جامعة القدس المفتوحة

الجوهرة المسلوبة.. بقلم الطالبة آيات مروان غنام- فرع جنين

نشر بتاريخ: 12-09-2012

لن أنسى ذلك اليوم الذي توجهت فيه إلى القدس أبداً، لقد أراد لي أبي أن أكمل الحادية عشرة من عمري في القدس الشريف. عندما ركبنا الحافلة، أصابتني رعشات خفيفة غمرت قلبي بالسعادة والحماسة. ومع أن نار الشوق إلى الأقصى كانت تحرق قلبي، لكنّ هذه الرعشات نجحت في إشعاري بالسعادة والفرح الكبير!

لا أعلم ما الذي أصابني في طريقي إلى القدس. كنت أشعر بأن كلّ شيء يتكلم معي، يخبرني بشوقه الشديد إلى القدس والمسجد الأقصى. كنت أرى الأشجار تبتعد عني مسرعة، ولكنها تترك في أذني همسة شوق وتحية للمسجد الأقصى. كانت تقول لي: أحضري لي حفنة تراب من القدس أبارك بها جذعي وأحلّي بها ثمري.

وقفت الحافلة بالقرب من بيت قديم من أجل قسط من الراحة. دفعني منظر البيت القديم للنزول، وعندما اقتربت منه رأيت كتلة من النجوم اللامعة فوق بعضها بعضاً. كان المنظر غاية في الروعة. أسرعت إليه، فإذا بها زيتونة كبيرة تغطّي أوراقها قطرات الندى التي تلعب بأشعة الشمس الصباحية فتعكسها يمينا أو تعكسها يسارا. لقد بدت شجرة الزيتون كأنّها شجرة عيد الميلاد المزيّنة بالأشياء اللامعة والجميلة.

ألقبت تحيتي عليها، فاختلط صوتي بتغريد الطيور التي تملأ أعشاشها أغصان الشجرة وشبابيك البيت القديم. ردّت الزيتونة تحيتي كما تردّها جدّتي تماما. ثم وقع بصري على عش مليء بالفراخ الجائعة. كان منظرها محزناً. فاضت عيناي بالدموع عندما بدت لي الفراخ كأطفال غزّة المحاصرين. سألت الشجرة: هل كلّ هذه الأعشاش مليئة بالفراخ الجائعة؟

قالت: نعم.

قلت: فراخ مسكينة، أين آباؤها؟

أجابتني بصوت واثق: لا تقلقي يا صغيرتي، فالنهار ما زال في بدايته، ولا بد أن آباءها سيحضرون لها الطعام.

قلت في نفسي: هذه الفراخ محظوظة بالنسبة لأطفال لا يجد آباؤهم الطعام لأنفسهم حتى يطعموا صغارهم!

سألت الشجرة: هل أنت هنا منذ وقت طويل؟

قالت: نعم يا صغيرتي. لقد زرعني أحد أجدادك الفاتحين الأوّلين، وشهدت غزو الصليبيين لهذه البلاد المباركة.

ثمّ صمتت قليلا وأكملت: كذالك لا أنسى يوم تفيّأ بظلي صلاح الدين. لقد كان باسم الوجه لامع العينين فرحاً بنصر الله على الصليبيين.  

قلت بحماسة شديدة: لا أصدّق! هل رأيت صلاح الدين؟ آه ما أجمل حظّك! هل تعلمين أنني اليوم ذاهبة إلى قدس الصلاح؟

ردّت: هذا جميل، جميل جداً، طبعاً إن دخلت إلى القدس.

ـ جميل جدّا فقط! كنت أعتقدك شجرة حكيمة. ولكن ماذا تقصدين بقولك "إن دخلت إلى القدس"؟ وهل يمكن أن أعود؟ لا، لا تكوني متشائمة هكذا. منذ قليل تكلّمت عن صلاح الدين وأمجاد الفاتحين، فكيف أصابك التشاؤم؟

قالت: أنا لست متشائمة، ولكنّهم لا يسمحون بدخول القدس.

أخفيت قلقي تجاه ما تقول. استندت إلى جذعها ولم أقفل قلبي في وجهها. قلت: كم رأيت القدس في حلمي! حتى وأنا مستيقظة كنت أبصرها بقلبي. في المدرسة كنت أراها على السبّورة. وفاجأتني بسمة خرجت من قلبي إلى شفتيّ وأنا أقول: سأراك اليوم يا قدس، ولن أرى سبورة المدرسة. سأحدّق في نقوش جدرانك، وفي زخارف قبّتك دون أن يطلب مني أحد أن أراعي الدرس، وحتى دون أن يتحادق أحد بسؤالي: بماذا تفكرين؟

قطع والدي سلسلة أفكاري عندما طلب مني أن أتوجه إلى الحافلة التي حان موعد انطلاقها من جديد. كانت علامات الدهشة تبدو واضحة على وجه أبي، وكثير من الأسئلة يدفع بعضها بعضاً، ولكنها تختنق في فمه قبل أن تخرج. كنت أعلم أن هذه الدهشة أصابت والدي عندما سمعني أتكلم، ولم يعرف مع من. كانت عيناه تجولان في المكان بتمعّن شديد، ولكنّه لم يجد زيتونة تبدو علامات الشيخوخة واضحة على جذعها، أو بيتاً قديماً لا يسكنه أحد سوى الطيور. قلت في قلبي: لو أخبرتك أنني أكلم الشجرة، فلن أستطيع رؤية وجهك من الدهشة. هذه الكمية منها تكفيك في هذا الوقت.

