جامعة القدس المفتوحة

حقٌّ أم حلم.. بقلم الطالبة منى جميل الحايك- فرع نابلس

نشر بتاريخ: 12-09-2012

استيقظ عماد من نومه مبكّرا كعادته، ليرتدي الزيّ المدرسي المكوّن من قميص رماديّ طبع على أحد كتفيه علم فلسطين وزيّن بشعارات الكشافة مثل: ابذل جهدك، كن مستعداً؛ وليزينه أيضاً بربطة عنق كشفية مع بنطال جينز أزرق، وحذاء رياضيّ أنيق، وشعر مرتب بإتقان، ثمّ ليخرج من غرفته ملقياً السلام على والدته الغالية التي تتلألأ عيناها لرؤيته فرحاً وسعادة بما أصبح عليه ولدها البكر، ولتمتزج هذه المشاعر بالحزن والألم، فهو يذكّرها بزوجها الشهيد الذي رحل بسرعة مودعاً إياها وصغارها، ناسياً أحلامه الوردية معها، ليلبي نداء الوطن.

مشاعرها تلك تقطعها بقبلة بين عينيه، لينهال هو بدوره مقبّلاً يدها طالباً رضاها، ثمّ يساعدها في تجهيز طاولة الفطور لتجتمع الأسرة حولها قبل أن يحين وقت المدرسة. ومع انتهائه من تحضيرها يبدأ بموسيقاه ولحنه اليوميّ في نداء إخوته، فيمشي مشيته العسكرية، يتجول بين غرفتي إخوته وأخواته صادحاً بصوته العذب: "استعد للفطور. استرح على المائدة، استعد للدراسة. استرح في المدرسة"، فتفتح الأبواب بضحك ونشاط من فتاتين في مقتبل العمر وصبيين بطلعة القمر، وبهتاف واحد: "حاضر سيدي"

يلتمّ شملهم على مائدة الطعام، ثم يتوجهون إلى مدارسهم، وكذلك أمهم، فهي مدرّسة علوم، وهي توصلهم بسيارتها واحداً تلو الآخر، ليبقى عماد آخرهم، فكلهم في المدارس الابتدائية والإعدادية إلا هو في الثانوية. وهي تركن سيارتها وتخرج منها مع عماد، ليفترقا أمام شارع المدارس الثانوية، فيتجه هو إلى مدرسة الذكور، وتدخل هي إحدى مدارس الإناث، ولا تنسى طبعا نصيحتها اليومية له بأن يجتهد ولا يتقاعس، فهو نشيط ومجدّ، وأن لا يغترّ بنفسه، فهو سيقدم الثانوية العامة للفرع العلمي بحمد الله، فيقول لها واثقاً: "لا تقلقي يا أمي، سأكحل عينيك بالفرحة يوم النتائج كما توجتك بتاج الوقار يوم حفظت كتاب الله؛ وإن شاء الله ستتحلين به أنت ووالدي يوم القيامة".

وبعد سبع حصص دراسية يتجه إلى بيته مشياً على الأقدام مع زملائه ليجد الجميع قد عادوا ووالدته تعدّ طعام الغداء، فيصلي الظهر ويبدّل ملابسه، ثم يجلس إلى مائدة الطعام. ليبدأ كل منهم سرد حكايته، وكيف كان يومه في الدراسة، ثم ينهون طعام الغداء لتنتهي معه حكاياتهم البسيطة تلك، ويساعدوا والدتهم في ترتيب المنزل وتنظيفه وسط جوّ مفعم بالحياة من ضحكات ومرح ومشادات بين الأخوة. بعدها تكون ساعات الدراسة والمراجعة وإنهاء الواجب المدرسيّ فترى كلاًّ منهم يساعد الآخر، وهم جميعا يطلبون المساعدة من والدتهم إن استعصى عليهم أمر. وفي المساء يشاهدون التلفاز، وتعدّ والدتهم طعام العشاء.

هذا المساء، وأثناء تقليب قنوات التلفاز، لفت انتباه الجميع خبر إعلان عن طلب فلسطين عضوية في الأمم المتحدة لتكون الدولة """ فيها، فأخذ الجميع يطرح التساؤلات، وكانت أسئلة عماد هي الأكثر نضجاً ووعياً في محاولة لفهم ما يجري، لكنّ إجابات أمه كانت بسيطة تقول إن فلسطين تريد أن تكون الدولة """ في المنظمة الدولية.

