداً، و لا تحبّ أن تسمع أيّ تعليق، أو انتقاد ممن كانوا حولها. سألتها إحدى صديقاتها: هل تشعرين بتحسن؟

نعم، أنا أحسن الآن.

ماذا حدث معك يا رجاء؟

لا أدري، هل عاينني طبيب؟

نعم، وقال إنك متعبة قليلاً.

وقفت على قدميها، وسارت بخطوات مثقلة إلى الخارج، وجلست وحيدة على مقعد، متوجهة إلى الغرب حيث وطنها الحبيب، وذكرياتها الجميلة. كانت الدموع تنهمر من مقلتيها وهي ترى صورة وطنها أمام عينيها، بكل الأحداث التي مرت في حياتها. كانت دقات قلبها تئن متألمة. ومرت الساعات، وهي تجلس في مكانها، لقد تذكرت ذالك اليوم، حين لم تذهب إلى المدرسة، وتوجهت إلى المقبرة.. الآن هي محتاجة أن ترى قبر حبيبها، فهو ما بقي لها منه في الدنيا.

عادت إلى السكن والتعب باد على وجهها. سألتها زميلتها في السكن: ما بك؟

لا شيء. يبدو أنني مريضة.

ومرّ اليوم، ولكنه مرّ صعبا، مؤلماً، غريباً، وقضت ساعات ما قبل النوم وهي تبكي. لقد أعادها ما حصل معها إلى ما قبل عامين منصرمين.

في اليوم التالي، وكأيّ يوم آخر، توجهت رجاء إلى الجامعة. لم يمض على وصولها الجامعة أكثر من ربع ساعة، وكانت تقف في ركن من الحديقة مع زملاء وزميلات لها يطمئنون عليها، حين سمعت صوت صديقة لها: رجاء هناك من يسأل عنك.

أدارت رجاء رأسها باتجاه صديقتها، ولكنها فوجئت، ولم تنطق بكلمة واحدة، وتماسكت لئلا يحدث معها شيء مما حدث بالأمس. لقد كان ذلك الشاب. نعم، إنه يشبهه جدا. لم أكن أحلم، ولم أتخيل الشبه إذن!

كان يقف متأنقاً، وما زالت الكوفية السوداء تزيّن عنقه وصدره. كان يحمل بيده ورودا بيضاء .

صباح الخير.

قالها مبتسما. كانت أسنانه البيضاء جميلة جداً كما اعتادت أن تراها:

صباح الخير.

قالتها متلعثمة.

كيف أنت اليوم؟ لقد أخفتنا بالأمس، وأحببت أن أطمئن عليك. أتمنى أن تكوني بخير.

أنا بخير، وشكرا لك.

هذه الورود لك.

شكرا لك، سأقبلها لأنني أعتبرها لطفا منك، وليكون بمثابة شكر لك لمساعدتك.

هل يمكننا الجلوس؟

يمكنك أن تنضم لنا جميعاً.

حسنا، لا أريد أن أتسبب لك بإحراج.

إن جلسنا لوحدنا سيكون محرجاً لي أكثر.

نعم فهمت.

كانت رجاء غير مصدقة لما تراه وتسمعه، مع كلّ التحفظ الذي لم يكن غريباً عليها، إلا أنها كانت تودّ لو تضمه لدقيقة واحدة. كانت تحاول أن لا تلفت إليها الأنظار حين تحدق به، وهو يقف بين زملائها. ثم سألته: هل أنت فلسطيني الأصل؟

نعم أنا فلسطيني، لكنني مولود هنا بالأردن، فأسرتي هاجرت إلى هنا عام ?? .

ألهذا ترتدي الكوفية؟

نعم فأنا أعتز بها، ووطني يسكن قلبي، وكم أشتاق إلى زيارته والمشي فوق ترابه.

ألم تزره من قبل؟

مرة واحدة قبل أكثر من ?? سنوات، وكانت زيارة رائعة، لا يمكنني وصف مشاعري عندما رأيت قبة الصخرة. ما زالت صورتها مرسومة في عيني حتى الآن.

وقعت هذه الكلمات في أذنها كالرصاص، لقد تذكرت قبة الصخرة في عين حبيبها عندما رأته في نومها. لم تستطع إخفاء الدموع التي بدأت تترقرق في مقلتيها.

ما بك؟ ألهذه الدرجة يؤثر فيك ذكر قبة الصخرة؟

أنا فلسطينية أيضا، لا بدّ أنك لم تعرف بعد!

حقاً؟ هل أنت فلسطينية حقاً؟

نعم، حتى النخاع، ولكنني لاجئة في الوطن.

لم يعرف أحد سرّ السعادة التي ارتسمت على وجه الشاب، ولكنه حين همّ بالمغادرة قال عبارة جعلت قلبها يخفق بشدة، وأنفاسها تتسارع. قال وهو يلتفت إليها مبتسما: الآن أصبح لي رجاء في الوطن، وأعرف كم هي جميلة عيون الوطن.