تذكّرت: لن أستطيع توديع الشجرة. نظرت إلى الوراء فقالت الزيتونة: اذهبي في أمان الله. إن دخلت إلى القدس فأخبريها أن طفلا صغيراً مرّ بجانبي البارحة، فرأيت فيه صلاح الدين. أقسم لك أنهما نفس العينين البرّاقتين.

ضمرت في قلبي أن هذا هو أول ما سأخبر القدس به. هززت رأسي ثم أكملت طريقي خلف والدي الذي سار دون أن يسمع حديث الزيتونة.

في الطريق، أعاقت حركتنا جرّافات صهيونية، ظننتها ذاهبة لبناء إحدى المستوطنات التي تخنق ذلك المكان.

غافلني النعاس وتسلل إلى عيني. وأثناء نومي حلمت حلما جميلا. رأيت القدس في حلمي. لم يكن عجيبا أن أرى القدس في حلمي، ولكن العجيب هو أنها هذه المرة كانت سعيدة، على عكسها في أحلامي، فالقدس فيها قد تكون طفلة استشهدت، أو أسيرة خلف القضبان، أو أمّاً فقدت ابنها، أو عروساً خيّم الليل على جمالها، فلم ير بهاءها ولا ذهبها ولا حتى ثوبها الأبيض. أما في حلمي هذا فكانت القدس أميرة حولها حراسُّها. كانت تدور حول نفسها فرحة بقدومنا وأبوابها مفتوحة لاستقبالنا. والغار فاحت رائحة أوراقه والسرو والصنوبر زاد شموخه، والزيتون فاح مسك الشهداء من جذوعه، والمآذن استقبلتنا بالتهليل والتكبير تدعونا للصلاة.

استيقظت مشحونة بالسعادة والحماسة، واختلطت مشاعري بعضها ببعض. شعرت بأن الحافلة تسير ببطء شديد، فطلبت من والدي أن ننزل ونركض باتجاه القدس، مبرّرة ذلك بأننا سنصل أسرع من هذه الحافلة. وقلت له: ثمّ إن هذا السائق بطيء جدا، ولا يعرف القيادة.

ضحك والدي وقال: اصبري قليلا، كدنا نصل.

ما إن تحرّكت عيناي حتى رأيت السائق ينظر إليّ غاضباً، ثم قال: ألا تعجبك قيادتي وأنا أمهر سائق في هذه المنطقة؟

ونظر إلى والدي الذي أدرك سوء الموقف وقال: أسكت ابنتك، فقد أثارت غضبي. ثم هل ترى الوقت مناسبا للثرثرة؟

جعلني والدي أعتذر للسائق، مع أنني لا أرى حاجة لذلك، ولكني اعتذرت عن رأي قلته بصراحة.

لم يكن الهدوء سائداً منذ فترة طويلة عندما قال السائق: وصلنا إلى القدس.

نظرت من حولي. لم أر سوى جدار من الإسمنت الأسود، منظره يبعث على التشاؤم، ورؤيته أسوأ من رؤية مائة جندي إسرائيلي معاً. لم أستطع أن أصمت، وأساسا لم أفكر بالصمت! قلت: أين هي القدس؟ لا أرى سوى جدار إسمنتيّ يشبه الأفعى السوداء!

قال السائق: وماذا تتوقعين أن تري؟

قلت: أن أرى جدراناً قديمة تحرس المدينة، لا جداراً يسجنها. أتوقّع أن أرى أضواء مدينة بهية. أن أرى القبة تتوهج. أن أرى أشياء جميلة تبعث على السعادة، لا أشياء تسلب السعادة والهناء.

قال السائق: عن أية سعادة تتكلمين؟ هل تتوقعين أن منظر المستوطنات المكدسة فوق بعضها بعضاً له أي بهاء أو رونق يبعث على السعادة؟ هل ترين أية راحة وقد اصطدمنا بمائة حاجز إلى الآن؟ يبدو أنك لم تري القدس منذ وقت طويل. حسناً، إن دخلت إلى القدس فسترين غرباناً سوداء في كلّ مكان، وسترين سلاحاً أجنبيا يسلط عليك في كل دقيقة. سترين البيوت المهدمة و...

قطعت حديثه: لا تقل إن دخلت إلى القدس. لن يردّني أحد عنها: هي عربية، وأنا عربية.هي فلسطينية وأنا كذلك. هي كلّ شيء بالنسبة لي.

وساد الصمت.