سرّه هذا الخبر، فضمّ في صدره كثيراً من الآمال والطموحات التي جالت في فكره عن وطن وأرض طالما كانت لنا في قلوبنا، أما في الواقع فهي ساحة صراع. ورأى على مدى الأيام فرحة في قلوب الناس بذلك الخبر، وصارت سعادته أكبر حين طلب مدرّس اللغة العربية منهم كتابة موضوع في التعبير عن فلسطين، الدولة """ في الأمم المتحدة، قال إن كلّ طالب منهم سيلقي ما كتبه أمام زملائه، في كل حصة للغة العربية، وسيكون ذلك حسب جلوسهم في الصف. وحدد المدرس أنه سيبدأ من اليسار إلى اليمين، أما عماد الذي كان يجلس مع زميل له في المقعد الأخير في جهة اليمين فقال في نفسه إن أمامه "" طالباً، سوف يستمع إلى آرائهم، ثم يكتب ملخصاً بما يقولونه.

ويوماً بعد يوم صار حلم الدولة يتبدّد في خاطره وفي خاطر غيره، ولكن بعضهم استمرّ في الظنّ أنه ممكن، ففي حصة اللغة العربية كل يوم تتجلى صورة، وتتضح أخرى ويموت أمل وتنتعش ذكرى. وأخذت الحيرة تملأ فؤاد عماد، فلم يعد على سجيته. تغيرت ملامح وجهه وأصبح الشرود أكبر تعبيراته وأكثرها وضوحا في ملامحه. وكان لعلامات التجهم نصيبها أيضا، وكانت التساؤلات تشغله كلّ الوقت. وحتى يريح نفسه شرع يبحث في الانترنت عن دولته المنشودة ويسأل هذا وذاك" وكل منهم يعطيه رأيا، فهذا مؤيد وذاك معارض، وهذا يبرهن وهذا يكتفي بالصمت. واستمرّت التساؤلات تغزو فكره: كيف لنا أن نبني دولة على أنقاض وطن كامل؟ وكيف لنا نحن أن نقسم وطننا؟ كيف وكيف؟ ولماذا؟

أسئلة كثيرة لم بعد يستطيع الإجابة عنها فتوجه إلى مدرّسه ووجه إليه السؤال: ما رأيك أنت؟

قال المدرّس: أنت تعلم رأيي جيداً، ولكن ما رأيك أنت يا عماد؟

قال عماد: لا أدري، لا أعلم، لم أعد أعرف من أصدّق أو بمن أثق. أصبحنا فرقاً وأطيافاً. لم تعد توحدنا كلمة، وأنا تهت.

قاطعه المدرّس: لطالما كنت مثال الطالب المجد والابن البار والشاب الناجح، لهذا ابحث عن إجابتك بنفسك، ولا تدع الآخرين يأخذون حقك في الكلام.

عذّبت روحه تلك الكلمات، ولم تُزل شيئاً من حيرته، فانهارت دموعه على وجنتيه أثناء عودته إلى المنزل. لاحظ ذلك أحد زملائه فسأله: ما بك؟

قال عماد: لا شيء. تذكرت أبي فقط. وتوجه إليه محاولاً الخلاص: ما رأيك باستحقاق أيلول يا نزار؟

ضحك نزار وقال: طبعا أنا معه. وصمت. رمقه عماد بنظرة استفهام وبصمت أيضا، فتساءل نزار: ماذا؟

قال عماد: لاشيء، لكن لماذا أنت معه؟

قال نزار: لأنه ستكون لنا دولة طبعا.

قال عماد: فقط لهذا السبب.

رد نزار: آه، أنت لا تريد دولة طبعاً.

زاد تجهّم عماد واستغرابه، فأضاف نزار: ولا بدّ أنك لا تريد مفاوضات. ولهذا بكيت. تذكرت أن والدك شهيد في إحدى عمليات القسّام الجهادية. اسمع يا عماد، أنا أحبك، لكن دعك من السياسة، فليعملوا هم ما شاءوا. أنا تعبت منهم جميعاً، لا أكترث لأمرهم، يتقاتلون على لاشيء ثم يريدون أن يتصالحوا، والاحتلال ينكّل بنا أشدّ تنكيل، والعالم صامت لا يتكلم. انسَ كلّ هذا وانتبه لدراستك. أما عن موضوع التعبير فاكتب للأستاذ أي شيء.

أثّرت تلك الكلمات في عماد كثيراً، وأخذت منه وقتاً طويلاً في محاولة فهمها، وأثناء شروده سألته والدته: ما بك؟ أراك غريبا هذه الأيام.

نام على صدرها وشرع في البكاء؛ فازداد قلقها وأخذت تهدّئه في محاولة منها لفهم ما يجري، لكنه أنهى الكلام وتذكّر كلمات والده: إن الرجال الأشداء لا يبكون، وان قلوبهم مستودع أسرارهم.

مرّت الأيام بصمت، وبدأ التصويت في الأمم المتحدة، وغابت شمس أيام أخرى، وانطوت صفحة فلسطين في الأمم المتحدة بعد مصاعب التصويت وغيرها من الإجراءات الطويلة. ثمّ جاءت بشرى سارة، جمعت كل حبيب بمن أحب، ولمت شمل عائلات طالما افترقت، هي يشرى نجاح صفقة تبادل الأسرى مقابل الجندي الصهيوني. وجاء التنفيذ، وتوحّدت فلسطين بأسرها. وعمت البهجة والفرحة، وتقابل الأهالي، وعانق كل حبيب حبيبه.