كانت كلمات السائق أول صدام بيني وبين الواقع المرير الذي طالما أغلقت عينيّ حتى لا أراه. في الطريق كنت أنظر إلى الأرض الفلسطينية تحت المستوطنات، أو إلى السماء العربية فوقها أو إلى الأشجار على أبوابها وأغلق عينيّ عن المستوطنات نفسها، لأني إن أدركت هذه الحقيقة فهناك ما هو ألعن منها يجب أن أقتنع به، وهو أني لن أدخل إلى القدس، لأني فلسطينية.

وصلنا إلى الحاجز الأخير، وكانت القدس خلفه. كانت قريبة جداً. ساد هدوء غريب في الحافلة، ومشاعر غريبة لا أعلم ما هي، ولكن، وبإشارة من جنديّ إسرائيلي عادت الحافلة إلى الخلف، ورجعنا عن القدس. كل أحلامي وكلّ آمالي لا تساوي الآن شيئاً عند قانون إسرائيلي حاقد لا يعلم مدى حبي للقدس وتعلقي بها، مثل غيري من أبناء شعبي!

لم أحتمل. الآن رأيت القدس أسيرة تماماً كما في حلمي، ولكنه ليس حلماً هذه المرة، بل هو واقع مرّ. شعرت بأنها أمّ عربية تحتاج مني إلى كلمات أعزّز بها صمودها إلى حين يصحو النوّم. لم أتمالك نفسي. صرخت من النافذة هاتفة: يا قدس الطهارة والصلاح، قسماً لن ينال منك هؤلاء الغربان! إني أرى البركان يشتعل في عيون أطفال الحجارة، وأرى الحجارة تعصر غضبا في أيديهم، وأراهم يصدّون مدافع الاحتلال بصدورهم العارية فداء لك، فاصبري إلى يوم ينتصر فيه أطفال الحجارة.

ولا أعلم هل سمعتني القدس أم لا، فعندما انتهيت كانت قد ابتعدت كثيرا. 

 عندما عدت عن مسرى الرسول، تملكتني مشاعر حزن وغضب. رأيت جزءاً مما تعانيه القدس، فأصبح تعلقي بها وبحريتها أكبر من ذي قبل. لن تغيب القدس عن بالي أبدا، فالقدس الآن في بحر من الآلام  والأحزان، وعلى كل مسلم يغضب لحرمات الله أن يغضب من أجل القدس، من أجل ثالث الحرمين الشريفين.

توقفت الحافلة في المكان الذي استراحت فيه أثناء توجهنا إلى القدس. نزلت منها وأسرعت إلى الزيتونة. كان هناك كثير من الكلام الذي أحببت أن أخبرها به، وأردت أن أطمئنّ على الفراخ الجائعة. وعندما وصلت، ما أبشع ما رأيت! لقد اقتلعت الزيتونة من جذورها، ودمرت الأعشاش والبيت القديم.

صرخت: من فعل هذا؟ أيّ وحش مرّ من هنا؟

أجابني صوت من الخلف: إنها وحوشهم.

استدرت، فإذا به رجل عجوز يجلس على أنقاض البيت القديم المهدّم. قلت والدموع تنهمر فوق خدّي: لقد مررت على هذا المكان في الصباح، كان في غاية الروعة والجمال. لم أقدم على قطف زهرة واحدة منه، خوفاً من أن أتلف رونقه، فكيف يستطيع هؤلاء الوحوش تدميره هكذا؟ وأية عقول إجرامية هذه، أية قلوب لا تشفق على أعشاش مليئة بالفراخ؟ لم يكتفوا بهدم البيت وقطع الزيتونة، بل مزّقوا الفراخ إلى أشلاء!

قال العجوز: الزيتونة! صمدت هذه الزيتونة طويلاً أمام جرافات الاحتلال. منذ الصباح وهي تحاول اقتلاعها حتى قبل مجيئكم بقليل، ومعها دمروا هذا البيت؛ فهما دليل واضح على عروبة هذه الأرض. أما الفراخ فقد مزقتها نعالهم وجرّافاتهم. لا بدّ أنهم فعلوا ذلك من أجل مستوطنة جديدة.

صمت قليلا ثم أكمل: هكذا قامت إسرائيل، فوق أشلاء ودمار!

قلت: هذا إرهاب بلا حدود، ومصيره الزوال، كما زال كلّ احتلال عن هذه الأرض. انظر إلى هذه الفراخ الممزّقة. إن حالها كحال أطفال غزة. سينتقم الله لهم على أيدينا، وسيأتي يوم تلفظ هذه الأرض وحوشهم، فلا يمكن لأرض طيبة أن يعيش عليها من هم مثلهم.

ابتسم الشيخ وقال: صدقت يا بنيتي.

عدت إلى جنين، وعادت أحلامي تسيطر على عقلي أكثر من ذي قبل، وبقي حلم الحرية ـ بكل جرأته ـ يراودني في كلّ ثانية، يتبعني مثل ظلي في النهار، ويشبه في الليل نجما ساطعا، لكنه أجمل. وكتبت على جدار المدرسة بخط واضح: نعم، عدت عن القدس، ولكني سأعود إلى القدس، فهل يستطيع أحد أن يقتلع القدس من قلبي؟

وفي اليوم التالي وجدت مكتوبا بخطّ أكبر من خطي: "محال"