جاء موعد عماد، فيوم غد الخميس، سيلقي زميله ما كتبه وهو ما كتبه. بدأ ليلته التي كانت عارمة بالفرحة قلقاً ففارقه النعاس، ولأنه لم يعد يستطيع النوم، حمل قلمه وبدأ يكتب:

فلسطين الدولة """ في الأمم المتحدة، ربما تكون وريما لا تكون. سألتموني عن رأيي، فغلبني قلبي حيناً، وغلبني عقلي حيناً، أما دموعي فغلبتني أحيانا كثيرة. إن فلسطين ليست أرضاً نعيش عليها ولا هواء نتنفسه، فلسطين ليست ماء نشربه، ولا شهداً يحلّي ألسننا. إن فلسطين حلمنا جميعا، حلم جدّي الذي مات ودفن في الخارج منتظراً حق العودة. حلم أبي المجاهد الحمساويّ الذي قضى شهيداً. حلم عمي الفتحاوي والمجاهد أيضا، والذي مات شهيداً. حلم أمي الحبيبة التي تتمنى أن أكبر فأكون فيها طبيبا أو مهندساً أو نجاراً. حلم أختي الصغرى في دميتها المحببة، تلاعبها وتدللها بين أصابعها الرقيقة. حلم أخي الصغير في دراجته الهوائية يلعب بها فرحاً فيداعبه الريح مشاركاً له سعادته. حلم الأسير الذي تحرر بالأمس، وحلم الأسير القابض على الجمر خلق السجون هناك. حلم المرابط والشرطي الذي يحاول أن يحتضننا ويمنحنا الأمان فداء لنا.

فلسطين هذه ليست بحاجة إلى أمم لتعترف بها، فتضحياتنا تكفيها، أليست الأمم التي لجأتم إليها هي نفسها التي قسمت وطننا فلسطين وأعطته لليهود؟ كيف نثق بها وهي منحتهم روحنا؟ كيف نلجأ إلى من قسمونا؟ أتريدون اعترافا بدولتنا؟ لكن أليس العالم كله يعترف بنا؟ أليس العالم كله يعترف بفلسطين! هناك جاليات في أوروبا وأمريكا، وهناك منظمات وجمعيات كثيرة ومساعدات أكثر، من شتى بقاع الأرض، لفلسطين؛ أليس هذا اعترافا؟ سواء أقبلتنا الأمم المتحدة أم لا، نحن معترف بنا".

أنهى كتابته وغفا على سريره يعانق أحلاماً كثيرة. وحين أشرقت الشمس ضاحكة معلنة يوماً جديداً، نهض عماد ونهض معه البيت يؤدون صلاة الفجر ويتلو هو ورده اليومي من القران ويراجعه، ثم يرتدي ملابسه ويتناول فطوره. أثناء تناول الإفطار رنّ جرس الهاتف، فإذا بزميله خالد يتصل به ليعلمه أنه ينتظره في الشارع، لأن عليهم التوجه باكراً إلى المدرسة لحضور حصة إضافية.

حمل عماد حقيبة المدرسة وقبّل والدته وإخوته وقال لأمه وهو خارج: أمي، لقد اشتقت إلى أبي وسأزور قبره اليوم بعد المدرسة. لا تقلقي إذا تأخرت قليلاً. ثم عاد يركض، فقد نسي التعبير على الطاولة.

سلم على زميله وانطلقا إلى المدرسة، وفي الوقت ذاته دخل مستوطنون شارع المدارس واعتدوا على من فيه بعصيهم وسكاكينهم وهراواتهم، وسقط زميله جريحاً أمام عيني عماد، فصرخ يطلب النجدة، وأسرع خلفهم وزميله يطلب منه العودة، لكن الصوت صار يخفت حتى اختفى.

وصلت سيارات الإسعاف، والزميل المصاب يردّد اسم عماد.

شعرت الأم بالانقباض فجأة، وفتحت التلفاز لتفاجأ بخبر عاجل عن هجوم المستوطنين على شارع المدارس الثانوية. خفق قلبها خوفاً، وانطلقت مسرعة إلى المكان. لم يكن عماد هناك. سألت بين الجرحى، لكن أحداً لم يره. سألت عن زميله فأجابوا أنه في المستشفى. هرعت إليه مسرعة، وهي تتمنى أن يكون ابنها مع زميله أو  جريحا فقط.

هناك وجدت ابنها. قالوا لها: إن الشرطة أدركته شهيداً على الأرض، وهو يحمل في يده ورقاً أبيض تلوّن بدمه الطاهر، وقالوا: إنه كان يقاتل، ففي جسده كثير من الطعنات.